قصاصات قابلة للحرق

Wednesday, July 20, 2016

الندبة التركية



spc


برغم سحق الانقلاب في تركيا، فإنني أرى أنه نجح في إيذائها فعلاً. لقد ترك ندبة ستبقى طويلاً.

مثل الجميع فوجئت بأنباء محاولة الانقلاب في تركيا بعد يوم واحد من مذبحة نيس، حتى قلت لصاحبي إنني صرت أتوقع مصيبة جديدة مساء كل يوم. المذيعة الشقراء تتكلم في رعب أمام الكاميرا، وتلقي البيان الأول للانقلاب. هذا الموقف الحرج الشهير الذي يمر به المذيعون في مواقف مماثلة.. لا مجال للخطأ .. من السهل لو فشل الانقلاب أن يتهموها بأنها من عناصره، اما لو نجحت المحاولة وصارت ثورة 15 يوليو المباركة، فلربما صارت وزيرة للإعلام لو كان هناك منصب كهذا في تركيا. بدا لي الأمر مفروغًا منه، خاصة أن معظم انقلابات تركيا ناجحة، ومواجهة الدبابات والطائرات المقاتلة أمر شبه مستحيل.  كما أن دول الغرب – أمريكا بخاصة – بدت شبه راضية، أو على الأقل فضلت الانتظار لمعرفة الطرف الفائز لتهنئه وتطالبه بضبط النفس كالعادة. ربما يشعر أوباما بقلق أو لا يشعر .. تلك مشكلته.

كلنا رأينا الحفل الشامت الذي أقامته وسائل الإعلام المصرية،  مع تسمية ما حدث بأنه ثورة حتى قبل أن تتضح التفاصيل. وبالطبع كانت خيبة أملهم رهيبة عندما فشل الانقلاب. تعجلوا النتائج لدرجة ان أنباء سقوط أردوغان تصدرت عدة صحف في اليوم التالي، وكتبت بعض الصحف عن طلب أردوغان اللجوء إلى ألمانيا، مما ذكرني بالصحفي البريطاني الذي استبق الأحداث وراح يصف دخول الحلفاء لباريس وتحريرها واحتفلات السكان .. في الوقت الذي قرر فيه الجنرال عمر برادلي الالتفاف حول باريس لتوفير الوقود. هكذا كان الفرنسيون المغتاظون يسمعون في المذياع أخبار تحرير مدينتهم، بينما النازيون يمشون في كل مكان من المدينة. على كل حال قد اعتدنا هذه الطريقة من آلة ضخ الأكاذيب المسماة بالإعلام. هؤلاء القوم لا يخجلون أبدًا .. عدم الخجل جزء من عملهم. قال لنا أستاذ في المدرسة الثانوية إن الراقصة في كباريه تكسب الألوف .. فما موهبتها؟ موهبتها الوحيدة هي أنها لا تخجل، أو على حد تعبيره: (بتقلع قدام الرجالة). هؤلاء يفعلون شيئا مماثلاً، وقد استحقوا كل مليم من ملايينهم.

لم أتصور قوة خروج الجماهير وإرادتها إلا في ساعة متأخرة من الليل عندما عرفت أن الانقلاب قد هُزم.  وقف الأتراك امام الدبابات وناموا أمامها ليمنعوها من التقدم، ولاحظنا انهم لم يكونوا يلوحون بصورة أردوغان بل بعلم تركيا .. لم يطالبوا بعودة الرجل بل طالبوا بحماية تجربة الديمقراطية وأهم ما فيها: القدرة على انتخاب رئيس أفضل..  المكسب الوحيد والأهم لأي ثورة، تمنيت مرارًا بعد ثورة يناير أن يتم التركيز على دوران العجلة الديمقراطية أولاً بدلاً من تصفيات الخلافات الشخصية، لكن الفرصة ضاعت في اعتصامات ومليونيات وخلافات أيديولوجية، حتى أنهكت الثورة قواها وكره المواطن العادي كلمة (ثورة). هذا موضوع آخر على كل حال.

