قصاصات قابلة للحرق

Sunday, January 3, 2016

وهم دائم الحركة



spc

مؤخرًا حدثت ضوضاء من تلك التي صارت مناسبة دورية في حياتنا، عن اختراع وهمي آخر أطلق عليه مخترعه (الوحش المصري). وهو الذي عبر عنه الفنان أشرف حمدي باختصار في موقع مصراوي، بالصورة التالية:


الخبر الذي نشره صحفي غير مدقق كان يوحي كالعادة بأننا سنغير خارطة البحث العلمي في العالم، وكالعادة هناك دول أوروبية عرضت مليارات كي تأخذ الاختراع لكن المخترع رفض. وعندما ترى الفيلم ترى مجموعة من العيال – نفس الحشد الذي يحيط في فرحة بالقنابل الموقوتة بانتظار انفجارها – يدفعون شيئًا أبله هو خليط من أرجوحة مولد وعربة فول وتوك توك .. والمفترض أن هذا الشيء سوف يطير ويسبح في الماء وينطلق بسرعة هائلة. أي أنه سيارة من سيارات جيمس بوند، والمفترض كذلك أن عربة الفول هذه كلفت المخترع نصف مليون جنيه. وقد تمت التجربة وسط ضجيج إعلامي وأمني شديدين لابد أن الأخوين رايت لم يظفرا به، وفشلتْ طبعًا، فزعم المخترع أنه لم يستطع الطيران بسبب ازدحام ميدان التحرير. لماذا اختاره للتجرية إذن؟ شاهد كلام المخترع عن اختراعه العبثي هنا. وشاهد تجربة (ما تدي زوبة زقة) هنا.

كان من الواضح للجميع منذ البداية أن هذا هراء.. حلقة أخرى من حلقات العته التي يمر بها المجتمع المصري حاليًا، والتي وصفتها هنا في مقال (إجبلانت -1).  فقط أكرر مثل كل مرة: ألا تكفي مصر كل هذه الفضائح والبهدلة؟ حرام عليكم .. ماذا فعلت لكم مصر بالضبط حتى تجعلوها سخرية العالم، وفقرة ثابتة في برامجه الكوميدية؟. أغنية (ما نقولش ايه اديتنا مصر) قد تحولت إلى (ما تقولوا ليه بتهينوا  مصر؟). مشكلة مصر الأولى هي الجهل ثم الإعلام الفاسد الذي لا يفقه شيئًا ولا ضمير له.  لقد تكفل رواد مواقع التواصل الاجتماعي بقول كل شيء على كل حال فلم يعد لدي ما أقوله.  

فقط لاحظت كلام المخترع المزعوم فوجدت أنه يكرر نغمة شائعة في هذه القصص: " السيارة يتواجد بها 21 وحدة كهربائية، يمكنها توليد الطاقة التى تعمل بها ذاتيا من خلال الأنابيب، التى تتواجد بها عن طريق مرور الهواء داخلها".

في موقع أوقات الشام الإخباري نقابل مخترعًا سوريًا في السبعين من العمر، يقول إنه توصل لاختراع يحول الجاذبية الأرضية لطاقة كهربية. وحسب كلامه: "فكرة الآلية بمثابة محول قدرة له دخل وخرج، دخله ما يكافىء وزن عشرة كتل تفصل بين كل منها مسافة 2 مترين معلقة بجنزير من جهة واحدة يدور عاموديا ما بين عمودين بطول 20م يرتكزان على الأرض تسقط الكتل سقوطا حرا لمسافة لانهائية مفرملة بعلبة سرعة ومولد كهربائي". ويشير أنه بهذه الطريقة يمكن تصميم أبراج مستطيلة يركب عليها الكتل والمصاعد والمهابط بأطوال وأوزان مختلفة تتناسب والحاجة للاستفادة من طاقة الجاذبية كقوة مجانية أبدية لتوليد الكهرباء". أي أن الرجل يحول طاقة الوضع إلى طاقة كهربائية. 

يوجد الكثير من المنطق في هذا الاختراع، وسوف نرى أنه تم اختراع شيء مماثل من قبل، ولا شك أن الرجل على قدر من الوعي يختلف عن مخترع الوحش المصري. لكني تذكرت أن كل هؤلاء المخترعين يدورون في فلك المحرك دائم الحركة.. حلم المخترعين عبر التاريخ الذي فاق حلمهم بتحويل الرصاص إلى ذهب. المحرك دائم الحركة هو آلة وهمية تتحرك بذاتها حركة دائمة وفي الوقت ذاته تنجز عملاً نافعا. العملية تشبه أن تقوم أنت بشد شعرك لأعلى لتطير.


يعاني هؤلاء المخترعون عدم فهم قانون بسيط من قوانين الفيزياء هو: "الطاقة لا تفنى ولا تستخلص من عدم". لقد أضاع عشرات حياتهم على مر التاريخ طلبًا للوصول للمحرك دائم الحركة، وما يحدث في مصر – وسوريا – هو أننا نعيد اختراع العجلة، ونمر بمراحل مر بها المخترعون الغربيون إلى أن تلقوا الدرس. سمعنا عن سيارات تعمل بالماء أو بالهواء أو الجاذبية...

