قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Loading...

Wednesday, August 10, 2016

امرأتان



spc

pixabay.com

عندما دارت عينا هدى الزجاجيتان لتنظرا لي شعرت بأن ساقيّ ترتجفان، وأنني سأفقد وعيي بسهولة.

في العام 1986 كنت طبيب امتياز مذعورًا مرتبكًا يمارس عمله في مستشفى طنطا الجامعي، وكانت هناك مقولة إنجليزية قاسية يطلقها علينا الأطباء المقيمون متندرين: "طبيب الامتياز ظل أبيض يمشي في الظلام حاملاً أكياس الدم.. عديم النفع.. عديم الهدف.. عديم الاعتناء بشيء". باقي الجملة غير قابل للذكر هنا، لكنه يدل على على أن هم طبيب الامتياز الوحيد هو ملاحقة الممرضات، وكنا نتقبل هذه المقولة بالكثير من التواضع والروح الرياضية.

كان العمل في عنبر الحوادث أو عنبر الحروق همًا مقيمًا.. هو نوع من الكأس الدوارة التي لابد أن يجرعها أحدنا بالترتيب، خاصة والأطباء المقيمون لا وقت لديهم لهذا. الرائحة قاتلة والمشاهد شنيعة بعضها لن تصدقه ما لم تره.. الطبيب الذي ضمّد قدمًا مصابة بالغنغرينا أو حرقًا متعفنًا من الدرجة الثالثة لا ينسى هذه الخبرة اللعينة أبدًا. لسوف يصير التهام الطعام عملية عسيرة لمدة أسبوع. لكن – كالعادة – الأمر لا يخضع للمزاج، وهناك من يجب أن يقوم بهذا العمل.

عرفتُ الممرضة صفية في عنبر الحروق. خبراتي الشخصية مع الممرضات تقول إنهن لسن بالسوء الذي يعتقده بعض الناس طبقًا لأسلوب القولبة أو(الأركتايب) الشهير.. كثيرات منهن بنات أسر حقيقيات برغم الفقر، ومنهن من يخدمن المرضى بإخلاص حقيقي، ومنهن طبعًا المهملة أو الشريرة أو المنحلة، فلا توجد مهنة من الملائكة.

كانت صفية – وهو اسم مستعار طبعًا – متوسطة الجمال، أقرب إلى الشراسة والفظاظة. لم تكن تضحك أبدًا، وكنت أعرف أنها نُقلت لعنبر الحروق كإجراء عقابي. على الأرجح شتمتْ طبيبًا أو ضربت قريب مريض. يمكنك أن تصدق هذا بسهولة عندما ترى وجهها الكالح (القرفان) دائمًا، مع تعبير ثابت يقول: "أنا مش خدامة أبوك". 

كنت نوبتجيًا في تلك الليلة، أجلس على دكة في الردهة وأشرب الشاي في بداية الأمسية، عندما ظهرت صفية لتقول لي بعينين تكرهانني بجنون:
ـ"حان موعد الغيار لهدى"

كنت قد سمعت عن هدى، فقد احتلت قصتها الصحف. العروس الشابة الجميلة التي أجهضت وأجريت لها جراحة كحت وتفريغ في مستشفى شهير اعتادوا أن يعتبروه (عروس وزارة الصحة). حدث تلوث دموي رهيب وصدمة عفونة بسبب سوء التعقيم. ثم جلبوها إلى مستشفى طنطا الجامعي في حالة حرجة. كالعادة كان مستشفى طنطا الجامعي هو البالوعة التي يتخلصون فيها من كل أخطاء المستشفيات الأخرى، أو عندما يصيح طبيب الريف: "ما ليش في الحالة دي خلاص".

إذن وقع عليّ الحظ لأقوم بالغيار على جروح هدى التي لم أرها قط. لابد من طبيب يقوم بهذا، برغم أن صفية يمكن أن تؤدي نفس العمل بكفاءة.

فوجئت بصفية تحضر أدوات الغيار المعقمة، ثم تقدم لي القفاز البلاستيكي وتنذرني بخشونة:
ـ"لا تبدِ أي تعبير على وجهك!"

متوجسًا مشيت وراءها، حيث ذلك العنبر الخالي.. ثمة فراش محاط بالملاءات المعلقة، كأنه خدر ست الحسن في قصص ألف ليلة وليلة، أو هو (بودوار) مدام دي بومبادور وأنا لويس الخامس عشر. بحركات روتينية مارستْها مرارًا تخرج صفية بعض أعواد البخور، وتثبتها في عدة أماكن من الغرفة وتشعلها. قلبي يرتجف من التوتر.. كأنها تعد المحراب لصلاة وثنية..

