قصاصات قابلة للحرق

Monday, May 18, 2015

رجل من شارونا



spc

قابلتُهُ أوَّلَ مرة منذ عشرة أعوام في حفلٍ بمكتبة مبارك، وكان — وكنت — من ضمن الأسماء التي تمَّ تكريمها في ذلك اليوم. ظَلِلتُ أرمقُه في افتتانٍ كما تراقِب المراهقةُ مطربَها المفَّضل … إِذَن هو أنت! يعقوب الشاروني … الاسم الذي رافَقَ طفولتي وصار علامةً على الاستمتاع والمنفعة العقلية … الرجل الذي لا يُذكَر أدبُ الطفل في العالَم العربي إلا ويُذكَر اسمه تلقائيًّا. ظَلِلتُ أراقب سكناته وحركاته ولم أستوعب شيئًا ممَّا قيل في الحفل، وبعد الحفل قدَّمْتُ له نفسي راجفًا … لم يكن قد سمع عني قطُّ، لكنه على الفور تأبَّطَ ذراعي كأنني صديق قديم، وراح يناقش الموظفةَ عن كتبٍ استعارها أحفادُه ولم يعيدوها … هذا الرجل يمشي على الأرض مثلنا وله أحفاد إِذَن! ارتكبتُ غلطةً مضحكةً عندما قلتُ له إنني أُعجبتُ جدًّا بكتابه عن الخيال العلمي في الأدب العربي، فقال باسمًا: «لأ … ده يوسف!»


كنتُ أخلط دائمًا بين يعقوب الشاروني ويوسف الشاروني. لهما أخٌ ثالثٌ هو صبحي الشاروني، وهو فنان تشكيلي مهم … كاتب أطفال وفيلسوف أديب وفنان تشكيلي.

منذ أيام رأيتُ يعقوب الشاروني في الشارقة في المهرجان القرائي للطفل: نفس الضحكة الوادعة، والعينين الزرقاوين الشفَّافتين. كان يدفع أمامَه عربةَ الأمتعة في المطار، وعليها عشرات الحقائب الثقيلة. هل ينوي أن يقيم هنا ستة أشهر وهذه ثيابه؟ لكنَّه شرح لي أن هذه كلها كتب. إنه يحمل للشارقة كتبَه وأقراصًا مدمجةً تضمُّ محاضراته. قمتُ بحسبة صغيرة في ذهني: الرجل — أطال الله في عمره — وُلِد عام ١٩٣١؛ إِذَن … نحن نتحدَّث عن ٨٤ عامًا، ويسافر وحدَه للشارقة ويحمل كلَّ هذه الكتب ويتمتَّع بهذا النشاط العقلي. كِدتُ آخذ منه العربةَ تأدُّبًا، ثم قلتُ لنفسي: «تذكَّرْ حالة قلبك وبلاش خيبة … لن تفيد الرجل بشيءٍ لو سقطتَ ميتًا جواره وأنت تتظاهر بالشهامة.» عرضَتْ ناقدة أدبية (جدعة) أن تدفع العربةَ بدلًا منه، لكنه أصرَّ بكبرياء على أن يدفعها بنفسه …

«ربنا يديك الصحة.» ظَلِلتُ أردِّد هذه العبارة في ذهني وأنا أركب السيارةَ معه متَّجِهَيْن للفندق. بينما راح يحكي لي عن لقائه بعبد الناصر عام ١٩٦٠ عندما كرَّمَه لفوزه بجائزة الدولة الخاصة في الأدب، وطلب منه ناصر شخصيًّا أن يلقي كلمةً على الجمهور! عندما وصلنا للفندق كان حريصًا على أن يعطيني بطاقةً عليها كلُّ بياناته وأرقام هاتفه. تأكَّدْتُ من أنني وضعتُ البطاقةَ في حافظتي، فقد بَدَا لي وقتَها أنها أكثر أهميةً من جواز السفر.

عندما وصلتُ لمعرض الكتاب في الصباح وجدتُه قد سبقني … أنيقًا منتعشًا كزهرة متفتحة، بينما أنا عَكِر المزاج لم أَنَمْ جيدًا. وعلى الفور تأبَّطَ ذراعي وقال في مرح: «هل رأيتَ الديناصورات؟»

هل هناك ديناصورات في الشارقة؟ اقتادني إلى قاعة فسيحة ضمن المعرض، بها نماذج ديناصور متحركة متقنة بشدة، وهيكل عظمي عملاق لديناصور تيرانوسورس ركس لم أَرَه من قبلُ إلا في المتحف البريطاني … الزئير المخيف يدوِّي بلا توقُّفٍ فترتجُّ الأرض، وعرفت أن إدارة المعرض نظَّمَتْ هذا العرضَ بالتعاون مع البي بي سي، وفي الخلفية كانت الشاشات تعرض فيلمًا وثائقيًّا يشرح طريقةَ استخراج الحفريات. بينما هو يقول لي في انبهارٍ: «هل تفهم معنى هذا؟ المدرسة صارت هي المتحف. الأطفال يأتون لينبهروا ويلعبوا وفي الوقت ذاته ليتعلموا. تُرى كم واحدًا منهم سيقرِّر أن يكون جيولوجيًّا أو عالِمَ حفريات بعد رؤية هذا المتحف؟»

