قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Loading...

Monday, May 18, 2015

سيد الحرب



spc
التحرير - 11 مايو 2015

منذ البداية أدرك يورى أورلوف وهو قادم من أوكرانيا أن المطاعم تستغل شيئا واحدًا هو غريزة حب الطعام لدينا، وبالمثل فإن الرغبة فى القتل كامنة لدى البشر جميعًا، وعندما ترتحل أسرته إلى الولايات المتحدة فإن أباه يزعم أنه يهودى، لأن هذه من المرات القليلة التى يفيدك فيها جدًا أن تنتحل الديانة اليهودية.

يتلقى درسه الأول من تاجر سلاح شهير ناجح، يعترف بأنه يمد العراق وإيران معًا بالسلاح فى حرب الخليج الأولى. المبرر الأخلاقى لديه هو أنه يتمنى أن يخسر الطرفان معًا.


هذه هى العشر الدقائق الأولى من فيلم (سيد الحرب) الذى أنتج عام 2005 وقام ببطولته نيكولاس كيدج مع جاريد لوتو، وأعتبره فيلمًا بالغ الأهمية لم يلق حظه من الشهرة.

إن يورى أورلوف –وهو يعترف أنه اسم مزيف– يكتشف بعد رحيل الأمريكان عن لبنان أن الجيش الأمريكى يترك سلاحه دائمًا خلفه؛ لأن تكلفة النقل تكون باهظة. من ثم هو قادر على شراء أسلحة صالحة بالكيلو.

مع الوقت تزدهر أعماله ويعرف مفاتيح هذه التجارة وكيف يبيع أى شيء لأى طرف. المسلمون يشترون كميات هائلة من مدفع العوزى الإسرائيلى مثلاً، وفى أفغانستان يبيع للمجاهدين أسلحة السوفييت الشيوعيين. لقد صارت أسلحته موجودة فى ثمان من مناطق الصراع الملتهبة العشر (وقتها!) فى العالم.

ثم جاءت أهم لحظة فى حياته عندما سقط الاتحاد السوفيتى. ينحنى على شاشة التلفزيون يقبل صورة جورباتشوف. معنى انهيار الاتحاد السوفيتى أن مخازن السلاح صارت مفتوحة، وأن أكداس السلاح متاحة للجميع. هذا بازار أسلحة حقيقى..

هناك دبابات وسفن حربية وطائرات هليوكوبتر يشتريها من جنرالات روس فاسدين.. لكن السلاح الأهم بالنسبة له هو ما يسمى (أفتومات كلاشنكوفا) موديل 1947.. بعض الدول تطلق عليها بندقية الكلاشنكوف وبعضها يسميها AK-47. كما يصفها: تسعة أرطال من الصلب والخشب.. لا تلتصق ولا تسخن.. تطلق الرصاص لو تغطت بالوحل أو الرمال، ويمكن لطفل أن يستعملها.. هذه البندقية تحفرها روسيا على قطع العملة، وترسمها موزامبيق على العلم. أهم صادر لروسيا إلى العالم.. يأتى بعدها الكافيار والفودكا والروائيون الذين ينتحرون!

كما يقول له أحد ضباط الانتربول: هذا هو السلاح الأخطر.. تسعة من كل عشرة مسلحين يستعملونه. هذا هو سلاح الدمار الشامل الحقيقى، بينما لن يستعمل أحد السلاح النووى أبدًا.

بالطبع يكتشف تاجر السلاح كنزًا هو أفريقيا. حيث يدور 11 صراعًا فى 32 بلدًا (وقتها). إنه يسافر لليبريا التى تحولت لخراب ومستنقعات قذرة وعاهرات، حيث الدكتاتور الذى يحكم البلاد يقوم بتسليح جيش من الأطفال. هنا فى (كوكب) مونروفيا كما يسميه يصل ثمن البندقية كلاشنكوف إلى ثمن دجاجة. الدكتاتور يدفع له أجره بالماس، لهذا يسمونه (ماس الدم). لقد تفوقت ثروة تاجر السلاح على أكاذيبه.. ثم على خيالاته.

