قصاصات قابلة للحرق

Wednesday, September 9, 2015

أرضية غير ثابتة



spc

الصغير السوري غاف على الشط فلا توقظوه.. تكلموا همسًا... ثيابه الجميلة تشي بعناية أم مُحبِّة حنون. الـ«تي شيرت» الأحمر يذكرك بزهرة قانية قذفها الموج هناك. إنه نائم وقد انكفأ على وجهه، لكنك ترى خده (الملظلظ) الممرغ في الرمال يحلم.. يحلم بالبطة والقطة وسبونج بوب... نائم بعمق هو، لكن يبدو كأنه من السهل أن يفيق إذا سمع ضجيجًا. فلنتركه ينعم بغفوته، برغم أنه من الأفضل أن نوقظه لو استطعنا لنستعيد توازننا النفسي.


يا حبيبي يا ابني.. لا تعرف حرفًا عن بشار ولا العلويين ولا النصرة ولا داعش ولا الرقة ولا حصار حلب ولا دولة الخلافة. لا تعرف شيئًا على الإطلاق سوى أرنوب وبطوط. أنت قطة صغيرة دهمتها سيارة.  هذه الصورة القاسية ذكرتني بصور أخرى مماثلة في القسوة... صفوف جثث الأطفال المتراصة بعد مذبحة الغاز في الغوطة... الملائكة النائمون يحلمون. الرضيعة الفلسطينية إيمان حجو التي تغفو في سلام والبامبرز يحيط بخصرها. فقط عندما ترى ظهرها ترى فجوة دامية بحجم قبضة اليد صنعتها قذيفة اسرائيلية. وماذا عن محمد الدرة الذي ذهب سعيدًا مع أبيه للسوق ليشاهد سيارة مستعملة يريد الأب شراءها.. ثم لم يعد قط.. ظل صغيرًا للأبد...

هذه صور أيقونية سوف تظل خالدة، وأعتقد أن صورة الصغير النائم على الشط التركي لها ذات تأثير الطفلة العارية الصارخة (فان تي كيم) التي حرقوا قريتها وأهلها.. الصورة التي قيل إنها تسببت في إنهاء حرب فيتنام. فهل يُنهي إيلان معاناة سوريا؟. ليت الحياة بهذه السهولة.

طاردتني صورة الصغير إيلان طويلًا، واضطررت لابتلاع أقراص مهدئة حتى أستطيع النوم. اسفوخس على العرب وعلى أنظمتهم.. اسفوخس على المجتمع الدولي الذي (يشعر بقلق) طيلة اليوم.. اسفوخس على الأنظمة التي أجبرت أبا الصغير على تجربة حظه بأسرته وسط بحر متلاطم، فقد بدا له هذا أهون من هلاك أكيد.. اسفوخس على بشار الذي بعثر شعبه وبهدله كل هذه البهدلة في الشتات ليحافظ على عرشه.. اسفوخس على داعش وكل المقاتلين الملثمين حاملي الكلاشنكوف الذين استمتعوا جدًا بلعبة إطلاق النار والكر والفر هذه، وجعلوا الناس بين مطرقتهم وسندان بشار..  اسفوخس على زمن كهذا يفترض أنه راق متحضر... اسفوخس عليَّ أنا شخصيًا  إذ يحدث هذا كله وأنا حي أضحك وأشرب الشاي وألتهم طعامي.

*************************

كنت أنوي الكلام عن موضوع مريم ملاك والصفر اللعين، لكن مشهد الصغير الغريق صادر كل ما يمكن أن يكتب في أي موضوع آخر، ثم أن الكل قد كتب في هذا الموضوع، حتى لأحسبني آخر قلم وآخر لسان يعلق على الموضوع في مصر كلها. ثم استرجعت الأمر فوجدت أن القضية واحدة تقريبًا.  القضية هي الافتقار للعدل سواء هناك أو هنا. الظلم والقسوة هناك وهنا..

