قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Loading...

Wednesday, March 2, 2016

شاعر!



spc


في سن العاشرة كنت عائدًا من السوق محملاً بالمشتروات والخضر، ضمن أعمال السُخرة التي يجب على كل طفل من أسرة متوسطة أن يقوم بها، عندما وجدت زحامًا من البشر الغاضبين مطلقي السباب بسخاء.. دنوت أكثر فرأيت أنهم يلتفون حول شاب في الثلاثين، قد تكور على نفسه أرضًا ككلب جريح وهو لا يكف عن العواء، وفي الوقت نفسه لم يكف واحد من الواقفين عن البصق عليه أو ركله في خاصرته أو توجيه لكمة له..
ـ"يا حرامي يا بن الـ......"

هؤلاء إذن مجموعة من المواطنين الشرفاء الذين قبضوا على لص، وبدلاً من تسليمه للشرطة قرروا أن يقيموا حفلاً لإخراج ساديتهم أولاً. هتف بي أحد الواقفين:
ـ"ياللا يا له.. اديله شلوت!!"

لقد رأوا الدماء فتحركت شهواتهم البدائية. هنا تذكرت عدد مجلة الهلال الذي رأيته أمس في مكتبة أبي. العدد الذي يبدو على غلافه شاعر أجنبي استطعت قراءة اسمه بكثير من العسر. كانت قصيدة في الكتيب تحكي موقفي بالحرف الواحد. لا أذكر الكلمات بالضبط، لكنه كان يصف نفسه وهو طفل يركض مع رفاقه في السوق.. يلعبون في الوحل ويخيفون القطط، ثم رأى الناس يلتفون حول رجل.. كانوا يضربونه والدم ينفجر من أنفه، وحذاء ريفي غليظ يندفن في وجهه. قال أحد الضاربين للشاعر الطفل: هلم يا فتى.. هات زيادتك. لكن الشاعر انطلق فارًا.. يقول: "كنت أبكي.. كنت أنا الطفل أبكي.. عندما أرى مئة واحد يضربون رجلاً مهما كانت جريرته، فلن أكون أبدًا الواحد بعد المئة".

تذكرت هذا المقطع جيدًا وقتها وبالفعل رحت أركض مبتعدًا عن المشهد، وفيما بعد رأيته يتكرر مرارًا وفي كل مرة كنت أرفض أن أكون الواحد بعد المئة.

عندما كبرت أكثر عرفت أن عدد مجلة الهلال الذي قرأته كان يتحدث عن زيارة الشاعر السوفيتي العظيم يفجيني إيفتوشنكو لمصر عام 1963. وقد ألقى قصائده في عدة حفلات، وكان حدثًا ثقافيًا صاخبًا وقتها. واشتهر بملامحه العصبية الوسيمة والسترة الرمادية التي لا يغيرها، كما أنه يلقي الشعر وهو يأتي بحركات أقرب للرقص. لدرجة أنهم وصفوه بالشاعر الراقص.


كان عدد مجلة الهلال يحوي مجموعة من القصائد الجيدة جدًا. وقد تعلمت منها درسي الأول أن الشعر معنى أولاً. الشعر الذي لا تمكن ترجمته لا قيمة له. اعتماد الشعر على اللغة وإيقاع الكلمات يجعله دغدغة سمعية سطحية تزول وتُنسى فورًا، بينما الشعر يجب أن يبقى في روحك لفترة طويلة. على فكرة كان إيفتوشنكو من الشعراء القلائل الذين أفلتوا من قبضة الشيوعية، وكتبوا ما يروق لهم نسبيًا..

يقول إيفتوشنكو:
دائمًا توجد يد امرأة خفيفة رطبة.. كي تهدئك بحنان وحب..
دائمًا توجد كتف امرأة.. كي تتنفس فيها بحرارة وقد دفنت فيها رأسك وائتمنتها على حلمك الغامض..
دائمًا توجد عينا امرأة.. كي ترى ألمهما الخاص في ألمك الموحش.. إن لم يكن كله فبعضه


كنت وقتها أحلم بأنه يومًا ما سألمس يدي امرأة خفيفة رطبة، أو أرى ألمي في عيني امرأة.

في نفس المجموعة له قصيدة اسمها (نفاثة) تقول:
نفاثة كالبرق تسرع من مدينتي..
اللون الأبيض لم يتلاش بعد وهو ذا ينتشر شيئًا فشيئًا..
أمد ذراعي
وأكتب بإصبعي اسمك على اللون الأزرق
وأرسم وجهك الحبيب جوار الأحرف
سأطير إليك يا حبيبتي وكذلك الطيار..
لقد غاب بطائرته كالبرق فلربما هو مثلنا..
عاشق...

