قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Loading...

Saturday, May 28, 2016

حدث في المنيا



spc

بما أن هناك كارثة أسبوعية دائمة تثير ذهولنا، فكارثة هذا الأسبوع هي السيدة المسنة التي تمت تعريتها في المنيا، وبالتحديد في قرية الكرم بأبي قرقاص، القصة التي يعرفها الجميع – والعهدة على وسائل الإعلام – هي أن مجموعة من الغاضبين هاجموا بيت السيدة وقاموا بإخراجها، وجردوها من ثيابها وجروها عارية في الشارع، مع الضرب الوحشي، وهو أمر لا تصدق أن يحدث في قرية صعيدية.

تقول الضحية، إن سيدة لا تعرفها سترتها بثيابها فاستطاعت أن تهرب، كالعادة تبدأ القصة من إشاعة وجود علاقة بين مسيحي ومسلمة متزوجة في القرية، قصص الحب بين دينين مختلفين سبب 80% من النزاعات الطائفية في مصر، تعرض المسيحي للتهديد ففرّ من القرية، وفي يوم 19 مايو أبلغ أبوه وأمه مركز الشرطة عن تلقيهما تهديدات، مساء الجمعة 20 مايو هجمت مجموعة من مسلمي القرية على سبعة من منازل الأقباط، ثم هاجموا السيدة المسنة، التي اتهمت زوج السيدة المسلمة بما حدث، واستمر هذا الجحيم حتى وصلت قوات الأمن.


قالت السيدة: "ناس ماعندهاش ضمير يعروني في الشارع وأنا ست كبيرة وكل القرية بتتفرج، وابني هرب لأن لو شافوه كان قتلوه.. ماكانش يعرف إن ممكن يعملوا كده في ست كبيرة".

هناك أسباب عديدة لهذا الاعتداء، لست عالم اجتماع أو طبيبًا نفسيًا، فقط أنا أكتب رأيي، ورأيي أن التعصب الديني له دور مهم هنا، لكنه الدور الأقل.. لو أردنا تقسيم الموضوع بالنِسَب لكانت كما يلي:

1- السادية الكامنة في النفوس ووجدت لها منفذًا - 80%:

الشخصية المصرية صارت عنيفة قاسية بالفعل، وهناك شواهد عديدة على ذلك، يمكننا أن نتذكر حادث تعرية واغتصاب وحرق امرأة مسلمة محجبة في ميدان التحرير، من دون سبب واضح سوى السعار الجنسي والسادي، مع سلوك الجماهير الذي وصفه صديقنا د. شريف عرفة بأنه فقدان التفرد "deindividualization" الذي يجعل المرء لا يخشى الحساب لأنه صار خلية من جسد عدواني كبير.

هناك تلك القصة المروعة للهجوم الذي تم على اجتماع للشيعة في قرية (أبو مسلم) مركز أبو النمرس بمحافظة الجيزة، حدث هذا عام 2013 عندما اجتمع بعض الشيعة بالأب الروحي لشيعة مصر حسن شحاتة، للاحتفال بالنصف من شعبان، قام بعض الأهالي الغاضبين بالهجوم على هذا الاجتماع، وتم قتل وسحل حسن شحاتة في مشهد بشع فعلاً، والملاحظ أن عددًا كبيرًا من المهاجمين لم يعرفوا لماذا يهاجمون أصلاً، فقد قال لهم طرف ما إن هذا حفل زواج متعة جماعي، لا أفهم الكثيرعن الخلاف السني الشيعي الذي أرهق العالم العربي على مدى 14 قرنًا، لكني لا أعتقد أن أي دين في التاريخ يبيح لأتباعه ذبح خصومهم هكذا دون محاكمة ومن دون جريرة واضحة سوى الاختلاف، لو كان حسن شحاتة يقوم بجريمة ما أو يهين الأديان، فقد كان عليهم إبلاغ الشرطة أولاً


