قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Loading...

Monday, February 9, 2015

عصر الذئاب



spc


بالطبع لم أستطع مشاهدة فيديو حرق الطيار الأردنى الشهيد، ولكن رأيت صورة ثابتة فى الصحف. ما زلت لا أطيق رؤية مشهد حرق الجندى الحبيس فى قفص فى فيلم (القلب الشجاع) أو حرق الضابط فى نهاية فيلم (رجل الخيرزان)، فماذا عن مشاهد حقيقية فعلا؟. تعبت جدا وقرفت من كل هذا العنف والتوحش اللذين يشيان بأن الإنسان أقسى وأشرس من أى ذئب مسعور. لم أر أيضا فيلم إعدام الضابط المصرى فى سيناء والذى توسل لقاتليه بأن زوجته حامل.

لاحظ أن هذا الضابط كان يؤدى عمله لا أكثر ولا أقل. الحاجة لدى هذه التنظيمات إلى الصدمة والترويع تجعلها تفتك بالأبرياء بقسوة بالغة. وفى النهاية الرد جاهز: هم فعلوا بنا أشياء مماثلة لكنهم لا يسجلون ما يفعلون بالكاميرا . متى يتوقف هذا الجحيم إذن؟ ومتى يستطيع أولادنا أن يعيشوا؟. وما يثير الجنون أكثر هو التعليقات على النت.. لقد تحول المعلقون إلى ذئاب وهم يتلذذون جدا إذا حدثت هذه المشاهد لخصومهم، بل يؤيدونها بشدة.. طرف يراها جهادا مباركا وطرف يراها جراحة تطهيرية ضد التطرف والدولة الثيوقراطية.. فإذا حدث شيء كهذا معهم راحوا يصرخون شاكين توحش البشر.

لا يوجد ما يقال، وقد فكرت فى عدم كتابة مقال هذا الأسبوع، لأن الكلمات رخيصة جدا أمام هذا الذى نراه، ثم رأيت أن أعيد تذكيرك بمقاطع من مقال نشرته منذ أسابيع عن قلب الظلام، وكان هذا فى العصر السعيد الذى كانوا يذبحون فيه الضحية بدلا من حرقها حية.

كنت أتكلم عن فيلم (سفر الرؤية الآن) تحفة المخرج الأمريكى فرانسيس فورد كوبولا، والذى أخرجه عن رواية (قلب الظلام) لجوزيف كونراد. قصة كونراد تدور فى أحراش أفريقيا أيام صيد العاج، والرحلة الرهيبة التى يقوم بها البطل عبر النهر للقاء كورتيز.. تاجر العاج غريب الأطوار الذى صار مزيجا من سفاح وتاجر عاج وفيلسوف وشاعر ونبى كاذب وإله أفريقى وثنى، والسبب هو أنه دعا لدين جديد هو (الرعب).. من الواضح تماما أن الرحلة فى النهر هى رحلة داخل نفوسنا ذاتها، وأن قلب الظلام هو أعماقنا. فى الفيلم الأمريكى تصير أفريقيا هى فيتنام، ويصير كورتيز ضابطا أمريكيا منشقا لعب دوره بامتياز مارلون براندو. يكون على الضابط الأمريكى الشاب الذى كلفته المخابرات باغتيال كورتيز أن يبحر عبر نهر الميكونج، فنشعر أن القارب يتوغل عبر دوائر جحيم دانتى ذاتها، ويعبرون الحدود إلى كمبوديا كأنهم يعبرون إلى عالم آخر. فلسفة كورتز هى العنف والرعب والمزيد منهما.. لابد للمرء أن ينقب فى روحه عن القسوة. الفيتكونج كما يقول قساة لهذا يربحون الحرب.. ذات مرة قامت القوات الأمريكية بتطعيم أطفال قرية ضد شلل الأطفال فجاء الفيتكونج بعدها وانتزعوا أذرع الأطفال انتقاما!. علينا – والكلام لورتيز– أن نكون مثلهم. فى مشهد النهاية الشنيع يتحول الضابط الأمريكى المكلف بقتل كورتيز إلى قاتل شيطانى كالذى تمناه الأخير. يدخل على كورتز فى مخدعه ليمزقه بسكين عملاقة يحملها. لحظة احتضار كورتز يهمس بالكلمة التى يعتبرها وصيته للعالم:
ـ الرعب !!

الرعب !... هذا الوحش النائم فى أعماقنا والذى يخرج بسهولة بالغة... يمكن القول إن كورتز حقق فلسفته بنجاح تام..

كنت أتكلم فى المقال عن مصرع ثلاثين من أبنائنا الجنود فى سيناء ضمن عمليات الإرهاب الأسود، ثم جاءت عملية الخميس الدامى الماضية لتضيف أرقاما أخرى مماثلة !.. نفس المكان ونفس الطريقة ونفس الأعداد تقريبا. تذكرت وقتها كلمة كورتيز: الرعب !

