قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Loading...

Thursday, April 7, 2016

إرهاب في مارس



spc


نحمد الله أن خاطف الطائرة المصرية لم يؤذ أحدًا، وأن تنظيم الدولة لم يعلن مسئوليته عن الحادث. كلما سمعت عن حادث إرهابي في العالم، توقعت أن أسمع مسئولية تنظيم الدولة الذي تضخم وتوحش، مع أننا لم نكن قد سمعنا عنه حرفًا منذ عامين، فصار البغدادي أقوى رجل في العالم كما هو واضح، ما دام الغرب بأكمله وكل هذه الجيوش عاجزين عن قهره.

منذ اللحظة الأولى لسماع الخبر، لم أصدق وجود حزام ناسف وبدت لي لعبة سخيفة هيكلية من التي يستعملونها للتهويش كثًيرا. لربما استخرج بعض أشياء من حقيبته أو حمام الطائرة ولفها كشريط لاصق حول خصره، ثم خرج ليصرخ أن هذا حزام متفجر. وقد قام بنفس المناورة الخادعة أحد خاطفي الرحلة يونايتد 93 التي لم تصل لوجهتها قط ضمن طائرات سبتمبر 2001 الأربع. لا أحد يستطيع ركوب الطائرة بمفرقعات أو سلاح أو سائل في زجاجة، لكنك تتذكر أن هناك بالتأكيد ثغرة أمنية يجلس عليها بسطويسي بينما هو يلتهم إفطاره من الطعمية والباذنجان. لابد من لحظة ينهض فيها فتنفتح الثغرة، ويعود هو صارخًا: "يا سنة سوخة!!". حدث هذا مع الطائرة الروسية في شرم الشيخ فماذا عن هذه المرة كذلك؟ يتلاعب الشك في نفسك بين منطق يقيني، وبين معرفتك أنه لا منطق في مصر. الحمدلله أن أصابع الاتهام بالإهمال لم تتجه نحو أمن المطار.. على الأقل حتى اللحظة. وهنا نجد أنهم لو كانوا واثقين من عملهم فعلاً لسيطروا عليه منذ اللحظة الأولى في الطائرة، ما دام ضابط الأمن على متن الطائرة مسلحًا. على كل حال قد أحدث الأذى وقضى على ما تبقى من السياحة.


التحديث الأخير أثناء كتابة المقال، هو أن الحزام مصنوع من أغطية آيفون. وهناك صورة سيلفي جميلة للمختطف مع أحد الركاب!.. لقد كان هناك الكثير من المرح إذن، ويبدو أنه أصيب بمتلازمة ليما التي تجعله يحب المخطوفين ويتعاطف معهم، وهي عكس متلازمة ستوكهولم على فكرة. ذكروني أن أكتب سيناريو عن هذه القصة، وعن الفتى النحيل المطعون في حبه والذي قرر القيام بعمل مجنون. سوف يقترب نجاح هذا الفيلم من فيلم باتشينو (عصر يوم حار) أو عادل إمام (الإرهاب والكباب).

لا شك أن ثغرات الأمن كثيرة برغم الجو البوليسي المرهق للأعصاب حاليًا. أذكر أيام تفجيرات التسعينيات الكثيفة أنني كنت في المصرف فوجدت حقيبة سوداء كبيرة وسط المكان المزدحم، ولا يوجد أحد جوارها. بدت لي مريبة جدًا. خرجت لرجل الشرطة الجالس على الباب في الشمس يشرب الشاي والسجائر وأخبرته، فلم ينهض. فقط نظر لي نظرة (أمنية) خطيرة وشديدة الذكاء في آن، وقال بلهجته الريفية:
ـ"خش انت وخلي عينك عليها.. واحنا معاك هنا لو فيه حاجة!!"

يعني لو كانت عبوة متفجرة وانفجرت فعلاً، فلسوف أمشي له مرة أخرى وأخبره في أدب، فيضع كوب الشاي ويطلب إدارة المفرقعات بعد ذلك وهو يعابث شاربه في خطورة. 