ثم تزيح الستار وهي تزغر لي محذرة..

المنظر الذي رأيته احتاج لعشرة أعوام حتى يفارق مخيلتي. لا يمكن أن أصفه لك بدقة، لكن لنقل إن هدى لم يبق منها سوى رأس وعنق.. رأس وعنق جميلين حقًا..  لقد ذاب لحمها من فرط العفن، فصارت عظامها مكشوفة كلها ويمكنك بسهولة أن ترى الكليتين والمعدة وأجزاء من الرئة. ومن الجسد خرجت عشرات ودخلت عشرات الخراطيم.. أما عن الرائحة فلا تسـألني..

كيف تظل هذه حية؟ لابد أن هناك خطأ ما. ارتجفت للحظة فسمعت صفية تطقطق بلسانها محذرة، وتهمس في غل من بين أسنانها:
ـ"هي تراك وتسمعك يا دكتور لكنها لا تتكلم!"

ثم قالت لهدى:
ـ"لا تخافي يا حبيبتي .. جئت بأستاذ كبير ليغير على جرحك"

هنا فوجئت بعيني هدى الزجاجيتين الجميلتين تستديران لي.. نظرة ذعر ودمعة تجمدت في العينين. كدت أفقد وعيي. رائحة البخور هذه.. هل هي كريهة أم لأنها امتزجت برائحة العفن؟.. وبدأت مهمتي الشاقة الكئيبة في تضميد هذا الجسد المهلهل، وأنا أتحاشى عينيها.. صفية تناولني قطع الشاش بالماسك وهي تكلم هدى في مرح عن كل شيء.. عن سائق التاكسي اللص وعن انقطاع الكهرباء في (الكفرة) كلها أمس.. إلخ. رباه!.. كانت لحظات قاسية.. لحظات؟.. عملية الغيار احتاجت إلى 45 دقيقة..

عندما خرجت من الغرفة أترنح، كان كل ما أريده في العالم هو لفافة تبغ وهواء طلق. فوجئت بصفية تضع يدها على كتفي في تبسط وبلا مراعاة للتدرج الوظيفي، لتقول لي:
ـ"جدع يا دكتور!.. كل ما أقول لحد يغيّر لها يهرب مني"

في الأيام التالية اكتشفت أن صفية تمضي معظم لياليها جوار هدى.. تحكي لها عن كل شيء.. عن الخطيب الذي رفضته لأنها لا تحب الرجال ذوي الشارب، وعن أبيها الذي يضربها وكاد يطلق أمها، وعن آخر أغنية لعمرو دياب – كان اكتشافًا جديدًا نسبيًا وقتها – ثم تحضر كتابًا لتقرأ لها. كانت كتبًا تحكي قصصًا عاطفية ركيكة لكنها تعجب صفية جدًا... ترى هل كانت تعجب هدى؟

لقد كانت صداقة حميمة بين امرأتين.. واحدة أشلاء وواحدة سليمة..

يجب أن أقول إن معظم الممرضات كن يعاملن هدى بنفس الشكل، وكن يخفن عليها فعلاً.

لم تكن هذه هي المرة الوحيدة التي قمت فيها بالغيار لهدى، بل كانت هناك مرة أخرى لا تقل رعبًا. وقد أدركت أنها تتدهور بسرعة مرعبة. حتى لو نجت من التسمم البكتيري فكيف يصلحون كل هذا وكيف يستعيدون كل تلك الأنسجة التي ذابت؟. لكن البائسة ظفرت بشيء حقيقي واحد في العالم: ظفرت بصديقة مخلصة تحبها فعلاً كأنها أمها.. متعة دافئة أخيرة.

في ليلة دخلت إلى عنبر الحروق، فوجدت صفية جالسة على دكة في ركن المكان..

أدركت أنها تبكي في صمت، وعرفت على الفور ما حدث.. أخرجتْ منديلاً لتمسح به خيط المخاط الطويل الذي تدلى من أنفها، وقالت:
ـ"هدى ماتت العصر.."

قالتها في قرف واتهام كأنني القاتل، أو على طريقة (ليتك أنت من مات اليوم)..

قلت لها شيئًا ما عن إرادة الله وعن كون الفقيدة استراحت أخيرًا، فلم تتكلم. بعد قليل رأيتها قد استعادت ملامح وجهها الكالح الصارم، وفي صمت حملت زجاجات محلول الملح والمضاد الحيوي، واتجهت نحو فراش مريض آخر في عنبر الحروق، وفي صبر راحت تفتش عن وريد لم يحترق لتثبت فيه القناة الوريدية.

لقد بدأت نوبتجية ليل أخرى.