قصاصات قابلة للحرق

Monday, January 5, 2015

بالقلم والمسطرة



spc

قصة أطفال أرسلتها لي صديقتي الرقيقة التي أُشبِّهها دومًا بفراشة آدمية، قالت إنها ستتقدم بها إلى إحدى المسابقات الأدبية. القصة تليق بها جدًّا … إنها ذلك المزيج الشاعري الذي لا يمكن وصفه. كنت أومن دومًا أن قصص الأطفال الجيدة تقترب من الشِّعْر حتى لَيزول الحاجز بينهما. بالتأكيد هناك قصص لهانز كرستيان أندرسن وأوسكار وايلد ولويس كارول واللَّبَّاد يصعُب أن تصنفها: أهي أشعار أم قصص؟ أضف لهذا أن اللَّبَّاد كان يرسم قصصه كذلك. اقرأ قصيدة لسوزان عليوان وشاهد رسومها الطفولية الساحرة، ولسوف تجد الحدود بين عالم الطفولة والشعر ممحوَّةً تمامًا.


قصة صديقتي كانت ناعمة وكُتِبت جيدًا، وتتحدث عن صبيٍّ حَلَم كثيرًا فتحقق حلمه. لكنَّ ثَمَّة شيئًا لم أرتَحْ له ولم أستطع التعبير عنه بكلمات، ثم فطنت بعد قليل إلى أنه عنصر المباشَرة … المباشَرة هي السبب … هذه قصة صُمِّمَتْ بدقة وبالقلم والمسطرة لتفوز!

تذكرت مرة منذ خمسة وعشرين عامًا، عندما تقدمتُ بقصة أطفال لمسابقة كبرى. كنت — على عكس صديقتي — في حاجة ماسة للمال، فصمَّمت القصة بعناية شديدة بحيث تفوز! هناك نهر النيل الغاضب لأن الناس يُلقون فيه المخلفات، وهناك طفل صعيدي يزوره ليطمئن عليه ثم يجمع الأطفال ليُقسموا له أنهم لن يلوثوا مجراه بعد اليوم، فيفرح النيل ويخرج ليلعب معهم. قصة مُحكَمة كما ترى ولا يمكن أن تفشل أبدًا. فيها معلومات ووعي بيئي، ومصمَّمة بالقلم والمسطرة لكي تنجح في أي مسابقة لأدب الطفل … على كل حال لم تفُز قصتي … ويبدو أن اللجنة لم تبتلع هذا الطُّعم!

في مرة أخرى كتبت أغنية تقول ضمن كلماتها:
كانت عنيكي عنيا وإيديكي هيا إيديا والليل حفظ خطاوينا لحظة لقانا الجاية هَبَّة هوا سمعتها جريتْ تنادي عليا
راق هذا المقطع لصديقي الأديب أيمن الجندي، فاقترح عليَّ أن أعطي الأغنية «لمسة كونية» أكبر من هذه … قلت له إنني سأفعل هذا بالتأكيد، وفي ثانيتين غيَّرت أول بيت إلى:
كانت عنيكي عِنيا وحاسس حاجات كونية!
وهو نوع من النصب لم يرق له طبعًا. لكنني رأيت أن هذه مسحة كونية كافية جدًّا!

مع الوقت تعلَّمتُ أن جمع ألفاظ مثل «عبير» و«نسيم» و«بِلَّور» و«ندًى» و«بنفسج» و«شفاف» في مكان ما يعطي جوًّا نفسيًّا معينًا… يمكنك أن تتظاهر بالرقة والرومانسية حتى لو كنت خرتيتًا، وقد قرأت دواوين شعر كُتِبَتْ كلها بهذه الطريقة. هناك كذلك خلطة مضمونة للشعر الحداثي … لا بد من الكلام عن دون كيشوت ولوركا وربما بعض التجديف الديني … مثلًا ارتجلت ذات مرة هذا المقطع:
أتدحرج عبر الطرقات الشتوية
تخنقني أزمنة اللاجدوى …
تقذفني المدن الموبوءة
أنا دون كيشوت العصر
تقتلني طاحونة فكري …
كُتَّاب الرعب يعرفون أن تواجد ألفاظ «مقبرة» و«ليل» و«عواء» و«وحشة» … إلخ في مكان ما يخلق جو الرعب قبل أن تعرف ما ستكتب عنه.

