قصاصات قابلة للحرق

Thursday, May 26, 2016

ليلة القبض على المهرج



spc

http://goo.gl/HUQBwp

أنا قلبي كان شخشيخة أصبح جَرس
جلجلت به صحيوا الخدم والحرس
أنا المهرج .. قمتوا ليه خفتوا ليه؟؟
لا فْ إيدي سيف ولا تحت منى فرس
عجبي !!

رباعية صلاح جاهين الشهيرة عادت تتردد بقوة في أذهان الناس هذه الأيام، واكتشف الجميع أنها طازجة لا تبلى أبدًا، براقة كالذهب لا تصدأ أبدًا. حدث هذا مع أنباء القبض على أفراد فرقة أطفال الشوارع.  قلت إنني لن أتكلم في السياسة، لكني لا أعتبر هذا الموضوع سياسيًا، بقدر ما هو دفاع عن شباب أرادوا التعبير عن أنفسهم.

رأيت بعض الاسكتشات الساخرة للفريق، وأعجبت كثيرًا بتلك الدعابات القوية الحاضرة، كما انبهرت بهذا التنسيق المسرحي بينهم وقدرتهم على الحفظ، مع الميزانسين الطريف الذي يجعلهم يبدون كأنها صورة (سيلفي) متحركة، ويدمجون أساليب عدة منها صوت دبلجة الرسوم المتحركة الناطقة بالفصحى.  كل شيء يفوح برائحة الشباب.. الشعور الطويلة .. الثياب .. وضع ثلاثة أرباع المميز لصور السيلفي،  ثم البساطة المتناهية حيث لم تكلفهم هذه الاسكتشات مليمًا وتم تصويرها بكاميرا هاتف محمول. على كل حال، كنت أعرف طريقة التفكير المصري الحالية، واندهشت جدًا وقتها لأنهم أحياء وأحرار ولم يحولهم أحد إلى مخلل في مرطبان، ثم قلت لنفسي إن السلطة في مصر أنضج من أن تعطي أهمية مبالغًا فيها لفتية يمزحون. كذلك اعجبت بشجاعة هؤلاء الفتية، فهم بالتأكيد يلعبون بالنار في بلد صار التسامح فيه صفرًا.

كنت أنوي أن أكتب عنهم، وقد فعلت هذا من قبل مع شاب موهوب يستخدم الكاميرا وتعبيرات وجهه بطريقة ذكية لكنه لا يتطرق للسياسة، ثم فوجئت بأخبار اعتقالهم بتهم مروعة .. أي أن السلطة خذلتني عندما حسبتها أكثر حكمة من ذلك. كما قلت: لم أكن أعتبر الأمر بهذه الخطورة ولا هذه الأهمية. مجرد نكات ساخنة نوعًا .. ليست دعوة للتظاهر ولا هدم الدولة ولا .. ولا ... إن الدولة التي يمكن لستة فتيان يمزحون أن يهدموها، هي شبه دولة فعلاً. على الفور تذكرت رباعية صلاح جاهين الجميلة، كما تذكرت قصيدة قديمة للشاعر السوفييتي ايفتوشكنو .. ليس نصها عندي حاليًا، لكنه يتحدث عن الضحك. كيف اعتقلوا الضحك وعذبوه فظل يضحك .. علقوه من حبل مشنقة وتنفسوا الصعداء فإذا بالضحك يخرج لهم لسانه ويضحك من جديد. لا يستطيع أحد أن يقضي على الضحك.

هكذا هرع كل الناس يفتشون عن كليبات هذه الفرقة، وأعتقد أن كل من لديه كمبيوتر في مصر قد شاهد اسكتشاتهم. لقد أنجحتها الحكومة بشكل لم يحلم الشباب به. وصل الأمر إلى التلفزيون الألماني الذي تحدث عنهم وأطرى قدرتهم على التصرف بكاميرا صغيرة. من الواضح أن الدولة أرادت أن يكون عقابهم رادعًا يخيف كل من تسول له نفسه السخرية المماثلة، لكن النتيجة المتوقعة هي أن ظهرت عشرات الفرق المماثلة التي تقلد الأسلوب ذاته، وظهرت حملات (أفرجوا عن الضحك) النشيطة على فيسبوك. لقد صاروا رموزًا مثل أنجيلا ديفيس وميريام ماكيبا. أنا نفسي رحت أجمع أي معلومات أجدها عنهم. وبعد ما كانوا في خانة (أولاد ظرفاء .. هاها).. تحولوا إلى أبطال ثوريين تنكل بهم السلطات. ولا شك أن النظام قد سجل مزيدًا من الأعداء بين جيل الشباب رواد فيسبوك ويوتيوب، فالحقيقة أن هذه الفرقة تمثل الشباب بدقة، واعتقالهم هو اعتقال رمزي للشباب جميعًا. هؤلاء الشباب هم محمد عادل ومحمد يحيي ومحمد سوري ومصطفى زين وعز الدين خالد ومحمد عبد المجيد جبر. محمد يحيى هو الأكبر سنًا نسبيًا، أما الباقون ففي العقد الثاني من العمر. عملوا معًا في ورشة بمركز الجيزويت لمدة عام، ثم قرروا أن يقدموا مسرح الشارع. تقول الأخبار إن (سوري) يدرس الموسيقا ونال منحة سفر لفرنسا من المركز الثقافي الفرنسي، لكنه طبعًا دخل السجن قبلها.

