قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Saturday, May 7, 2016

سفاح المستنقعات - 6 - الأخيرة



spc


بوباسطي .. معبد الإلهة باستت .. الليل الوليد .. الجو يزداد بردًا .. لو لم تمطر الليلة لكان هذا غريبًا ..

من خلفي تتضح الحقائق، وإن كنت لا أراها جيدًا، وأدرك أن الحسناء التي شعرت بنشوة لأني معها وحدنا في الظلام، ليست حسناء .. ليست أنثى أصلاً.

ـ«أنت فهمت القصة كلها .. عرفت ما حل بأبي العظيم».

خيل لي بالفعل أن هناك شيئًا يحدث في كتلة الظلام الواقفة على بعد مترين. إنها تستطيل .. ثم تنحني لتفك الحذاء الغليظ المطاطي في قدمها وهي تتكلم:
ـ«أحببت أبي كثيرًا برغم أنه كتب عليّ الوبال، ومنذ جئت للعالم كنت أدرك الدور الذي سألعبه عندما أكبر …».

بدأت تمشي نحوي فدخلت قدماها دائرة الضوء.. هنا رأيت السبب في الحذاء غريب الشكل الذي تلبسه دائمًا. هاتان ليستا قدمين، بل هما .. بل هما …………

ـ«نعم .. هذان خفّا جمل .. قلها !… أنت رأيت هذه الآثار العجيبة في وحل المستنقعات. لقد كنت آخذهم تحت وهم وإغراء الحب إلى المستنقعات ليلاً، ثم أقوم بما يجب أن أقوم به .. أنت لم تر شيئًا ما دمت لم ترني أتحول إلى عيشة قنديشة الحقيقية ببطء.. هذا مؤسف».

كنت أدرك الآن أن عينيها جمرتان حمراوان … لهذا لا أرى باقي وجهها. الظلام والظلال وتأثير العينين الرهيب. الخرائب … الصمت ..

أنا قصة أخرى ..

سوف يندهش رجال الشرطة من العثور على جثتي هنا بلا مستنقع. وكيف تنوين تفسير مصرعي، خاصة أن عامرًا يعرف أنك هنا معي؟ .. من يدري؟ على الأرجح سوف تظفرين بعامر كذلك .. هو شاهد خطر ..

قالت بصوت غريب:
ـ«ترمينار ميو أميجو!!».

ـ«ماذا؟».

ـ«فوسي سابي تانتو!!».

ـ«ماذا تقولين؟».

ضحكت في الظلام ضحكة مخيفة ، وقالت:
ـ«لا تنس أنني كنت أحارب البرتغاليين .. لهذا جعلوا مني أسطورة مخيفة، ولهذا أجيد لغتهم. كنت أقول لك إنك انتهيت يا صديقي، فأنت تعرف أكثر مما يجب..».

ـ«عائشة .. أنا أحببتك!».

ـ«وأنا كذلك! …. لهذا أريد أن أشعر بك في أحشائي!».

كنت أفكر بسرعة، ثم تحسست جيبي فوجدت القداحة .. فلنر إن كانت الأسطورة بهذه الدقة حقًا .. شليك!… أضاءت الشعلة، وعندها رأيت وجهها الجديد للمرة الأولى. رباه .. لن أصف شيئًا .. يمكنك أن تتخيل. فقط لو أن الشيطان تجسد فلن يجد وجهًا أكثر تأثيرًا.

شهقتْ كالحية .. كل مصاصات الدماء وليليث ولاميا وسواهن يشهقن كالحيات عندما يغضبن.. تراجعت للخلف في رعب..

هنا أطلقت ساقي للريح .. رحت أثب فوق الصخور ويقايا التماثيل. محاولة جاهدة في الظلام ..

كنت أصرخ لاهثًا بالطريقة اللاهثة المتقطعة التي يصرخ بها شخص مذعور يركض …

وقعت في وهدة فنهضت ثانية ..

أنا أحمق وأبدو مثيرًا للشفقة ..

لا جدوى من الفرار .. يجب أن أتوقف وأواجه .. لكن كيف تواجه عيشة قنديشة؟. أسطورة قادمة من عصر الدولة الأندلسية، وعبرت القرون والمسافات .. الأب الذي اقترب من الحقيقة أكثر من اللازم ففر وعاد لمصر، لكن اللعنة عرفت كيف تجده ..

كان هناك منحدر .. ومن بعيد أرى كوخين من القش (خوص). يبدو أن بعض العمال يلتفون حول النار ويعدون عشاءهم أو الشاي. لو استطعت الوصول لهم فهذا معناه الأمان … لكن المسافة طويلة جدًا والظلام دامس. لن أستطيع قطع المسافة بهذه السرعة. سوف أقع وتجثم فوقي قبل أن ..

ـ«فوسي سابي تانتو!!».

هذه الأغصان الجافة .. ورقة جريدة ممزقة .. أعشاب …

أشعلت القداحة ثم أشعلت منها ورقة الجريدة … ألقيت بها على الأرض، ثم رحت أشعل الأوراق الجافة والأغصان .. في النهاية صنعت دائرة من النار وقفت في مركزها .. ورحت ألهث لألتقط أنفاسي.

