قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Wednesday, August 24, 2016

القليل من الملح



spc

https://www.flickr.com/photos/11939863@N08/3793288383/

ليس الأمر متعلقًا بقنوات الطبخ التي تكاثرت على الفضائيات كالسرطان. بل يتعلق بمبدأ من مبادئ الحياة تعلمته من أمي يرحمها الله: "لا تفسد الطبخة من أجل القليل من الملح". تعلمت هذا المبدأ لكني لا أطبقه غالبًا لأن الأمر يكون أحيانًا أقوى مني.

ذات مرة ابتاع صديقي هدية ثمينة لخطيبته في عيد ميلادها، وقد دفع مبلغًا محترمًا من المال ليبدو لطيفًا، لكنه عندما ذهب لحفلها كان متأخرًا وغير رائق المزاج، فلم يطق الذهاب للمكتبة لشراء بطاقة صغيرة مع الهدية. لم يتصور أن يكون عليه دخول المكتبة والبحث بين البطاقات، ثم اختيار بطاقة مناسبة، من ثم يطلب قلمًا من البائع، الذي يجرب عدة أقلام كلها لا تكتب إلى أن يجد واحدًا يناوله له،  ويكتب بخط جميل (كل عام وأنت بخير..) أو كلمة مبتكرة أخرى لا يعرف ما هي.. ربما هو كلام فارغ مثل: "يوم مولدك هو يوم مولد الفجر في سماء وجودي المظلمة" أو "في يوم مولدك كتب لي أن أكون سعيدًا.. إلخ".  دعك من أن عبارة (خط جميل) هي من المستحيلات كالعنقاء بالنسبة له. بعد هذا يجب أن يجد البائع طريقة للف الهدية برشاقة، ويثبت البطاقة، وهذا سوف يستغرق أربعة أعوام... مستحيل..

ذهب لدارها وقدم الهدية غير المغلفة فأخذتها في فتور، ثم قالت لائمة:
ـ"لو كنت قد كتبت لي كلمة صغيرة تذكرني بك.."

هكذا انتهى الموقف، وقد حكاه لي صديقي فيما بعد.. كأنه دفع كل هذا المال كي يلتوي وجهها في قرف.  فقلت الكلمة المشهورة:
ـ"لا تفسد الطبخة من أجل القليل من الملح"

لم أدرك خطورة هذه القاعدة إلا مؤخرًا، وتذكرت أنني كنت أجيب عن أسئلة الامتحانات بشكل جيد جدًا على الأرجح، لكن خطي الرديء وعدم تسطيري للورقة كانا يجعلان انطباع الممتحن غاية في السوء. أتأنق بشدة لمناسبة ما لكن أحدًا لا يلاحظ أناقتي بل تتركز العيون كلها على ربطة عنقي القبيحة بما عليها من بقع نسيت إزالتها. هنا يمكن القول إن القليل من الملح هو شراء ربطة عنق أنيقة جديدة.

أقسى درس تلقيته هو عندما صحبت ابني عندما كان في السابعة للسيرك في مدينة أخرى. تكلف السفر كثيرًا ودفعت الكثير في المواصلات الداخلية، وكان السيرك أجنبيًا لذا كانت تذكرته ذات سعر فلكي.. كنت مرهقًا لأنني لم أنم منذ يومين بسبب ظروف العمل ثم سافرت مباشرة بلا راحة، بينما الوغد الصغير نام ليلة هانئة بانتظار مشاهدة الأسد. بعد رؤية الأسد سوف ينام من جديد إلى أن يعود به ذلك الأحمق – أنا – لينام في حضن أمه.

أثناء عرض السيرك طلب مني شراء ألف شيء.. لم يترك بائعًا يمر دون أن يطلب مني أن أبتاع شيئًا منه، وشرب جالونات من المياه الغازية..