لماذا تنجح الجماهير أحيانًا وتفشل أحيانًا؟ لماذا نجحتْ مع ثورة إيران وثورة رومانيا قبل القضاء عليها، ولماذا نجحتْ مع انقلاب تركيا؟.  ولماذا فشلت الجماهير في الميدان السماوي في الصين حيث سحقتها الدبابات؟ ولماذا فشلت مع بشار الأسد؟

تفسيري الوحيد لهذا هو أن هناك كتلة حرجة للجماهير، بعدها لا يجد الجيش مناصًا من الانضمام للناس. حدث هذا في انقلاب تركيا وثورة إيران، حينما كان الخميني يقول للناس: "الجيش أخوتكم فافتحوا صدوركم لهم .. سوف يطلقون عليكم الرصاص لكنهم لن يستطيعوا عمل ذلك للأبد". وهو ما كان فعلاً.  على الأرجح لم تصل ثورة الميدان السماوي لهذه النقطة الحرجة. في مصر في ثورة يناير 2011 كانت رغبة الجماهير في إزاحة  مبارك تتفق تمامًا مع رغبة رجال المجلس العسكري، لهذا لم تحدث مواجهة. لكن ماذا لو تعارضت المصالح؟

التقت الجماهير التركية حول الديمقراطية، والأهم كان موقف أحزاب المعارضة التي أعلنت دعمها للدولة المدنية والصندوق، ولم يدفعها الاختلاف الأيديولوجي أو المصالح القريبة الضيقة إلى تأييد الانقلاب. هذه أحزاب تعرف أن فرصتها للوصول للحكم متاحة وتتوقف على تواجدها في الشارع وبرامجها. لقد اتحدت كل الأطراف إسلامية كانت أو علمانية أو كردية .. كلها اتفقت على أن هذه معركة الحرية الأخيرة ويجب أن تربحها.

عامل آخر مهم ولا يمكن أن نغفله، هو موقف الجنرال خلوصي آكار – اسمه يوحي بالإخلاص فعلاً – الذي عرف بالانقلاب القادم وأبلغ قائد الجيش لينقل أردوغان من أنقرة إلى اسطنبول، حيث وجه رسالته الشهيرة للجماهير. هذا جنرال ساند الديمقراطية.

هناك في مصر من هلل فرحًا لدى حدوث الانقلاب كما قلنا، ثم عرفوا أنه اندحر. صمتوا للحظات ثم بدأ خط الدفاع الثاني المعتاد: هذه تمثيلية دبرها أردوغان ليتخلص من معارضيه. سأقضي وقتًا طويلاً حتى أقابل جريمة قتل أو انقلاب لم يدبره المقتول أو الرئيس الذي تم الانقلاب ضده.. نظرية المؤامرة إجبارية مع أن أبسط التفسيرات هو أصحها كما هي العادة، وكما تقضي قاعدة (موسى أوكام).  هذا انقلاب فعلاً وقد فشل، لكن أردوغان صار أكثر عنفًا ورغبة في الانتقام بعد نجاته.. على الجهة الأخرى ترى من يتشفى ويطالب أردوغان بالتعامل بوحشية وخارج القانون مع مدبري الانقلاب. استعداد غير محدود للتعصب وإيذاء الآخر حتى لو لم يثبت ضده شيء.

لا أعتقد أن الانقلاب لم يؤذ تركيا.. لقد فشل في إزاحة أردوغان وهذا صحيح، وبرهن على انتصار إرادة الجماهير، لكن من الواضح تمامًا أنه جعل البلاد أكثر دكتاتورية ومكارثية، وهذا يهدد تجربتها الديمقراطية الناجحة بشدة، وكما يقول الأستاذ فهمي هويدي، فإنه لا يتمنى أن يتصرف أردوغان كأسد جريح. أمس رأيت رئيس البرلمان التركي يقف في البرلمان ساخرًا من الولايات المتحدة التي تطلب أدلة على تورط فتح الله جولن في المحاولة قبل تسليمه. وقال إن الولايات المتحدة لم تطلب دليلاً قبل غزو أفغانستان بعد هجمات سبتمبر. في كل يوم نسمع عن فصل قضاة وطرد موظفين واعتقالات، ومنع الأكاديميين من السفر للخارج، وعزل رؤساء جامعات. لابد من التطهير .. هذا صحيح. لكن لا ينبغي أن يتم تجاوز القانون. لقد بدأت تركيا طريق الانتقام الدموي ولا أعرف متى تتوقف أو ترتوي الجماهير الغاضبة – ويرتوي أردوغان – من الدم وتتجشأ وتقنع. بالتأكيد صار أردوغان أقوى بعد الانقلاب، لكننا نخشى أنه صار أكثر بطشًا، وأنه مثل هاملت يوجه الطعنات إلى ما وراء ستار، فيصيب عدوًا أو صديقًا لا يهم.