قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Thursday, May 26, 2016

عشر علامات - 3



spc

رسوم الفنان: طارق عزام

هذا ليس بشيء .. لست من الطراز المتشكك الذي يتظاهر بالذكاء، ويتشمم حجارة الطرقات. لكن اجتماع خمس علامات غريبة أمر يثير الريبة. في معظم الأمراض الطبية تكون هناك علامات كبرى وعلامات صغرى .. ثلاث علامات كبرى مع علامة واحدة صغرى تكفي للتشخيص مثلاً. هنا خمس علامات كلها كبرى على ما أظن .. لكن هذا لا يعني أن جيرانك موتى أحياء .. تحتاج لأدلة أقوى.

هذه غرفة مكتب مظلمة ..

قلبي يتواثب وأنا أدنو من الباب .. أفتح المقبض في حذر .. غرف المكتب دائمًا مخيفة. هناك على المكتب ستجد ذلك التمثال الوثني أو كتاب إينوخ أو أي شيء مرعب آخر ..

لكن الغرفة في ضوء الكشاف كانت هادئة ساكنة تراقبني في شيء من السخرية، وهناك طبقة الغبار التي تغطي كل شيء.. سوف أترك أثرًا لا بأس به لكل عين فضولية .. فيما بعد سوف تكثر الأسئلة ..

تررررررررررررررررررررررررررن !

وثبت كمن صعقته الكهرباء في الهواء.. احتجت لعشر دقائق كي أتذكر أن هذا هاتف. لا أعتقد أن هناك أي أسلاك هاتف تصل لهذا البيت، ويبدو أن هذه علامة جديدة .. الهاتف الذي لا يتصل بسلك وبرغم هذا يدق. طبعًا أتوق للرد لكني لست بهذه الحماقة …

تررررررررررررررررررررررررررن !

مصر على تحطيم أعصابي كما هو واضح. الأروع أن يدخل أحد الغرفة ليرد، ويتضح أن هناك من كان نائمًا في البيت برغم كل شيء..

تررررررررررررررررررررررررررن !

لقد توقف أخيرًا وهذا رائع .. يجب أن أعمل بسرعة .. هذا فضول مبالغ فيه لكني أريد أن أعرف. ثمة غرفة يكمن فيها التفسير الكامل حتمًا. هذه الصورة على المكتب تظهر الأب وأولاده والزوجة … يقفون في حديقة حيوان على الأرجح ويضحكون. هذه الصورة تتفق والعلامة السابعة التي سأذكرها فيما بعد.. 

ننتقل الآن إلى العلامة التالية.


العلامة السادسة (لم يوجدوا قط):

من المفيد أن يكون للصحفي صديق مهم في المباحث. أنت تعرف عملية المنفعة المتبادلة هذه، مثل التمساح وطائر الزقزاق .. الأول يظفر بطعام سهل والثاني ينظف أسنانه بلا جهد. هكذا أمد أنا الضباط بشهرة معقولة ويمدونني بالأخبار. الصديق في المباحث سمع قصتي ووعدني بأن يجد لي المهندس سمير ناجي هذا .. يحتاج الأمر إلى بعض التفنيش في سجلات المهندسين والمهندسين الزراعيين .. بعد أسبوع من البحث أكد لي أنه لا يوجد في مدينتنا سمير ناجي بالتأكيد. من المحتمل أنه ليس مهندسًا وقد انتحل هذا اللقب. ولربما هو وافد من محافظة أخرى….. 

قال لي إنه كان هناك مهندس يحمل هذا الاسم في نفس الحي، لكن هذا كان في الستينيات أو السبعينيات .. 

لم أولِ اهتمامًا كبيرًا لهذه المعلومة، لكنك تعرف كما أعرف الآن مدى خطورتها . هل يكون هو نفس المهندس؟ هل هذا جائز؟.

نحن نتحدث عن مهندس لم يوجد.. جاء من لا مكان … 

إن الأمر يزداد بهجة ….

ترى هل رأفت قد نام؟


العلامة السابعة (كل صورهم عتيقة):

الصورة التي وجدتها في المكتب أغرتني بمزيد من البحث.. صورة للأب وصورة زفاف مع الأم. مستحيل أن يكون هناك تفسير آخر .. الصور قديمة جدًا وبالأبيض والأسود أو الزيتوني .. سطحها خشن، كل شيء فيها يتحدث عن الستينيات .. الثياب .. الوجوه .. طابع الصور .. لفافة التبغ المتدلية من ركن الفم. 

لكن وجوههم معاصرة جدًا .. كل شيء يدل على أنهم لم يشيخوا عما كانوا في الستينيات ولم يكبروا .. لقد ظلوا في هذه السن للأبد ..