 هكذا تذكرت الكتاب الرائع (الفيزياء المسلية) الذي كتبه الصحفي العلمي السوفييتي ياكوف بريلمان، وهو الكتاب الذي طُبع أكثر من عشرين طبعة وتُرجم لعشرات اللغات. الكتاب الذي راح يدقق في كل وهم فيزيائي نعيش فيه ويصحح عشرات المفاهيم.  


أشخاص كثيرون أضاعوا أعمارهم وأفلسوا من أجل هذا المحرك اللعين دائم الحركة. وقد رأى ياكوف بريلمان شابًا يتسول في الشارع شبه عار، وهو يقسم للناس أنه بحاجة لبعض المال كي يصنع النموذج النهائي. أحزنه أن الجهل بمبادئ الفيزياء يمكن أن يقود المرء لهذا..

معظم هذه المحركات التي بدت للناس ناجحة كانت تحتوي على خدعة، ومنها هذه العجلة التي قدمتها الولايات المتحدة ولا تكف عن الدوران. تبين فيما بعد أن هناك محركًا صغيرًا داخلها هو الذي يحركها.


لعب المغناطيس دورًا كبيرًا في تصميمات المحرك دائم الحركة.  مثلاً هذا التصميم من القرن السابع عشر يقوم على فكرة أن المغناطيس (أ) يجذب كرة حديدية نحوه، لكن الكرة تسقط في فتحة (ج) تجعلها تهبط في منحدر ثم يجذبها المغناطيس من جديد.


الحقيقة أن انحدار الكرة لأسفل سيكون بطيئًا بسبب جاذبية المغناطيس، وبالتالي لن تملك أبدًا القوة لصعود المنحدر، وسوف تتوقف نهائيًا. ومن الغريب أن ألمانيا سجلت مشروعًا كهذا عام 1878 برغم أنه كان من الممنوع هناك تسجيل أي اختراع يتعارض مع قوانين الفيزياء. من الذي اكتشف فشل الفكرة؟ صاحبها نفسه الذي كف عن دفع رسوم البراءة فانقرضت فكرته.

فكرة ربط المولد بالموتور الكهربي عتيقة جدًا، وأغرت مخترعين كثيرين. أعط المولد دفعة أولى.. من ثم يقوم بتدوير الموتور الكهربي.. والموتور يقوم بشحن المولد.. وهكذا تشغل كل ماكينة الأخرى إلى الأبد. يمكن أن تنجح الفكرة لو تم إلغاء الاحتكاك نهائيًا، لكن محاولة الحصول على أي حركة خارجية من هذا الجهاز تؤدي لأن يتوقف فورًا. يمكنك الحصول على حركة دائمة لكن لا يمكنك الحصول على محرك دائم الحركة.

كان هناك محرك دائم الحركة يقوم على خدعة ظريفة. صاحب المحرك يتحدى الناس أن يوقفوه فكانوا يضغطون على رافعة بقوة فيجدون أنها تندفع عكس الاتجاه. ما لم يعرفوه هو أنهم يشغلون زنبركًا يختزن محاولاتهم ويحولها لحركة دائمة لا تتوقف أبدًا طالما هناك من يجربون.

في العام 1715 سمع قيصر روسيا بطرس الأول عن محرك دائم الحركة، ابتكره من يدعى دكتور أورفيريوس. أرسل القيصر عالمًا اسمه شوماخر كي يتفاوض على شراء هذه الآلة من مخترعها بمبلغ ضخم من المال. قال العالم الذي رأى الآلة: "إنها مضبوطة ولا أحد يستطيع أن ينتقدها.. والدنيا مليئة بالأشرار الذين لا يمكن تصديقهم بأي حال".


قام أحد النبلاء الألمان بتجربة الاختراع بأن وضعه في غرفة مغلقة عليها حراسة لمدة أسبوعين، وقام بختم القفل بالشمع. بعد انتهاء الفترة فتحوا الغرفة ليجدوا أن المحرك مستمر في الدوران. وتكررت التجربة مرارًا. وفي النهاية اشتهر الجهاز الأعجوبة وكتب الشعراء قصائد عنه. الفضيحة أتت من (الحريم) كالعادة .. تشاجرت زوجة المخترع والخادمة فاعترفت الأخيرة بأنها كانت تدير المحرك بحبل مختف هي ورجل آخر. يبدو أن كلام العالم الذي قال إن الدنيا مليئة بالأشرار الذين لا يمكن تصديقهم بأي حال كانت كلمة دقيقة فعلاً.

هناك المحرك ذو الطاقة الممنوحة الذي يعمل بقدر ضئيل من الطاقة، لكن  المحرك دائم الحركة مستحيل.. يجب أن ترسخ هذه الحقيقة في أذهان التلاميذ أثناء التعليم، حتى يوفروا على أنفسهم ساعات عصيبة.. أن يخترعوا أكذوبة، ويتلقف الخبر صحفي لا يفقه شيئًا ليتحمس له وينشره.. وفي النهاية هو الخزي والشعور بالخديعة، ثم يقول الناس إن المخترع الفاشل له شرف المحاولة و(عملتوا انتم ايه لمصر؟) ثم النسيان بانتظار مخترع وهمي آخر.