قصاصات قابلة للحرق

Tuesday, June 21, 2016

تَنصُّت - 2



spc

رسوم الفنان «طارق عزام»

يعزف مصطفى على الكمان أغنية (ما خطرتش على بالك يوم) لأم كلثوم، فيقسم عماد أن الأوتار تنطق الحروف. ثمة روح حبيسة تحاول التحرر في هذا الصندوق. هل روح أم كلثوم نفسها في الغرفة؟.

يعد مصطفى بعض المكرونة مع الصلصة واللحم المفروم، ثم يفرغ الطنجرة في طبقين يقدم واحدًا لعماد ويتناول واحدًا. يأكلان في صمت ثم يشعل عماد لفافة تبغ ويسأل صاحبه العبقري:
ـ«هل تريد أن أجد لك سيارة ممتازة بثمن رخيص؟».

يضرب مصطفى على جبهته ويضحك في تعب:
ـ«أنت تمزح .. أنا لا أغادر هذا المكان إلا لأنام ساعات في بيتي .. وغالبًا ما أنام هنا حتى لا أفوّت فرصة التقاط هذه الإشارات .. أنا آخر إنسان على ظهر الأرض يحتاج إلى سيارة».

يراقب عماد الأجهزة المتناثرة التي لا تكف عن إصدار صوت (بيب) .. هدير القرص الصلب .. هدير مروحة. هذا مكان يغري بالجنون … الوحدة مع هذه الأصوات هي الطريق المضمون للخبال.

فجأة دوّى صوت مختلف نوعًا، وراح المصباح الأحمر جوار شاشة الكمبيوتر يتوهج..

وثب مصطفى إلى المقعد وهتف:
ـ«قادمة!».

ثم وضع السماعات على رأسه وجلس على مقعده المتحرك أمام شاشة الكمبيوتر. ضغط على زر فبدأت لفافة ورق تخرج من الطابعة ..

لحظات من التوتر .. ثم هدأ كل شيء.. بعد صمت طال مزق طرف الورقة ليفصلها، وراح يرسم عليها بالدوائر ..

سأله عماد في سماجة:
ـ«هل تم الاتصال؟ .. متى تهبط أطباقهم الطائرة؟».

لم يرد لأنه كان عاكفًا على ترجمة بعض الرموز، ثم قال:
ـ«الصورة تتضح ببطء … إنهم يرسلون إحداثيات صورة تتكون على طريقة الكلمات المتقاطعة .. أو طريقة الرسم بالأرقام، وهم يضيفون لها شيئًا في كل اتصال».

نهض عماد إلى المطبخ ليضع الأطباق.. صديقه يعيش حياة بوهيمية فعلاً، لدرجة أنه يشعر بتأنيب ضمير لو تركه دون غسل أطباق. بسرعة يسخن الماء ويغمس الليفة الخشنة في الصابون، ثم يغسل الأطباق والملاعق بلا براعة…

يشعل لفافة تبغ أخرى ويدخل الحمام ليفرغ مثانته واللفافة تتدلى من فمه. هذا البيت المستأجر كمختبر قديم، لكن الحمام قد تم تجهيزه بشكل أنيق.. (تشطيب سوبر لوكس) كما يقولون. 

عاد للغرفة حيث كان مصطفى يتأمل شاشة الكمبيوتر .. 

ـ«ماذا ترى؟».

كانت صورة مشوهة أقرب لصور الكمبيوتر القديمة المكونة من أرقام 1 و 0 .. أو اللوحات المرسومة بالآلة الكاتبة عندما كانت هناك آلات كاتبة .. لابد أن تبتعد عن الصورة لتراها.. 

رمش عماد بعينه وابتعد أكثر … ونظر للشاشة .. 

ـ«لا شيء..».

قال مصطفى في إغراء:
ـ«هذه التعاريج .. ألا توحي لك بخارطة؟..».

في إصرار قال عماد:
ـ«نعم .. لا توحي».

ـ«هذه خارطة .. أنا متأكد من هذا لكنها لم تكتمل بعد..».

ـ«ولماذا تهتم كائنات فضائية بالجغرافيا لهذا الحد؟».

حك مصطفى رأسه مفكرًا ونزع عويناته ليهرس عينيه المرهقتين، ثم قال:
ـ«الاحتمال الأول هو أنهم يخبرونني بمكان اللقاء .. هناك لقاء حميم من النوع الثالث سيتم في هذه البقعة .. الاحتمال الثاني هو أنهم يخبرونني بمكان سفينة مدفونة خاصة بهم. على طريقة المنطقة 51 ومخلوق روزويل».

