قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Thursday, July 23, 2015

فتى الليمون



spc

رئيس أوروجواي المحبوب خوزيه موخيكا نموذج للمناضل اليساري الشريف بالمعنى الحرفي للكلمة، فهو قد تولى الرئاسة عام 2010. ومنذ البداية أجرى إصلاحات اقتصادية كبيرة في أوروجواي، بعضها جريء، وبعضها غريب مثل إباحة الإتجار بالقنب الهندي – الحشيش عدم المؤاخذة –  وقد اشتهر بأنه أفقر رئيس جمهورية في العالم، لأنه يتبرع بتسعين في المئة من دخله الشهري للجمعيات الخيرية.  أي أنه يقبض 12 ألف دولار يحصل منها فعلًا على نحو ألف تقريبًا، وهذا وضعه فعليًا في طبقة الفقراء في بلده. سيارته فولكس متهالكة موديل 1987، ويعيش في بيت ريفي،  وبالطبع ليس له حساب مصرفي. هذا رجل يصعب علينا في العالم العربي أن نتصور وجود مثله، وهو يذكرك بقصص الخلفاء والحكام الصالحين المتقشفين في تاريخنا العربي.

ليس هذا موضوع المقال على كل حال..

الموضوع هو صورة رأيتها له يجلس في استقبال مستشفى عام وسط المرضى، وينتظر دوره للكشف بنفس التعاسة والتوتر والاستسلام للمكتوب الذين نراهم في مرضى العيادة الخارجية المجانية عندنا. أعرف أن تعليقي سوف يثير غضبك، لكني بالفعل شعرت بلمسة ما من الافتعال والمبالغة في تصرفه هذا.. نزعة مسرحية درامية لا داعي لها، مع أنه سوف يفيد بلاده أكثر لو كشف في مستشفى يناسبه كرئيس، وبشكل منفرد ودون أن يضيع وقته الثمين. هذا لن يبدد أموال الشعب بل هو أكثر قيمة على المدى البعيد. الحياة تزداد تعقيدًا وليس معنى خفض النفقات والتقشف أن يتداوى رئيس البلاد في مستشفى مجاني، وينتظر دوره بالساعات. هناك وضع وسيط حتمًا بين أن يتسول رئيس الجمهورية العلاج، وبين أن يكتشف أن أحد اظفار قدمه أطول من الآخر فيذهب للاستشفاء في سويسرا على حساب المواطنين.

بالطبع قد أعطى موخيكا أكثر من دليل سابق على صدق نواياه وعلى إخلاصه، فليس في الصورة ادعاء ولا نفاق، لكني أرى فيها بالتأكيد الكثير من المبالغة.

ثمة مواقف درامية لا تريحني.. بعضها أرى فيه حمق المبالغة، وبعضها أرى فيه ادعاء ونفاقًا..

مثلًا تلك القصة الشهيرة التي نشرتها الصحف منذ أعوام، عن انتخابات تمت في نيويورك، على أثرها تم تعيين مدير جديد لإدارة المرور.. نزل المدير الجديد للشارع ليتذكر أن سيارته تقف في الممنوع قبل بدء الاجتماع.. هكذا كان أول قرار اتخذه في منصبه الجديد هو أن حرر مخالفة ودفع لنفسه غرامة..


يحلو للناس أن يذكروا هذا الموقف كنموذج للالتزام واحترام القانون، بينما أراه موقفًا مسرحيًا فيه مبالغة زائدة.. دعك من السؤال المهم: لماذا أوقف سيارته في الممنوع منذ البداية؟

هناك قصص عن الزهد والبدء بالنفس أبطالها الأنبياء والصالحون والصحابة والأولياء، وهذه قصص موثوق في نوايا أبطالها طبعًا، وليست ما أتكلم عنه هنا.