بمناسبة هذه المذبحة، قدم فنان الكاريكاتير المثقف (قنديل) هذا الكاريكاتير الذي يعبر عن اعتقاد البعض أن سفك الدماء هو طريقهم للجنّة، وإن كنت لا أتفق مع الفنان تمامًا في أن التعصب هو تفسير ما حدث


تعليقات بعض المعلقين في يوتيوب كانت كارثية فعلاً


لكني أكرر اعتقادي بأن التفسير الأقرب للصواب ليس هو الخلاف المذهبي فقط، ليست وجوه من تراهم في الكليب وجوه متدينين يفعمهم الإيمان والحماسة للإسلام السني، هذه وجوه رأت فرصة لإخراج العدوانية وإراقة الدماء والتخريب والحرق، كل هذا العنف تحت مظلة دينية، لا أدري لماذا تذكرت السباك اللص الذي يضع دعاء التهجد على هاتفه المحمول، وهو يسرقني بلا رحمة ولا ضمير.

فإذا ابتعدنا قليلاً عن مصر ورجعنا بالزمن إلى مايو 2010 فإننا نقابل مشهدًا بشعًا في كترمايا بلبنان، عندما اتهموا شابًا مصريًا باغتصاب طفلتين، وكان هذا المشهد البشع عندما ذبحوه وعلقوا جثته كأنه سمكة قرش كانت تهاجم الأطفال على سواحلهم.


لو راجعت المشاهد لما وجدت وجوهًا مشتاقة للعدالة والقصاص، ولو كانوا كذلك لتركوا الشرطة تحقق معه والمحاكم تحاكمه وتعدمه، لكنهم قرروا ألا يتركوا هذا الحفل الوحشي يفلت منهم وصوروه بهواتفهم المحمولة للذكرى الخالدة.

فإذا ابتعدنا أكثر في الزمان والمكان لوجدنا عقاب النساء اللاتي تعاملن مع الألمان، وهذا بعد خروج النازيين من فرنسا، هناك مشاهد فاضحة كثيرة لا أستطيع نشرها هنا، لكن كان الروتين المعتاد هو تعرية المرأة وسط الجماهير ثم حلق شعرها ثم إرغامها على السير وسط البصقات والإهانات والعيون الزانية



السؤال هو: هل هذه وجوه (مواطنين شرفاء) سعداء لتحقيق النصر، أم هي وجوه وحوش آدمية مستمتعة بالإهانة والتعرية والدم؟

ما أريد قوله هو إن التعصب الديني لعب دورًا في حاث المنيا، لكنه دور محدود بالمقارنة بالشهوة الوحشية وحب الدماء والإهانة، الشخصية المصرية صارت أميل للعنف والقسوة. دعك من أن الصعيد تركيبة معقدة لا يفهمها إلا من ولد هناك.

2- التعصب الديني - 10%:

لا ننكر هنا أن كراهية الآخر صارت قاعدة، وهناك كثيرون شعروا أن من واجبهم أن يسيئوا معاملة أفراد الدين الآخر، سوف أعرف أن حال البلد قد تحسن، عندما تأتي المناسبات القومية فلا يرصون فيها القس جوار الشيخ بهذا المنظر المسرحي المفتعل.

منذ بدأت هذه العادة والفتنة الطائفية مشتعلة متأججة، والمشكلة أن من يمارس التعصب يصر على أنه على حق، لأنه يعتمد على وسيط يلوي أعناق النصوص الدينية لتبيح الكراهية وربما القتل، هناك قصة لا أنساها عن مذبحة الدير البحري في الأقصر، حكاها أحد المرشدين السياحيين، إذ رأى إرهابيًا يذبح الأطفال الأجانب، فقال له: "حرام عليك .. اقتلهم بالرصاص! .. الإسلام لم يقل هذا"، قال له الإرهابي: "بالعكس .. يجب أن تقرأ وتفهم النصوص الدينية جيدًا لتعرف أنني أفعل الصواب .. خذ هذه حتى لا تنسى!"، وغرس السكين في فخذ المرشد!، هذه القصة ذكرتها مجلة روز اليوسف أيام المذبحة ولم أنسها قط، هناك من يبلغ به فهم الدين الخاطئ هذا المنحدر الوعر، وفيما بعد أطلقوا الرصاص على رءوسهم ضمن هذا الفهم العجيب.