كانت قد وصلت …

توقفتْ بالفعل عند محيط دائرة النار، وراحت تلهث ..

«كنت أحمل ميلاً خاصًا نحو عائشة. هناك جاذبية خاصة للفتيات الخاليات من الأنوثة. يمكنك في لحظة بعينها أن تتصور أنها شاب وسيم، خاصة مع شعرها القصير وثيابها العملية. هي كذلك شخصية جادة، وأنا أمقت الدلال الأنثوي لأنه يختلط بالميوعة كثيرًا».

رباه !.. لقد تبدلتْ كثيرًا جدًا .. مستحيل أن تربط بينها وبين عائشة القديمة ..

كانت تدور حول اللهب وعيناها تتقدان .. كانت تلعق شفتيها المتقرحتين.. كانت تنقل خفي الجمل فوق الغبار ..

كانت تقول:
ـ«صفوت صديقك كان أحمق .. عندما زرته كامرأة عجوز لم يعرف أن هذه من عادات عيشة. شعر بأنه مظلوم … حاول أن يرتمي في أحضان لمياء، فلما فشل فكر في خوض مغامرة معي برغم أنه يعرف أنك متعلق بي.. كان أحمق وغير مخلص».

هنا نظرت عائشة لأعلى ..

أنا كذلك نظرت لأعلى …

لا أصدق سوء حظ كهذا ..

لقد بدأ المطر ينهمر!..

وبعين مذعورة رأيت دائرة النار تتوهج في محاولة أخيرة للبقاء، ثم انهمر المطر الغزير ورأيت عيشة ترفع رأسها المبلل للسماء وتضحك في جنون بينما المطر يبلل شعرها …

انطفأت دائرة النار، وصرت هشًا كطفل …

وثبت إلى المنحدر وتدحرجت .. نهضت ورحت أركض نحو أكواخ الخوص …

كان المطر غزيرًا والرؤية صعبة، لكني رأيتها من خلفي. شققت طريقي بصعوبة .. فجأة صرت على مقربة من الأكواخ، وفجأة مادت الأرض تحت قدمي .. هذه حفريات كما هو واضح… المكان يعج بها …

صرخت صرخة هائلة ورأيت عائشة تسقط معي في ذات الحفرة السطحية.. المطر يهطل علينا .. ولحظات النهاية تقترب ..

لكنها كانت تتلوى .. بدا لي أنها عاجزة عن النهوض .. كانت تحاول الزحف ثم تسقط من جديد .. هذا غريب…

كان لدي من الوقت ما يسمح بأن أنهض ثم أخرج من الحفرة وأركض مذعورًا ..

الرجال الملتفون حول النار وقد صنعوا ما يوشك أن يكون سقفًا يحتمون تحته. رأوني فلم يفهموا شيئًا .. كدت أسقط في اللهب..

كنت أصرخ في رعب:
ـ«الغولة !… عيشة .. النجدة !».

اندفعوا حاملين الشوم والفؤوس إلى حيث الحفرة، وكانت نظرة واحدة كافية ليروا الشيطان الذي يتلوى في قاع الحفرة .. بسملة .. حوقلة ..
ـ«الله أكبر!».

ـ«لا إله إلا الله!!».

وقال أحدهم:
ـ«سرداب القطط!».

هتفتْ وهي تحاول النهوض:
ـ«جلال .. أيو تي آمي!!».

لم أفهم هذه الجملة .. فقط رأيت الرجال يهبطون للحفرة وينهالون عليها بالفئوس و الحجارة والبصقات …كانت تتلوى .. ثم بدأت تطلق عواءً طويلاً كالذئاب.. وفي النهاية ارتجفتْ وهمدتْ .. لم يبق منها الكثير على كل حال … ووقفنا نلهث تحت المطر ….

ما سبب هذا الوهن؟.

لن أعرف أبدًا .. لكن للأمر بالتأكيد علاقة بهذا المكان. مومياوات القطط المدفونة في سراديب، هل كانت قادرة على إضعاف قواها؟ هل اصطدم سحر باستت بسحر عيشة قنديشة فانتصرت باستت؟.

ماذا كانت تحاول قوله لي في لحظاتها الأخيرة؟..

جرس الهاتف يدق .. منذ متى؟

مددت يدي لجيبي وأنا أحاول التماسك بصعوبة حتى لا يقع من يدي الراجفة… جاء صوت عامر:
ـ«جلال .. أين كنت؟.. ».

قلت في غموض:
ـ«كنت هنا».

عاد يقول:
-«استعدت ما قلته لك عن عيشة قنديشة .. يصعب أن أطلب منك تصديق هذا الهراء. كنت أفكر بصوت عالٍ فقط .. كل هذه خرافات.. أرجو أن تنسى ما قلته لك ولا تظلم هذه الفتاة الرقيقة .. جلال .. لماذا لا ترد؟».

تمت