كل شيء يقول إن هذه الصور ظلت في مكانها منذ الستينيات حتى اليوم. 

القصة توشك على الاكتمال عن الأسرة التي عادت لبيتها من جديد .. عادت بعد الموت على الأرجح، لكن هذه القصة تحتاج إلى شيء .. لمسة أخيرة تؤكدها .. هذا يشبه المتلازمة كما يعرفها الطب .. هناك أعراض في العين .. أعراض في القلب … أعراض في الجهاز العصبي .. أنت تشك، ثم تأتي اللمسة الأخيرة التي تجعلك تدرك أن هذه متلازمة مرضية لها اسم … 

أنا أبحث عن هذه اللمسة الأخيرة وهي مخاطرة حقيقية .. لهذا راقبت عادات هذه الأسرة جيدًا، وعرفت متى يفارقون البيت ثم حدثت رأفت بهواجسي ..

من السهل أن تتسلل للبيت نفسه، فأنا أعرف عاداتهم وأعرف أين يخبئون مفتاح الباب تحت الممشاة، فهم لا يرون ما أراه من علٍ. من أسفل تعتقد أن سرك في أمان، أما عن العبور لداخل الحديقة فهو الجزء الأعقد، وكان علي أن أتسلق السور كلصّ … هذا ما فعلته بينما يقف رأفت عند قمة الشارع يراقب .. 

وهكذا مررت لأول مرة بتجربة الدنو من أشياء كنت أراها من عل ومن نافذة داري الوقحة. الأرجوحة .. حوض النباتات .. السيارة العتيقة الخربة .. حبال الغسيل ..

ثم أدخل إلى سر الأسرار الرهيب .. منزل أسرة ناجي… توقع كل شيء يا صاحبي .. 

أما عن العلامة الثامنة فهي مثيرة للدهشة فعلاً ..


العلامة الثامنة (هم لا يموتون):

هذا المشهد لم أره لكن وصفه لي بائع الصحف، كان يمر في الشارع مناديًا ببضاعته الكاسدة في زمن الإنترنت .. ثم توقف عند قمة الشارع ليشكو الزمن ويشعل لفافة تبغ ..

هنا رأى صبيين يتسابقان .. الصبي الأول يتواثب ويبدو أنه قد وجه ضربة قوية للثاني وهو يهرب من انتقامه. كان يجري كالشيطان ويقفز فوق الطوب ومضخات الحريق …بينما أخوه أقل لياقة منه، يركض خلفه في غيظ وقد احمر وجهه .. 

تقاطع الشارع .. المشهد المألوف للصبي الأول يركض وهو ينظر خلفه، وهنا يدوي صوت نفير وصوت فرامل طويل، ثم ارتطام مرعب .. طار الصبي للأمام بينما واصلت السيارة اندفاعها .. ثم هوى الجسد على الأرض فمرت العجلة الأمامية عليه …

أخيرًا توقفت السيارة وبائع الصحف لم يصدق أنه رأى ما رآه .. ومن السيارة وثبت امرأة مذعورة باكية تلطم خديها عالمة أنها انتقلت في لحظة من خانة (السائقة المتعالية) إلى خانة (القاتلة المستهترة)… لقد تغيرت حياتها للأبد .. 

لكن بائع الصحف كان على استعداد لأن يشهد أن الصبي رمى بنفسه أمام السيارة رميًا ..

وفجأه أمام العيون المذهولة نهض الصبي .. تحسس ظهره كأنه يتألم ثم فرد ساقيه ونهض. على وجهه علامة ألم .. معجزة أن يظل من أصيب في حادث كهذا يتألم.

لحق به أخوه فتحسس جسده ثم وضع ذراعه على كتفه ليبتعدا ..

سألت المرأة في هستيريا:
-«إنت كويس؟».

لم يرد .. ابتعدا عائدين إلى شارعنا. وأدرك بائع الصحف أنهما متوجهان إلى البيت الذي نعرفه .. كان يعرف البيت ويعرف الأسرة، لكنه لم يتوقع بالطبع أن يشتروا صحفًا منه.

طرقا الباب فانفتح وغابا بالداخل. كأن هذا شيء طبيعي جدًا. توقع أن يخرج أب غاضب أو أم ثائرة تبحث عن سائقة السيارة، لكن كل شيء انتهى.. الشخص الجدير بالعلاج كان سائقة السيارة نفسها ..

هناك حادثة أخرى مماثلة سوف أحكيها لك، لكن صبرًا حتى أتأكد من أن هذا الضوء ليس من سيارة تقلّ الأسرة .. هم لا يملكون سيارة لكنهم يستعملون سيارات الأجرة من وقت لآخر ..

ابتعد الضوء فلنعد لقصتنا .. العلامة الثامنة …


يُتبع