في مرة أخرى رأيت في التلفزيون مهرجانًا عالميًّا للأغنية. رأيت الفنان مودي الإمام يقدِّم بصوته الرخيم وألحانه العبقرية أغنيةً بالإنجليزية من كلماته، يصاحبها عزف على البيانو:
أيها الجنرال
لقد تعبت من إطلاق الرصاص
أطفالي بحاجة إليَّ
وأنا أريد العودة لمزرعتي …
أريد أن أتقاعد …
لا أريد أن أغزوَ أرضًا، ولا أريد إمبراطوريتكم …
أرجوكم
أوقفوا الحرب!
أوقفوا الحرب!

أغنية جميلة، لكني شعرت فيها أنها صُمِّمَتْ بالقلم والمسطرة لتروق للجنة تحكيم أغنية دولية. كل حرف قد كُتِبَ وعينه على اللجنة، وهو يعرف ما يروق للغربيين. هذه الخلطة المضمونة من وقف الحروب والسلام والفلَّاح الذي يرغب في العودة لمزرعته … خلطة لا تفشل أبدًا. وهي تذكِّرك على كل حال بأغنية أجنبية أخرى تقول: «لِمَ لا نستطيع أن نكون أصدقاء؟ لا تسأل الجنرال عن سبب هذه الحرب، فهو سيفقد وظيفته لو انتهت!» كما أنه بالتأكيد كان يضع في ذهنه أغنيات ناجحة مثل «الشفقة» و«دعوا الشمس تدخل» … إلخ. لا أعرف يقينًا ما حدث يومها، لكن الأرجح أن اللجنة لم تبتلع هذه الخدعة. للأسف لم تعُد اللجان تمارس عملها ببراعة كما في الماضي.

قال النُّقَّاد الفرنسيون ذات مرة إن خلطة الفوز بجائزة أوسكار مضمونة. للحصول على أوسكار أفضل ممثل يجب أن تؤديَ دورًا تاريخيًّا ملتحيًا … أو تؤديَ دور مدمن مخدرات يقاوم إدمانه. للحصول على أوسكار أفضل ممثلة، فعلى الممثلة أن تؤديَ دور عاهرة لها قلب من ذهب! أيُّ فيلم في معتقل نازي لليهود، يظهر فيه الأسرى ذوو البيجامات المخطَّطة هو فائز أكيد بالأوسكار! تَذَكَّرْ أفلامًا مثل عازف البيانو والصبي ذي البيجامة المخطَّطة وقائمة شندلر لتعرف أن هذا كلام دقيق …

الموضوع صعب … إنَّ تمييز التلقائية في العمل من الافتعال أمر قد يكون صعبًا. بل إن الأمر أقرب للتفتيش في الضمائر: هل كَتَبْتَ هذه القصيدة لأنك أردت كتابتها، أم لأنك أردت أن تفوز بجائزة في ذاك المهرجان؟ عندما تنهض في المترو لتُجلِس فتاة حسناء مكانك، فقد يكون السبب هو أنك فارس وجنتلمان، وقد يكون السبب هو التظاهر والادِّعاء أمام الناس، وقد يكون السبب هو أنك تشتهيها وتتمنى أن تقودك المعرفة لآفاق أرحب، ولربما لأن جلوسها سيمنحك رؤية أفضل وأكثر شمولًا. التفرقة صعبة جدًّا وتحتاج لحساسية زائدة كي تُميِّزَها.

في النهاية اعتذرت لصديقتي الفراشة الآدمية وتمنيت لها الفوز في المسابقة … ربما أنا مخطئ وأبالغ في التذاكي، لكنِّي أتحدث عن شيء جرَّبْتُه مرارًا؛ لهذا أعتقد أنني أميِّزه بسهولة! إنه الإبداع بالقلم والمسطرة