قلت إننى تذكرت الرعب منذ عام ونيف وأنا أرى مشاهد الجرافات تزيح الجثث المكفنة فى رابعة بينما الناس يحاولون منعها، والفتاة التى اخترقت الرصاصة حلقها وهى تلتقط صورة، والشاب الذى سجلوا لحظات احتضاره بعد رصاصة اخترقت عينه، وبالطبع الجثث التى أحرقت بالغاز فى هولوكوست سيارة الترحيلات. تذكرته وأنا أسترجع مشهد المتظاهر الذى يفتح سترته لجنود الشرطة فى الأسكندرية، فيطلقون عليه الرصاص كأنه كلب، وتذكرته وأنا أرى السيارات تدهم المتظاهرين كأنهم صراصير، وبالتأكيد تذكرته وأنا أرى ذلك الرجل الملتحي فى الأسكندرية يقذف من حالق فتيين مراهقين تحصنا فوق بناية عالية.....الرعب...

تذكرته وأنا أتذكر المصرى الذبيح المعلق بخطاف من رقبته فى قرية كترمايا اللبنانية، بينما القرية كلها تهلل وتلتقط الصور كأنه سمكة قرش ضخمة اصطادوها.

وماذا عن الفتاة التى جردوها من الثياب وأحرقوها بالماء المغلى واغتصبوها فى قلب ميدان التحرير؟... الرعب...

تذكرته وانا أسترجع مشاهد قتل القذافى منذ ثلاثة أعوام بالضبط، يوم 20 أكتوبر 2011.. الرجل المسن المذعور الغارق بالدماء، والذى ينهال عليه عدد من المقاتلين ضربا حتى الموت. قلت يومها أنه عمل قاس لكنه مفهوم، بالنظر إلى ما فعله القذافى فى شعبه طيلة أربعين عاما، وكيف دعا إلى فتح مخازن السلاح ليحرق الثوار. لكن المشهد كان شنيعا بلا شك. وجثته وجثة ابنه معروضتان لمن يتشفى ومن يلتقط الصور ومن يسخر منهما. الرعب... تذكرته وأنا أسترجع مشاهد شنق صدام حسين وهم يتشفون فيه ويصيحون: إلى جهنم!.. ثم يهتفون بحياة خصمه الشيعى ولا يسمحون له باستكمال نطق الشهادتين. تذكرته وأنا أتذكر جثتى ابنيه المعروضتين فى فخر لمصورى الفضائيات....الرعب...

رأيت فى الأعوام الأخيرة مشاهد ذبح تفوق فى عددها ما كان المواطن يراه أيام الحجاج بن يوسف الثقفى. كل قصص (فضرب عنقه) التى تزدحم بها كتب التاريخ تتكرر اليوم بشكل مكثف، بدءا من نيكولاس بيرج الذى ذبحه أبو مصعب الزرقاوى أمام الكاميرا فى العراق، وكانت هذه بداية موضة الذبح، حتى أن بعض المنتديات العربية كانت تدعو الضيوف: تفضلوا... لدينا أفلام ذبح بشعة جدا . لا أتصور شعور الضحية المقيدة وهى جالسة تنتظر، حتى يشبع ابن الكلب الملثم الذى يحمل السكين موهبته فى الخطابة وإجادة نطق مخارج الحروف، وهى تعرف أن هذه اللحظات سوف تنتهى حتما بقطع رقبتها. لكن الأمور تطورت أكثر وظهرت داعش.. الآن صار الخطاب بإنجليزية بريطانية، وتقدمت الأساليب الإعلامية جدا، وعرفنا أن القاعدة كانت مجموعة من مرهفي الحس رقيقي القلب. ومع الوقت صار الإسلام بالنسبة للعالم الغربى معناه ذبح الأبرياء المقيدين، مهما قال الدعاة لهم إن هذا ليس الإسلام وإن هؤلاء خوارج.. إلخ، وهو ما يثير علامات استفهام هائلة حول داعش هذه.. من أين جاءت؟.. من يمولها؟.. كيف لا تقدر كل هذه القوى الدولية على محاربتها إن لم تكن هى التى صنعتها؟

هل جن العالم؟ منذ متى لم يعد للحياة البشرية قيمة؟. هل حدث انقلاب ضد التطور والتحضر؟ أم أن الإنسان كان بهذه القسوة طيلة الوقت، بينما الشعراء والفنانون يحاولون تجميل صورته؟. هل هى غضبة الجياع على المتخمين، أم الافتقار للعدل، حيث تغلق كل الأبواب فلا يبقى سوى باب العنف؟. القاعدة التى لا تفشل هى أن العنف لا يجلب إلا العنف. هل كان كونراد عبقريا عندما قال إن قلب الظلام هو أعماقنا؟