قصاصات قابلة للحرق

Sunday, May 1, 2016

كنت أنفّذ الأوامر



spc

أنت خاضع لسلطة ما، وتعتقد أنها الأكثر حكمة: من أنا كي أعرف ما يعرفه هؤلاء السادة؟ وهذه الثقة تجعلك تطيعها طاعة عمياء، حتى لو كانت هذه الطاعة تتجاوز قناعاتك أو مبادئك.

المثال الأكثر وضوحًا هو مثال المخبر أو رجل الشرطة. ليسوا كلهم وحوشًا سادية تعشق سماع صرخات الألم، لكن خضوعهم لسلطة أعلى يجعلهم يفعلون ما يُطلب منهم بلا مناقشة. المدير الذي يعاقب موظفة يعرف ظروفها العسيرة جيدًا، لأن هذه تعليمات وكيل الوزارة، والوزير الذي يلغي الدعم عن سلعة ضرورية لأن رئيس الوزراء يطلب ذلك، وبرغم معرفته أن هذا سيسحق الفقراء ويشعل الشارع.. إلخ..

في سني الجامعة شاهدت فيلمًا فرنسيًا اسمه (إي في إيكاروس) – لا علاقة له بروايتي على فكرة! – وهو يتحدث بشكل مموّه عن اغتيال كنيدي وعن أوزوالد... إلخ.. كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها التجربة التي سنتحدث عنها في هذا المقال، وقد حُفر المشهد في ذهني طويلاً، إلى أن عرفت أنها تجربة علمية حقيقية وشهيرة.

التجربة اسمها تجربة ميلجرام.. أو تجربة (الخضوع للسلطة).

تم إجراء هذه التجربة في جامعة ييل الأمريكية عام 1961 على يد العالم النفسي الأمريكي ستانلي ميلجرام، واسمه سهل الحفظ طبعًا لأنه ميليجرام بعد حذف حرف ياء!. فكر الرجل في هذه التجربة بعد ما بدأت محاكمة مجرم النازية أيخمان، الذي قبض عليه الإسرائيليون ونقلوه للقدس وحاكموه وأعدموه. شاهد هذا الفيلم عن خطفه ومحاكمته.


في جامعة ييل، تم انتخاب مجموعة عشوائية من الرجال متبايني الثقافة والعلم، مقابل أجر طبعًا. وتم إخضاعهم لهذه التجربة التي يقاس فيها مدى طاعتهم للسلطات مهما كان الطلب قاسيًا أو منافيًا لقواعدهم الأخلاقية.


كانت الحجة الشهيرة الدائمة لكل نازي يقبضون عليه هي: "كنت أنفذ الأوامر". هل هذا ممكن؟ هل تنفيذ الأوامر يمكن أن يصل لدرجة تعذيب الأطفال او وضعهم في الفرن؟ هذا هو السؤال. ماذا لو حكمت حكومة قمعية أمريكا مثلاً ودعت الناس إلى ذبح السود، فهل ينساق المواطن الأمريكي المتدين العادي لهذا؟

تجربة ميلجرام تعتمد على ثلاثة أشخاص: مدير التجربة.. المتطوع.. ومن يمثل أنه متطوع (على طريقة الكاميرا الخفية). من يدير التجربة يمثل السلطة أو الحكومة.. وبالطبع تتم قرعة زائفة تجعل المتطوع هو المعلم.. وتجعل المتطوع الزائف هو التلميذ، وقبل بدء التجربة يزعم التلميذ للمعلم أن قلبه مريض. يعني هو يخبره أن التعذيب خطر عليه. هذا بالطبع قبل تقييده إلى ما يشبه الكرسي الكهربي.

المفترض أن هذه تجربة زائفة للتعلم.. سوف يتم تلقين التلميذ بعض الكلمات وعليه تسميعها. لو أخطأ يقوم المعلم بإعطائه صدمة كهربية. صدمة تبدأ مؤلمة ثم تتزايد في قوتها وعنفها. بالطبع لا توجد كهرباء في القصة كلها، لكن المتطوع الزائف يمثل دوره بإتقان، لدجة انه يبدأ في ركل الجدار الذي يفصله عن الأستاذ ويبدو في عذاب مقيم.