فى مشهد قوى من الفيلم ترغم طائرات الانتربول طائرة تاجر السلاح المحملة بالسلاح والذخيرة على الهبوط فى سيراليون. يختار التاجر الهبوط على الطريق السريع وليس المطار. وإلى أن يلحق به رجال الانتربول يفتح الطائرة وينادى الأهالى المحتشدين. بنادق.. بنادق.. تعالوا وخذوا بنادق!.. ذخائر.. ألغام.. ألغام!... أخبر صاحبك وجارك!.. ويهرع الصبية وتهرع الفلاحات يتخطفن هذه الأسلحة غالية الثمن كأنه يوزع دجاجًا. أطفال فى السابعة حملوا مدافع آر بى جى أو قنابل.. نساء يحتجن إلى لقمة طعام يحملن البنادق ولا يعرفن ما يصنعن بها.

خلال عشر دقائق صارت الطائرة نظيفة تمامًا، وهكذا لا يجد رجال الانتربول أى دليل يدينه عندما يصلون. والأطرف هو أن الأهالى يفككون الطائرة قطعة قطعة لدرجة أنها تتلاشى تمامًا خلال الليل.. كأنك تركت سيارتك فى برونكس ليلاً على حد تعبيره.

يقول أورلوف العبارة التى أعتبرها (مورال) الفيلم: «من يرث الأرض وما عليها فى النهاية هم تجار السلاح، لأن الباقين مشغولون بقتل بعضهم!!!.. القاعدة لتاجر السلاح هى: لا تذهب للحرب أبدًا.. ابق حيًا!»

تذكرت هذا الفيلم وأنا أرى الصراعات فى كل صوب من العالم العربى. يفترض الفيلم أن تاجر السلاح فرد واحد فاسد، لكننا نعرف أننا نتكلم عن دول كاملة يعتمد اقتصادها على هذه التجارة. رأينا الرئيس الفرنسى يهنئ مواطنيه بصفقة طائرات رافال التى بيعت لقطر مؤخرًا بمليارات، وبالطبع سبقت هذا عدة صفقات قامت بها دول عربية كثيرة، وهذا بالطبع سينعش اقتصاد فرنسا لعقد كامل. صفقات أسلحة هائلة من الولايات المتحدة وبريطانيا. إلخ..

تذكرت هذا الفيلم وأنا أرى نشرات الأخبار، وأتابع كل صراعات العالم العربى المزمنة التى لا تقود لشىء، ومنفعتها الوحيدة هى إثراء تجار السلاح. الجيوش لا تحسم والمليشيات لا تنتصر. وقد رأينا كيف انضمت حرب اليمن الحالية إلى قائمة صراعات العالم العربى المزمنة، التى لا نهاية لها. وبعد ما قيل خلال أسبوع عن أن الضربة قد قصمت ظهر الحوثيين، وأعلنت قيادة التحالف انتهاء القصف الجوى. بدا واضحًا اليوم أنها تعجلت هذا القرار واستمر القصف. يبدو أن الأمر أعقد مما تصوروه فى البداية، وأن الحوثيين يملكون القوة التى تجعل هذه الحرب مزمنة. وبرغم أن مبرر هذه الحرب مشروع فى رأيى، فإنه لا يجب أن يقود الجيوش العربية -والجيش المصرى خاصة- إلى حرب مزمنة تستنزف قواها لصالح إسرائيل كالعادة، كما أن هذه الحرب يجب ألا تؤدى لتدمير اليمن كما هو حادث الآن بالتأكيد.

سوف تتوقف هذه الحروب بالتأكيد عندما تتهالك الأسلحة وتصدأ المدرعات والطائرات ولا يستطيع العرب شراء غيرها لأنهم أفلسوا، وبعد ما يبلغ تجار السلاح درجة من الثراء تفوق خيالاتهم. أو ربما تقرر الأطراف كلها أن السياسة هى السبيل الوحيد لحسم صراعات لا يمكن حسمها بالسلاح، وإن كنت أستبعد أن نبلغ هذه الدرجة من النضج.