نعم.. مشكلة مريم هي الافتقار للعدل والخوف من ظلم القضاء.. نحن لا نقف على أرضية ثابتة من الثقة برأي الطب الشرعي، لأن صورة خالد سعيد الذي تهشمت كل عظمة في وجهه، بينما الطبيب الشرعي يؤكد أنه مات بجرعة حشيش زائدة.. هذه الصورة لا تفارق أذهاننا، وإلا لقبلنا رأي الطب الشرعي وانتهى الأمر. لفترة طالب الجميع باستكتاب الفتاة فلما قال الطب الشرعي إن الخط خطها، ثار الناس وطالبوا برؤية أوراق الإجابة منشورة.. لكن المشكلة بدأت بهذا ولم تنته..

قضية مريم هي قضية شك مزمن في حكومة قالت إن خالد سعيد مات بجرعة حشيش، وإنه لا يوجد معتقلون سياسيون، وإن السجون فنادق فاخرة، وإنه لا يوجد تعذيب ولا اختفاء قسري..

الأدهى من هذا أن قضية مريم أثارت عصبيات طائفية أكيدة، ونسي الناس موضوع رضوى الفتاة الأخرى.. بل وأربعة طلاب آخرين شكوا من نفس الظاهرة. ثمة فريق قال إن مريم ظلمت لأنها مسيحية.. وفريق قال إن مريم لاقت هذا الاهتمام الإعلامي، وعلى الأرجح سيتم إنجاحها لأنها مسيحية.  اغتظت جدًا عندما قرأت تعليقًا على قصة مريم يقول: "لازم الكنيسة تتدخل"!!.  ما دور الكنيسة هنا؟؟. هل مريم أجنبية تلجأ لقنصلية بلادها إذا ظلمت لتوجه مذكرة شديدة اللهجة لوزارة الخارجية؟؟... هذه فتاة مصرية كأي فتاة أخرى، تعرضت، على الأرجح، لظلم شديد أمضنا جميعًا، وهذا كل شيء.

أحببت مريم ملاك بوجهها الرقيق الحزين ولهجتها الصعيدية. لا حيلة لي في هذا خاصة أن ابنتي اسمها مريم وفي الثانوية العامة. لكن لا أعتقد أن الحقيقة ستتضح أبدًا.

أميل لتأييد مريم ملاك في نقاط عدة؛ منها تاريخها الدراسي المشرف، وسهولة أن يحدث هذا بالفعل في مصر. يقول صديق لي مدرس ثانوي: " أي لجنة امتحان بيبقى فيها كنترول بيلم الورق ويضعه فى أظرف قبل تسليمه للإدارة التعليمية بالمحافظة، هل تضمن نزاهتهم؟ إيه اللى يمنع فك دبوس الكراسة ووضع ورق أبيض مكان الورق المكتوب؟ وإن كنت أرجح إن الحركة دي متتعملش فى الكنترول العام، ده لكثرة عدد الأوراق وماحدش عارف حد. الأقرب للمنطق هو تغيير الورق فى كنترول لجنة الامتحان لأن ده هيبقى لصالح طالب معين فى نفس اللجنة، معروف بالاسم وأبوه دافع رشوة لرئيس اللجنة، وانت عارف اللجان دى بتبقى أعدادها صغيرة فى القرى، وأعيان القرى دى بيتحكّموا فى البلد كلها تقريبًا". نقطة أخرى في صالح مريم هي الامتحان الفوري الذي وجهه لها المسئول على درجات السلم، فأجابت عن سؤال صعب نوعًا. أحتفظ تحت زجاج مكتبي بورقة كتبت عليها شروط اقتران جواب الأمر بالفاء لأنني أخطئ في هذه القاعدة دائمًا. عملت في التصحيح مرارًا ووجدت أن إعطاء درجة صفر أمر شبه مستحيل. هذه كلها نقاط تؤيد مريم وأراها الأقوى.