كان عماد قد قرأ شيئًا عن هذه الأمور، وكان يعرف يقينًا أن مخلوق روزويل دعابة سخيفة شربها العالم، وأن المنطقة 51 بلا أسرار غالبًا، وقيمتها الوحيدة هي جلب المال لمن يؤلفون الكتب التي تتحدث عنها .. لكنه انتظر حتى ينهي مصطفى كلامه. أردف مصطفى:
ـ«عندما أستكمل هذه الخارطة سوف تتضح أمور كثيرة»

لم يبدُ هذا السيناريو معقولاً أو محببًا لعماد. كان تفكيره عمليًا نفعيًا جدًا وقد أحزنه أن يضيع صاحبه وقته في الأوهام. لكنه ظل يتردد على المختبر من وقت لآخر .. ربما لأنه يحب مصطفى وربما لأنه يحب عزف الكمان .. وربما لأن الجو الغامض يروق له.

بدأت بعض الظواهر تثير قلقه ..

مثلاً الظاهرة الغريبة التي تجعل جهاز الهاتف المحمول يتوقف أو يرسم أشكالًا غريبة على الشاشة، كلما جاء للمختبر .. خطر له أن السبب هو التداخلات الفيزيائية من كل هذه الموجات، فلو طارت طائرة فوق هذا المختبر لسقطت، لكن مصطفى قال في ثقة إنه لا يجد سببًا لما يحدث. نحن نتحدث عن موجات مختلفة تمامًا .. 

ـ«يجب أن تصلح هاتفك ..».

لكن (عماد) كان موقنًا أن الأمور ليست على ما يرام في هذا المختبر. ذات مرة قام بغلي الماء لعمل شاي. غادر المطبخ وتكلم ومزح وتجادل .. إلخ، ثم تذكر أن الشاي ما زال على الموقد بعد ربع ساعة .. جرى لينقذ الموقف ويوقف الحريق لكنه اكتشف أن الماء ما زال باردًا .. هذه النار برد وسلام بالمعنى الحرفي. 

انقطع عن زيارة صديقه أسبوعًا .. كان قد تورط في حادث سيارة وكان مشغولاً جدًا .. ثم زار صاحبه هذه المرة في شقته الصغيرة. يبدو أنه لم يذهب للمختبر منذ فترة. كانت هذه هي المرة التي أعطاه فيها مصطفى نسخة من مفتاح الشقة لأنه يعيش وحده.. من الحكمة – قال – أن يكون لدى المرء الوحيد من يقدر على دخول بيته .. زوجة .. أخ .. صديق .. لمسة ميلودرامية زائدة كما ترى.

بدا له مصطفى أمْيل للقلق، ولم يستطع فهم سبب هذا التوتر. مصطفى ليس من الطراز الذي يقلق بسبب الضرائب أو ارتفاع سعر البامية، ولا أسرة له. يبدو أنه يعتمد على مدخرات معقولة تحميه من الفاقة.. ليست عليه مسئوليات سوى أن يتأمل ويشرد .. هذه ليست مهمة مرهقة لهذا الحد كما ترى.

قال له مصطفى في تلك المرة:
ـ«أعتقد أنني عائد إلى الولايات .. لقد انتهى عملي هنا ..».

بدا هذا غريبًا لعماد. تأمل وجه صاحبه .. يمكنك بسهولة أن ترى العينين المرهقتين وراء العوينات، وترى الرجفة في ركن الفم، وترى الأنامل تؤدي رجفة (حبات المسبحة) إياها .. هذا شخص دان من انهيار عصبي ومذعور جدًا .. لكن ما السبب؟.

ـ«مصطفى .. هل تتعاطى عقارًا ما؟».

نظر له مصطفى في عدم فهم .. واضح أنه لم يفهم السؤال. إنه متوتر لدرجة أن الكلام المنطوق فقد تأثيره .. عاد يسأله:
ـ«ألن تعود إلى المختبر؟».

نظر له مصطفى طويلاً ثم قال:
ـ«الحقيقة أنني غيرت وجهة نظري .. كانت نظرياتي خاطئة».

ـ«هلا شرحت لي؟».

فكر مصطفى قليلاً .. ثم قال:
ـ«لقد استكملت جزءًا من الصورة .. البيانات الرقمية لا تشير لخارطة على الإطلاق. هذه الكيانات لا ترسل لي إحداثيات».

ـ«تريد القول إن هذا يتفق مع رأيي … ضوضاء كونية يحسبها العلماء مهمة. غالبًا هو صوت مدفع الليزر الصيني الذي يلعب به أطفال الجيران».

ـ«ليس بالضبط .. هذه إشارات من كائنات عاقلة فعلاً».

وأشار إلى ملف سميك على المنضدة، وقال:
ـ«كل ملاحظاتي هنا .. وهي ملاحظات أكثر نضجًا مما ظننت. الاتصال أعقد من إحداثيات صورة كما تخيلت أولاً..».

ثم أمسك بالكمان .. لديه كمان في شقته وكمان صغير في المختبر، وبدأ يعزف .. عندما يبدأ العزف فإنه ينسى كل شيء وتصير مقاطعته مستحيلة ..

يذكر عماد هذه الجلسة جيدًا لأنها – كما تعرف – كانت المرة الأخيرة التي يرى فيها مصطفى حيًا. لقد كانت جلسة طويلة مرهقة للأعصاب، لكنها كانت الأخيرة.

يُتبع