هناك قصيدة اسمها أعراس الريف يحكي فيها كيف كان يرقص في أعراس الفلاحين من أجل ثمرة بطاطس أيام الحرب العالمية. وكانت له قصيدة رائعة اسمها حسد.. يصف فيها غيرته من صبي صغير سوف يحقق كل ما عجز هو عنه، ويواجه كل ما خاف هو أن يواجهه، وهي طريقة غير تقليدية يقول بها إن الغد أجمل والجيل القادم سيكون أكثر نضجًا وقوة.


انبهرت بالقصيدة فقمت بترجمتها فيما بعد، وأعتقد أن هذا كان في الصف الثالث الثانوي أو أول أعوام الكلية:


فيما بعد قرأت له كتابًا يحكي عن تجربته مع الشعر. وقد تأثرت بأفكاره جدًا خصوصا ما قاله له شاعر سوفييتي كبير: "لابد أن تقول في شعرك شيئًا آخر غير إنك شاعر!". ولعل هذا كان من أسباب توقفي عن قرض الشعر مبكرًا. لم يكن لدي ما أقوله سوى إنني شاعر..


كان إيفتوشنكو هو الشاعر الثائر القادم من صقيع الاتحاد السوفيتي – من أوكرانيا بالتحديد – ليفجر نار الثورة في كل مكان. هذه القصيدة من ترجمة أيمن أبو الشعر:

بكلِّ هُدوء 
تغادِرُنا الأمهات
تغادِرُننا في المَهاجِع
وفي خَطوِهنَّ برِفقٍ يدسن رؤوسُ الأصابِع
ونحنُ ننامُ بكلِّ سَكينة
وقد أُطفِئَ الجوعُ لسنا نعيرُ انتباها 
لوقتٍ كهذا مُريع
تغادِرُنا الأمهاتُ شيئاً فشيئا 
وحيناً نَظُن 
ويَبدو لنا أنَّهُن 
يغادِرْنَ فجأة 
ولكنَّهُن 
رويداً رويداً ذَهبْن 


ويقول عن عصر ستالين:
ستذكر الاجيال 
وتتحرق بالخزي 
متذكرة هذه الأيام الغريبة 
حيث الامانة العادية تعتبر عملا من أعمال البطولة

ولد الشاعر في زيما بسيبريا عام 1933. عاش سنوات الحرب العالمية القاسية، وفي ذلك الوقت كانت أسر الفلاحين التي يُستدعى أولادها للجيش يقومون بتزويجهم بسرعة لينعموا بليلة عسل واحدة قبل الذهاب للحرب، وهم غالبًا لن يعودوا. يعني العروس تعرف أنها ليلتها الأولى والأخيرة ثم تصير أرملة. كان هو يرقص في تلك الأعراس الحزينة مقابل ثمرة بطاطس، وقد وصفها في قصيدة (أعراس الريف) فيما بعد.

نشر أول قصيدة له عام 1949. وقد صارت أغنية شهيرة ناجحة اسمها (هذا هو ما حدث لي).

شاهدها هنا مع لقطات من حياته. وقد طرد من اتحاد الكتاب لأنه (يكتب أعمالاً فردية) وهي التهمة الشيوعية الجاهزة التي دمرت فنانين كثيرين.

في العام 1961 كتب أشهر قصيدة له واسمها (بابي يار).. بابي يار التي تتحدث عن مذابح النازية ضد اليهود. هنا تسمع القصيدة مع ترجمة إنجليزية، وقد تحمس الموسيقار سوستاكوفيتش لعمل سيمفونية عنها. هناك نصب تذكاري هائل في كييف اليوم يصور مكان المذبحة التي قتل فيها 33 ألف يهودي عام 1941.

والفكرة هنا أنه تحدث عن الهولوكوست بينما الحكومة السوفيتية كانت تنكره، بل إنه اتهم الحكومة السوفيتية ببعض معاداة السامية. لكن ظل هو الشاعر الماركسي الذي يسمح له النظام بدرجة معينة من انتقاده، ولهذا كان كثيرون يعتبرنه صنيعة النظام ، وقالت الشاعرة آنا أخماتوفا إنها لا تعتبره شاعرًا أصلاً ثم انتحرت فيما بعد!. هذا موقف شبيه بموقف المثقفين أيام ناصر من الأبنودي. كل الشيوعيين في السجن وهو في الخارج، لذا يتهمونه بأنه هادن النظام فنال الثراء والحرية.

لقد كان هناك جدل مستمر دائمًا حول إيفتوشنكو خاصة مع تكريمه الدائم في الغرب.

وقد قام بجولات واسعة في أمريكا اللاتيية وجمعته صداقة قوية مع تشي جيفارا وكاسترو.



ما زال إيفتوشنكو حيًا ويدرس الأدب الروسي في الولايات المتحدة – أوكلاهوما، التي انتقل لها منذ عام 2007 لكنه يعود إلى وطنه مرة كل عام. شاهده يلقي شعرًا في هذا الكليب بعد ما شاخ. وهنا يلقي شعرًا في شيكاغو. صار شيخًا لكنه ما زال يحاول أن يرقص وهو يلقي الشعر.