قلت لنفسي إنني قمت بالرحلة كلها من أجل إسعاده. لا يهم .. لا داعي للحسابات اليوم. رأى الأسد فطلب أن ألتقط له صورة معه أثناء الاستراحة. ذهبت لمدرب الأسود حيث كان الأسد نائمًا على الأرض يراقبنا في ملل، وقد قيدوا قدمه بسلسلة لا أكثر. التقطنا الصورة فإذا بالمدرب يطالبني بخمسين جنيهًا ثمنًا لها!.. إن خمسين جنيهًا عند مثلي هي مهر عروس .. ولو قيل لي إن هذا ثمن شراء الأسد نفسه لأعود به إلى طنطا ليحرس البيت لاستكثرته. انفعلت واستشطت غضبًا وانقضضت على المدرب تقريبًا لأشرح أن هذه سرقة،  فرأيته يبعدني بذراعه محذرًا:
ـ"قل ما تريد لكن ابتعد عن الأسد!"
ـ"أليس أسدًا وديعًا مدربًا؟"
قال في غيظ:
ـ"أنت تقريبًا تدوس على قدمه، وتقف بين فكيه ثم تقول إنه وديع؟!"

دفعت ثمن الصورة وأنا أغلي غيظًا، وعندما حصلت عليها كانت رديئة جدًا وتحميضها سيئًا. هكذا جلست أنفخ في ضيق ... صممت ألا يخدعني أحد بعد هذه اللحظة.

جاء المخادع التالي في صورة فتى نصاب يحمل أوراقًا من كراس مدرسة رخيص .. كل ورقة ثبتها إلى قطعة خشب قذرة منزوعة من قفص فاكهة، ثم دهنها بلون أسود وأحمر باهت ليبدو الأمر كأن هذا هو العلم..!
ـ"اشتر علم مصر بعشرة جنيهات فقط !"

هذا الشيء القبيح إهانة لعلم مصر بكل تأكيد، ولم يكلفه سوى ربع جنيه. لن أشتريه ولو كان ثمن هذا حياتي .. لكن ابني اكتشف أن هذا أروع عمل فني في العالم وراح يرجوني أن أشتريه .. مستحيل .. أريده .. لن أفعل ..  هذه مسألة كرامة...

هكذا انقلب وجهه وتعكر مزاجه .. وعندما عدنا للبيت ظل صامتًا تعسًا، حتى أن أمه حسبت أن السيرك مغلق أو أن حادثًا وقع لسيارتنا. لقد أنفقت أضعاف أضعاف ثمن هذا العلم المزيف لأرضيه، لكن الخداع في هذه المرة كان أكبر من قدرتي على ابتلاعه.   عندما نام أخيرًا تعسًا مهمومًا – وربما دامعًا – حكيت لزوجتي القصة فقالت:
ـ"يا أخي بعد كل هذا الجهد والإنفاق ..  لا تفسد الطبخة من أجل القليل من الملح"

قال الساخر الجميل بلال فضل ما معناه أن عندنا مشكلة في الفينيش أو (التقفيل) دائمًا. وهذا ينطبق على كل شيء بدءًا من سلعة نجرب تصديرها إلى محاولة هدّاف أن يصل للمرمى في مباراة دولية. كانت ثورة يناير طبخة رائعة يمكن أن تغير تاريخ هذا البلد التعس، لكنها كانت تحتاج إلى الكثير من الملح للأسف، بدءًا بانتخاب قيادة تتكلم بصوت الثوار، وعدم مغادرة الميدان قبل أن تتضح الأمور. لم نحسن (التقفيل) فضاعت تلك التضحيات هباء. هذه دروس يتعلمها المرء متأخرًا جدًا.

الملح .. هذا صحيح .. الملح الذي يطاردني ويطاردك ويطاردنا في كل مكان. يمكنك أن تفكر في عشرات الأمثلة في حياتك وحياة هذا البلد. لكن مشاكلنا صارت أعقد بكثير من أن تضع في جيبك ملاحة طيلة الوقت.