قصاصات قابلة للحرق

Monday, February 23, 2015

فوق وتحت



spc


عرفت (عادل) في الكلية شابًا طيب القلب وديعًا، أقرب لكتلة من العواطف المشتعلة التي غطوها بقشرة. إنه من الطراز الذي يحمل قلبه على يده ويحب بسهولة جدًا، و(يندلق) كما نقول في العامية. ظهرت لمياء في الدفعة كشمس واهجه حارقة. تلبس أحدث الموضات الباريسية وتضع أغلى العطور، ومن المعروف أنها من أسرة غنية جدًا تملك نصف المدينة.

قرر عادل المسكين أن يقع في الحب. هو من أسرة متوسطة الحال مكافحة تقطن في قرية جوار محافظتي. وقد حرص على أن يرتدي البول أوفر البرتقالي الذي يدخره للمناسبات الشامخة وأن يمشط شعره للوراء، كما حرص على أن يضع بعض العطر الذي ابتاعه بالجرام من كشك حمزة كلما ذهب للكلية. لكن لمياء لم تشعر به ولم تر ما طرأ عليه من تغيرات، ولم تر نظراته الحانية أو تشم رائحته.

أخبرني بالجراح التي تمزق قلبه، وطلب مني حلاً. فقلت له إنه لا يوجد حل، لأن الأمر يتعلق بأعنف أشكال الصراع الطبقي. هو طالب في بداية حياته ومتوسط الحال. لا يوجد شيء يمكن أن ينمو ليقرب بين الضفتين. لذا أخبرته ببيت شعر العباس ابن الأحنف الرائع: 
هي الشمس مسكنها في السماء. فعز الفؤاد عزاء جميلا
فلن تستطيع إليها الصعود. ولن تستطيع إليك النزولا

مرت الأيام والتأمت جراح القلب. صحيح أنها تركت ندبة، لكنها لم تعد تؤلم كما كانت. تزوجت لمياء لا أدري ممن. ربما كان أحد أمراء أسرة البوربون أو هابسبورج. ربما كان امبراطور المطاط أو ملك البن أو سيد المانجو. المهم أنها كانت زيجة متكافئة فعلاً، وقد ظلت الصحف تتكلم عنها عدة أسابيع، ويبدو أنهم كانوا يقدمون لكل مدعو فيلاً مشويًا لطعامه وطائرة هليوكوبتر لتنقلاته. أشياء من هذا القبيل.

صار عادل طبيبًا شابًا ذكيًا، يأتي له المرضى من قريته يسألونه عن رأيه، وقد أبدى أساتذته التفاؤل بصدد مستقبله. لكنه ما زال يحمل ذلك القلب المتوهج النشيط الشبيه بجهاز الكشف عن الفيروس سي. أي فتاة جميلة تمر أمامه يتحرك المؤشر باتجاهها.

جاء يوم أخبرني فيه أنه واقع في حب فتاة. الفتاة تقوم بتصوير الأوراق في مكتبة صغيرة على بعد خطوات من المستشفى الذي عمل فيه. قال لي إنها جميلة. لكن الأجمل أنها لا تعرف هذا. مهذبة. رقيقة وتعرف كيف تحافظ على كرامتها، وأصر على أن أذهب معه لنراها. هكذا وجدت نفسي مرغمًا على أن أقوم بتصوير بطاقتي الشخصية عدة مرات في تلك المكتبة. أما هو فوقف في حالة ذوبان تام يرمق كل حركة من حركاتها الرشيقة. كانت جميلة بلا شك، ومن الواضح أنها محترمة، لكني أدركت من ثيابها الفقيرة جدًا ومن شحوبها ومن الشبشب الذي تطل منه أصابع قدميها المتورمة، أنها ليست من طبقته على الإطلاق. هي من طبقة أقل منه بكثير.

لما ابتعدنا سألني عن رأيي فقلت إنني لا أرتاح للفتاة الجميلة جدًا التي تنشأ في بيئة فقيرة كهذه. ثم أنني أؤمن أن الزواج لا ينجح أبدًا من دون توافق ثقافي وعمري وديني وطبقي. لا تكن ملحدًا ثم تتزوج فتاة منتقبة لا تكف عن قراءة كتب الحديث.. والعكس صحيح. لا تكن فقيرًا مفلسًا وتتزوج فتاة مثل لمياء والعكس. لا تكن دكتورًا في الفلسفة وتتزوج باتعة بائعة الخضر في أول الشارع.. والعكس. لا تكن الشيخ إبراهيم الستيني وتتزوج فتاة خرجت لتوها من المراهقة.. والعكس صحيح.

لهذا رأيت أن هذه زيجة فاشلة قبل أن تبدأ. وفي هذه المرة قمت بتأليف بيت شعر خاص بي: 
هو الفطر مسكنه في الكهوف. فعز الفؤاد عزاء شديدا
فلن تستطيع إليه النزول. ولن يستطيع إليك الصعودا.

نظر لي في حنق دامع العينين، وقال: 
"إذن كل قصص حبي لا تنجح؟ سواء اخترت طبقة أعلى أو طبقة أقل؟"
قلت في برود: 
"ثمة حل ممتاز هو أن تختار واحدة من طبقتك"
"لا أستطيع. كلهن قبيحات كالأبالسة سمجات كالحلاليف البرية"
ثم نظر لي بكراهية وقال: 
"على كل حال أعتقد أن أفضل الحلول هو ألا آخذ رأيك بعد اليوم. أتمنى لك التوفيق في حياتك يا كابتن. سلامو عليكم"