يبدأ المتطوع – أو المعلم – في التردد ويتوقف.. لكن المشرف على التجربة يطلب منه الاستمرار، ويؤكد أنه هو المسئول. الفولت يتزايد.. 50 (فولت) في كل مرة.. لكن المتطوع الذي يلعب دور المعلم يواصل إعطاء الصدمات التي لا يعرف أنها مزيفة. وفي كل مرة يؤكد المشرف أنه يتحمل المسئولية كاملة. يمكنك في هذا الكليب أن ترى التجربة.


فيما بعد كتب ميلجرام عن تجربته في كتاب صدر عام 1974 واسمه (طاعة السلطة).

برهنت التجربة على أن معظم المتطوعين (المعلمين) تمادوا في التجربة حتى بلغوا نحو 500 فولت. حتى ولو كانوا متوترين قلقين، وبعضهم دخل حالة ضحك هستيري، وبعضهم طلب الانسحاب من التجربة وإعادة ما حصل عليه من مال. هكذا تبين أن معظم الناس مستعدون لأن يعذبوا ويؤلموا إخوانهم في البشرية لمجرد أنهم تلقوا الأمر بذلك من سلطة أعلى. حتى الذين غضبوا ونفروا من التجربة لم يطلبوا وقفها أو يغادروا المختبر. الفكرة هي قابلية الناس المذهلة للخضوع. عندما تمت إعادة هذه التجربة مؤخرًا مع شريدان وكينج، افترضا أن معظم المتطوعين (المعلمين) خمنوا زيف آلام التلميذ، لذا وضعوا بدلاً من التلميذ هذه المرة كلبًا لطيفًا صغيرًا يتلقى صدمات كهربية خفيفة لكنها مؤلمة وحقيقية، وقد أدهشهم أنهم حصلوا على نفس النتائج.


تكمن خطورة هذه التجربة في أنها تبرئ نازيين كثيرين من الفظائع التي ارتكبوها. فدائمًا هناك مقولة أنهم خضعوا لسلطة أعلى. معنى هذا أن أيخمان بالفعل كان مجرد جندي ينفذ أوامر سلطة لا يجسر على تحديها، ولهذا اكتسبت التجربة عددًا هائلاً من الأعداء اليهود. قال آخرون إن التطابق بين الحالتين – حالة التجربة وحالة الهولوكوست – غير صحيح.

المتطوعون في حالة ميلجرام قيل لهم إنه لن يحدث أي أذى حقيقي لمن يتلقون الصدمات، بينما كان النازيون يعرفون يقينًا أنهم يؤذون أويقتلون ضحاياهم، كما أن عنصر الكراهية العرقية غير متوافر في تجربة ميلجرام. هذا الفيلم يناقش هذه النقطة.

يمكن رؤية تطبيقات كثيرة لهذه التجربة في حياتنا، كما يمكنك بسهولة أن تتذكر التعذيب الذي يلقاه المعتقلون في السجون. الجلاد ليس دائمًا رجلاً ساديًا يتلذذ بالتعذيب، لكنه مضطر للرضوخ لسلطة أعلى يعتبرها أكثر حكمة وأوسع نظرة. تذكر موقف الجلاد طيب القلب في (احنا بتوع الأوتوبيس)، ومجند الأمن المركزي الذي يؤمن بالحكومة إيمانًا مطلقًا في فيلم (البريء). وفي لحظة يقرر الواحد من هؤلاء أنه لن يستمر في التجربة، من ثم تحدث مجزرة كما في نهاية الفيلمين.

فكرة (الأخ الأكبر يعرف أكثر) كامنة فينا مهما كانت ثقافتنا أو نموذجنا الأخلاقي، ويحتاج الأمر لدرجة غير عادية من الاستقلالية والقدرة على النقد الذاتي والذكاء ليدرك المرء فداحة ما يُطلب منه أحيانًا.