يذكرنا هذا بباسم يوسف والبرنامج، عندما قرر أن يستخدم عُشر السخرية التي كان يتبعها مع مرسي، فلم يكد يبدأ النطق، حتى تم وقف برنامجه والتنكيل به وما يشبه نفيه. لم يكن باسم يوسف يحمل متفجرات أو يدعو لاقتحام المتاريس ولم يطلق شتائم بذيئة.. لكنه استعمل سلاح السخرية، وقد تبين أن النظام يعتبر السخرية اخطر من القنابل.

نسمع من جديد خبرًا عجيبًا حول الشاب محمد السيد (اليماني) مصمم الجرافيكس، الذي ارتدى قميصًا (تي شيرت) عليه مقطع من أغنية مدحت صالح (أنا عاوز أعيش في كوكب تاني). الخبر يقول إنه تم اعتقال هذا الشاب وترحيله للجبل الأحمر بتهمة ارتداء هذا القميص يوم 25 أبريل، أثناء مروره في ميدان عبد المنعم رياض. واعتبروا هذا احتجاجًا على التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير. ثم قدموه للنيابة مع قائمة تهم (تودي في داهية) وحكم عليه بالسجن سنتين مع الشغل ضمن الأحكام التي تتم بسرعة الضوء هذه الأيام. العدالة بطيئة دائمًا لكنها في القضايا السياسية تضرب بسرعة البرق وقوته. من حق محمد السيد أن يعيش في كوكب تاني .. على الأقل سيريحهم من إزعاجه ويوفر كل الطعام الذي كان سيأكله. فلماذا تضايقوا؟

هذه أخطاء كثيرة تتراكم، بينما تجاهل هذه الأمور الصغيرة يدل على القوة والسيطرة. تذكر محاكمات فتيات (سبعة الصبح ) حاملات البالونات، وكيف ظهرن في الصحافة العالمية كملائكة رقيقة مسربلة بالأبيض في القفص محاطة بالذئاب. تذكر هذا المشهد وفكر: هل كان تركهن يتظاهرن أكثر خطرًا؟

لا ننكر هنا ذكاء حسني مبارك، الذي ترك من يهاجمه يهاجمه، وكان شعاره غير المكتوب هو: "فليقولوا ما يشاءون وأنا أفعل ما أشاء". لهذا نجد نغمة الهجوم عليه زاعقة في كتابات الأسواني وعبد الحليم قنديل مثلاً، بل إن الأخير كتب مقالاً ناريًا في 15 أبريل 2010 يقول في عنوانه: "أشعر بالعار لأنك رئيس مصر"!!.  وكنت ترى العنوان عند باعة الصحف دون أن تهتز الأرض. بهذا الذكاء استطاع مبارك أن يظل جاثمًا فوق مصر ثلاثين عامًا لأنه حرص على أن يخرج البخار من عدة ثقوب. مبارك لم يرحل لأنه تجاهل الناقدين والساخرين، لكنه رحل لأن صدره قد ضاق بهم. لذا جاءت لحظة الانفجار.

لو طبقت الحكومة سياسة (فليقل من يشاء ما يشاء) لما اهتم سوى قليلين بهذا الكليب، ولما انهمر سيل المقالات الرافض لتصرف الحكومة كما رأينا.

إن للداخلية دورًا أهم بكثير من ملاحقة الفيسبوك والشباب الساخر ورسامي الكاريكاتور والتي شيرتات، وقتل باعة الشاي الذين يطلبون ثمن الشاي. من واجبها إطفاء الحرائق وإعادة السيارات المسروقة لأصحابها وحماية الشوارع مثلاً.