لكن هناك نقاطًا ضد مريم.. مثلا تقرير الطب الشرعي ينفي هذا كله لو افترضنا أنه صحيح. ثم هذه الحرب الشعواء غير المقدسة التي تقوم بها دولة بكامل أجهزتها على طفلة.. لماذا؟ لمصلحة ابن أي مسئول يُضحِّي كل هؤلاء بمستقبلهم؟ ويبدلون إجابات طالب بإجابات طالبة في كل المواد يوميًا، ويجازفون بفقد مناصبهم ومحاكمتهم من أول رئيس مصلحة الطب الشرعي حتى وزير التربية والتعليم؟. وما أهمية إجابات مريم لهذا الحد؟ لماذا لم يضعوا إجابات نموذجية يملؤها موجه أو مدرس أول منذ البداية بدلًا من إحداث هذه الشوشرة على طالبة ستشكو بالتأكيد؟. أنا عملت في الكونترول بالجامعة ورأيت بعد ظهور النتيجة شكاوى من طلاب يؤكدون أن إجابتهم ممتازة، ثم تفتش عن الأوراق وسط الغبار والفئران فتجد أنهم نسخوا رأس السؤال فقط. فما هو التفسير؟ هل يخدعون أنفسهم أم يسجلون موقفًا أمام أهلهم؟ على غرار: "لقد شكونا لكن حسبنا الله ونعم الوكيل.. هؤلاء الأساتذة لن يعترفوا بخطئهم أبدًا". ثم لماذا لم يتم تبديل ورقها بورق فيه إجابة رديئة لكنها لا تستحق صفرًا؟... كان هذا قابلًا للابتلاع والمرور بسلام. قبلنا أن يكون وزير الداخلية قويًا جدًا أيام خالد سعيد، فهل وزير التعليم بنفس القوة؟

المشكلة هي أن الناس لم تضع احتمالًا بسيطًا أن تكون قصة الوزارة هي الصحيحة. لو كان هذا الاحتمال صحيحًا فكيف نثبته؟. لقد اتخذ الناس قرارهم ومهما قيل فلن يصدقوا. حتى لو أعادوا اختبار مريم ورسبت فلن يصدق أحد حرفًا. كما يقول الفيلسوف الشهير بوبر: كيف تثبت ما لا يمكن نفيه؟. وقد قام المتحمسون بواجبهم على النت ومزقوا كل متشكك في أي شيء غير أن الوزارة مجرمة.. حالة افتراس جهنمية شعارها (لا كرامة لمخالف).. وآلمني أنها تتخذ طابعًا طائفيًا في مرات كثيرة. وحتى لو كانت مريم صادقة، فما الضمان ألا يبدأ في العام القادم وباء من أوراق الإجابة الفارغة التي يزعم أصحابها أنه تم تبديلها؟

ورأيي أنا؟ فعلًا لا أعرف الحقيقة وإلا لدافعت عنها بحماسة، ولكني ممن يميلون إلى أن الفتاة قد ظلمت فعلًا. كنت أميل إلى أنها تكذب أو تتخيل حتى سمعتها تجيب عن اقتران جواب الشرط بالفاء.
والإجابة: لن نعرفها أبدًا لأن أحدًا لن يصدق تقرير الطب الشرعي التالي. الحقيقة تعرفها مريم وذلك المسئول، كُلِّي القُدرة، الذي سرق إجاباتها لو وُجد. لهذا أعتقد أنه يجب عمل لجنة امتحان استثنائية لمريم والطلبة الآخرين، وليكن هذا بعد فترة استعداد لثلاثة أسابيع لأنهم بالتأكيد قد نسوا المقررات.  في رأيي أنه يجب التحايل وإيجاد ثغرة قانونية تسمح بهذا الامتحان، لأنها قضية أمن قومي بلا مبالغة.