في عينَيْه رأيتُ تلك النظرةَ المنبهرة … لن تخدعني يا عم يعقوب … هناك طفل بالداخل يتوارى خلف هاتين العينين الزرقاوين والتجاعيد، وهو طفل مفتون بالديناصورات … أعرف هذه النظرةَ جيدًا لدى كلِّ كتَّاب الأطفال الموهوبين. فيما بعدُ أخبرني ضيوفُ المؤتمر أنه اصطحَبَ كلَّ مَن رآه لعرض الديناصورات هذا. عندما عرف أنني عائد لمصر في الغد، أسرَعَ يناولني مجموعةً قيِّمةً من كتبه، وقرصًا عليه محاضراته التي ينوي تقديمَها في الشارقة.

قلتُ له إنني قادرٌ على ابتياع هذه الكتب بسهولة في طنطا، لكنه قال: «أنت أجدر بهذه الكتب ما دمتَ مهتمًّا.»

نفس العبارة تقريبًا قالها لي الفنانُ اللبَّاد — يرحمه الله — يومًا ما، عندما سألتُه عن أماكن بيع كتابه القيِّم «نظر». قال: «سوف أحتفظ لك بنسخة … فمَن أحقُّ بهذا الكتاب منك؟»

هذا رجل يأخذ أدبَ الأطفال بجدية بالغة، وفي الوقت نفسه يستمتع به كهواية محبَّبة. مشكلة أدب الأطفال في مصر والعالم العربي أن الجميع يعتبرونه نوعًا أبسط وأرخص من الأدب، بنفس منطق أن طبيب الأطفال عندما ينضج سيصير طبيبًا باطنيًّا! بينما الحقيقة أن طبَّ الأطفال أعقدُ بمراحل. في العالم العربي يغنِّي المطربُ المحدودُ الموهبة للأطفال، ويرسم الفنانُ المحدودُ الموهبة للأطفال، ويكتب الأديبُ المحدودُ الأهمية للأطفال، بينما الأطفال كائناتٌ مرهفة ذكية يجب أن تنال أفضلَ وأرقى شيء. وقد فهم الشاروني هذا جيدًا.

يحكي يعقوب الشاروني أنه كان ينبهر بالقصص التي تحكيها له أخته، وأساطير الريف التي كان يسمعها عندما يزور قريته شارونا بالمنيا …

تخصَّصَ الشاروني في دراسة القانون، لكنَّه اهتمَّ جدًّا بأدب الطفل، وخاضَ رحلةً طويلةً مع ثقافة الطفل منذ فاز بجائزة الدولة الخاصة للأدب عام ١٩٦٠. وهو استشاري لعدة هيئات ومنظمات محلية ودولية مهتمة بأدب الطفل، كما أن لديه حشدًا من الأعمال المهمة. حصل على عديد من الجوائز عن أعماله وهو يستحِقُّها جميعًا، ويمكنك أن تقرأ عن بعضها في الويكيبيديا لكنَّ تذكُّرها مرهِق فعلًا. ومن أهم هذه الجوائز جائزةُ التميُّز في مسابقة سوزان مبارك لأدب الأطفال – مصر، عن رواياته الثلاث: حكاية رادوبيس – أحلام حسن – الفرس المسحورة. وفي عام ٢٠٠٢ فاز كتاب «أجمل الحكايات الشعبية» بجائزة الآفاق الجديدة من معرض بولونيا الدولي لكتب الأطفال. لهذا الروائي أكثر من ٤٠٠ كتاب ودراسة عن أدب الأطفال، وتُرجِمت أعمالُه لخمس لغات. من أعماله الشهيرة: سر الاختفاء العجيب – الرحلة العجيبة لعروس النيل – الفرس المسحورة – الكسلان وتاج السلطان – منيرة وقطتها شمسة، والقائمة بلا نهاية تقريبًا. هناك كذلك عددٌ كبيرٌ من رسائل الماجستير والدكتوراه عن أدبه.

عندما تتعامل مع أمثال هذا الرجل، تشعر أن مصر ولَّادة فعلًا ولم تنضب بعدُ … تنسى الرداءةَ والقُبْح واليأس والعنف والتطرُّف والسوقية، وتتذكَّر الوجهَ الناصع النظيف لمصر … هذا الوجه الذي غطَّاه الترابُ ودخان العادم وفضلات الطيور. لهذا أقول صادقًا: «ربنا يديك الصحة يا عم يعقوب» من أجل سلامي النفسي ومن أجل الطفل في داخلي أولًا، وليس من أجله هو.