ذات مرة قال القرضاوي ومجمع فتاوي الأزهر، إن تهنئة المسيحيين بعيدهم جائزة ومستحبة. هنا فوجئت بالمتعصبين على النت يقولون : "هو احنا حناخد بكلام الشيخ ترتان والشيخ أبو سحلول؟!!.."، لأن الفتوى متسامحة لم يقبلوها .. بينما في ظروف أخرى كانوا سيقولون لك إن لحوم العلماء مسمومة وإن من يجادل رويبضة.. الناس تختار الفتوى الأقرب لطبيعتها القبلية الشريرة.

وفي قصة مصورة لي عن حرب أكتوبر – تجدها هنا – يطلق المصري المسلم الصاروخ على الدبابة ويطالب زميله جورج بأن يطلق الصاروخ الآخر ليحمي ظهره، فوجئت بمن يشتمني بشراسة لأنني أقحمت جورج في الموضوع، فجأة قرروا عدم السماح للمسيحيين بأن يوجدوا أو يحاربوا في حرب أكتوبر، كأن المسيحيين لم يكونوا في الجيش وقتها، وكأنهم كانوا يهللون فرحًا كلما سقط قتيل مسلم: "النصر لإسرائيل!".. كنت أنا في الصف الأول الإعدادي وقت حرب أكتوبر، وأعرف جيدًا أن مينا وجورج واسكندر ماتوا جوار محمد ومصطفى وعبد الرحمن، فعلاً قد تغير تفكير المصريين كثيرًا جدًا منذ عام 1973، منذ عام 2012 لم أعد أقرأ التعليقات أبدًا، لكن يمكنك أن تقرأ التعليقات المسعورة المجنونة التي ستُكتب تحت هذا المقال ممن لن يعجبهم كلامي، لتدرك انني على حق!!!!.


بالطبع أدى هذا المناخ إلى رد فعل عنيف من الطرف الآخر، والأمثلة كثيرة كذلك تبدأ بعدم رد تحية السلام عليكم، مرورًا بتحويل أي خلاف عادي إلى قضية أمن دولة واتهام للطرف المسلم بالتطرف، ومؤخرًا قرأت تويتة لرجل دين مسيحي يقول إن الله أتى لآدم بحواء واحدة ولم يأت له بأربع، في انتقاد واضح للإسلام .. طبعًا أحدث هذا البوست احتقانًا هائلاً، فلماذا يناقش رجل دين شيئًا يخص الدين الآخر علانية؟. النت مليئة بمن يسعون سعيًا لهدم قواعد الإسلام والتشكيك في كل شيء فيه، ولا تعرف فائدة هذا سوى الخراب والدماء.

3- فقدان العدالة - 10%:

يؤمن كل واحد أنه لن ينال حقه بالقانون، لهذا يصمم كل واحد على تحقيق عدالته الخاصة، وقد رأينا بعد الثورة من يعتقل قاتلاً ويطوف به المدينة ثم يعدمه، وراجت سوق البلطجية الذين يحلون لك مشاكلك أو يقتلونها أو يحرقونها بماء النار، ولهذا سادت قيم القوة والعنف.

4- السبب الرابع:

هو السبب الذي يمكن أن يقدمه علماء النفس أو الاجتماع أو الجريمة، ولا أعرف ما هو، لم يرد أي واحد ممن أعرفهم منهم على مكالماتي إذ أردت استشارتهم قبل كتابة هذا المقال، كل ما أعرفه هو أن مصر ليست على ما يرام، وهي تمر بفترة عسيرة غير مسبوقة من تاريخها، تحتاج إلى معجزة حقيقية كي تنتهي.