منذ أسبوع جاء أحد أقاربي من يوم في القاهرة، ليقول لي إنه دخل محطة المترو بحقيبة عملاقة مريبة، فلم يسأله أحد عن محتواها ولم يبال به أحد. أي إنه لو كان انتحاريًا لفجر نفسه في عربة المترو وقتل 400 شخص على الأقل. هذه هي الثغرات العديدة التي يتركها بسطويسي في كل مكان، وهذه الثغرة بالذات تكلم عنها د. محمد فتحي في مقال له منذ عشر سنوات، عندما كان يركب المترو من وإلى عزبة النخل يوميًا. نحن في زمن الإرهاب الأسود الذي يطرب كلما رأى الدماء تغطي الشارع.. ألا تقولون كل ربع ساعة إن مصر مستهدفة؟ فماذا فعلتم لهذا عمليًا؟

۞۞۞۞۞۞۞۞۞۞

مارس!! .. عرف شهر مارس منذ 20 عامًا عملية إرهاب كبرى في مترو اليابان، وقد تذكرتها من جديد بما أننا في الشهر ذاته. 

غاز السارين اللعين في أنفاق المترو!.. هذا ملخص ما حدث بالضبط في 20 مارس 1995 باليابان. ومن حسن الطالع أن هذه الهجمة الجريئة لم تقض سوى على 13 شخصًا، لكن الغاز آذى 6000 واحد. أنت سمعت عن غاز الأعصاب المخيف الذي اخترعه النازيون عام 1930، وهو من أعمدة الحرب الكيميائية الأساسية.. يشبه الأمر تسمم مبيد الحشرات لكن على نطاق واسع مخيف.

الحرب الكيمائية حرب قذرة لا تلعب بقواعد عادلة. فماذا عن إرهاب كيميائي؟

كما هو معتاد فإن أفظع الأعمال الإرهابية هي التي تأتي من عقلية دينية مخبولة، تفترض أن هذا هو الجهاد، أو ترغب في تطهير الأرض لقدوم أي شيء. وهكذا ظهر أعضاء منظمة (أوم شينيركيو) ليحملوا للمترو خمس حقائب بلاستيكية مليئة بالسارين السائل، وكل حفيبة ملفوفة في جريدة. وفي نفس اللحظة بالضبط – على طريقة القاعدة – ثقب كل واحد حقيبته بمظلته المدببة فتسرب الغاز، ثم فر كل منهم لدى انفتاح الأبواب

وصل أكثر من مترو لمحطته فانفتحت الأبواب وتساقط الناس على الرصيف وهم يلهثون أو ينزفون من الأنف والفم. لابد أنه بدا ككابوس أو يوم قيامة. طبعًا نحن في اليابان حيث يقوم أيشيهارا بدور بسطويسي، لذا سرعان ما ظهرت فرق مكافحة الحرب الكيميائية اليابانية بالأقنعة والترياق وأجهزة عملاقة لتبدل الهواء.

منظمة (أوم شينيركيو ) – يوم القيامة – هي منظمة دينية مخبولة يقودها من يدعى (شوكو اساهارا)، وقد اتجهت نحوها أصابع الاتهام، وبمداهمة مقراتها تبين أنها تحوي تجهيزات غاز السارين فعلاً. تم القبض على شوكو وبعد 17 عامًا تم القبض على باقي المدبرين.

أساهارا كفيف أنشأ هذه الحركة في الثمانينيات، واعتبر نفسه مخلص العالم الخارق، وبلغ حجم أتباعه أربعين ألفًا. كانت هذه الهجمة محاولة لإحداث اضطراب وتسريع يوم القيامة. إن حلم هذه التنظيمات الدائم هو الموت والخراب وأن يموت الجميع.

لم يتم حل الجماعة لكنها دفعت تعويضات رهيبة لأهالي الضحايا، مما أوصلها إلى الإفلاس، ولم تعترف قط حتى اليوم بأنها نفذت هذه الجريمة. حكم بالإعدام على عدد كبير من المدبرين. وحاليًا تحمل المنظمة اسم (ألف).. ينطقونها كما ننطق نحن حرف (ألف).

ذكرني خطف الطائرة الأخير بهذه الحادثة، لكن من حسن الحظ أن الإرهاب عندنا لم يصل لهذه الدرجة من التعقيد. لكن إذا كانت اليابان تعرضت لهذا فماذا عنّا؟ هناك ثغرات أمنية لا حصر لها يسد كل واحدة منها بسطويسي بكفه الغليظة، لكنه مستعد لتركها عند أول لحظة كي يشتري سجائر أو يبتاع طعمية للعشاء.