في طفولتي اعتدت أن أبتاع الليمون بعد كل صلاة جمعة من بائع يقف خارج المسجد مباشرة، وفي ذات مرة اكتشفت أنني أخذت ليمونتين زائدتين (سعرهما وقتها أقل من خمسة ملاليم).. عدت للرجل بعد أسبوع وقلت له بصوت متهدج إنني أخذت ليمونًا زائدًا منه، فابتسم وهز رأسه قائلاً:
ـ"يا رااااجل!"

ولوح بيده لأنسى الأمر. الأمانة شيء جميل، لكن تصرفي لم يخل من مبالغة، دعك من إنني بالفعل كنت أشعر بتيه وإعجاب بنفسي شديدين، كأنني صرت من الصحابة. ورحت أتخيل البائع يحكي القصة لزوجته ورفاقه، ويحدثهم عن الطفل الصغير الذي يرد الأمانة لأهلها. عدت لبيتي شاعرًا أن الناس يتوقفون في الشارع ليرمقوني في انبهار وإجلال: فتى الليمون العظيم.

كل مواقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه تستدعي التأمل، وهناك قصة شهيرة له عندما رأى رجلًا في السوق يحمل تمرة وينادي صارخًا: "لقد وجدت تمرة فمن صاحبها"؟ فعلاه بالدرة وقال له: "دعك من هذا الورع الكاذب!". قرأت في مصدر آخر أنه قال له "كُلها يا مدعي التقوى!".

الرجل يظهر كل هذه الأمانة من أجل تمرة.. بينما لو وجد كيسًا مليئًا بالذهب لأخذه بلا تردد، ولن يمشي سائلًا عن صاحبه في السوق. الدليل هو أنني أقرضت الكثيرين في حياتي، لكني لم أسترد مليمًا واحدًا من أي شخص حتى هذه اللحظة!.. بالتأكيد هم جميعُا يبحثون عن صاحب التمرة حتى يبح صوتهم.

كلما كان الاختبار صعبًا أمكنك أن تدرك مدى صدق الرجل ونبله.. سائق سيارة الأجرة الطنطاوي الذي وجد ربع مليون جنيه على المقعد الخلفي فسلمه للشرطة ليس مرائيًا.. هذا رجل قل أن يوجد.

ثمة قصة أخرى عن رجل من العراق جاء لابن عمر وقت الحج يسأله عن بعوضة قتلها، فهل عليه دم أم لا؟! فقال ابن عمر: "سبحان الله، تقتلون ابن بنت رسول الله (أي الحسين بن علي) وتسألون عن دم البعوض!".

هناك كذلك نوع من التواضع يشي بالغرور.. وثمة مقولة ذكية لجولدا مائير إذ قيل لها إن أحد خصومها السياسيين متواضع، فقالت: "يا سلام!.. هو ليس مهمًا لدرجة أن يتواضع!".  شيء يشبه هذا قاله دكتور جلال أمين عندما كان يطالع مذكرات رجل قانون شهير ووزير سابق. قال إن الكتاب يحمل عنوان (قصة حياة عادية)، فرأى دكتور جلال الموقف من زاوية غير مألوفة كعادته، وقال إن هذا يوحي بوضوح أن المؤلف لا يعتبر قصة حياته عادية بتاتًا. وفي صفحات الكتاب يقول المؤلف عن نفسه: "ذهب الفتى.. رأى الفتى.. إلخ". يقول دكتور جلال بمنطقه الحاد القاسي: "البعض قد يرى في هذا تواضعًا لكني أراه العكس!". ولا شك أن هذا يذكر المؤلف بالفتى مهران أو استخدام د. طه حسين للفظة (صاحبنا أو الفتى) في كتاب الأيام.

قطعًا لا أتهم أصحاب هذه المواقف بالنفاق أو الادعاء؛ فلا يعرف السرائر إلا الله، ومن الصعب الحكم على النيات،  لكني قطعًا أتهمهم بالمبالغة والحس المسرحي الزائد