قصاصات قابلة للحرق

Tuesday, September 20, 2016

هشام يخفي سرًا - 6 - الأخيرة



spc

رسم الفنان «طارق عزام»

في غرفتي رحت أفرغ الفيلم .. الفيلم الذي سجلته كاميرا الحمام. على شاشة اللاب توب رحت أراقب الصورة المأخوذة من مكان مرتفع قليلًا حيث داريت الكاميرا وراء ستار الحمام. لم أسمع عن امرأة تتلصص على رجل يخلع ثيابه من قبل، لكني لم أسمع كذلك عن رجل حريص على ألا ترى زوجته جسده أبدًا. حتى وهو نائم يتدثر جيدًا بالملاءة، فلا أستطيع معرفة ما هنالك.

كان ينزع قميصه .. ثم فانلته الداخلية .. هنا فهمت جزءًا من السر .. إنه يلف رباطًا من الشاش العريض حول أسفل صدره ويلتف حتى يغطي البطن كله. لكنه لن يستحم بهذا الرباط .. راح يفكه في حرص .. لقد ألصق أطرافه باللاصق العريض.

الرؤية بعيدة جدًا لكن يمكنني تثبيت الكادر .. يمكنني أن أقربه قليلًا لأدرك أن هناك تشوهًا أسفل الضلوع … كأن هناك حفرة عميقة تمت خياطتها، والتئام الجرح غير كامل يذكرك بحرق تم ترقيعه بلا نجاح ..هذه أقبح ندبة رأيتها في حياته. هشام يخفي سرًا .. وهذا السر هو أنه مريض جدًا أو أجرى جراحة مرعبة في وقت قريب ..

متى كان هذا الوقت؟ لقد تغيب فترة طويلة عن العمل في بداية عملي بالشركة، هل كانت تلك هي الفترة؟

خليط مبهم من الإشفاق عليه والاشمئزاز منه والارتياح لأن هذا هو سره الوحيد. عليه أن يخبرني بالأمر وعليه أن يرى إن كنت سأحبه أم لا ..
-«سوف تكونين معي في السراء والضراء ومهما عرفت عني؟»

هكذا سألني قبل الزواج .. وقلت له وقتها إن شرطي الوحيد هو ألا يكون مصابًا بمرض عضال. هل آلمه هذا؟ ألهذا تقلص وجهه؟

كنت جالسة أمام المرآة أصفف شعري عندما ظهر عند باب الغرفة .. كان يرتدي الروب ويتأهب للنوم. كلمت صورته في المرآة قائلة:
ـ«هشام ..أنا أعرف موضوع الجرح تحت ضلوعك .. ومندهشة لأنك لم تخبرني به»

توقف للحظة وبدا كأنه لم يسمع .. رفع حاجبيه للحظة، ثم نزع الروب واندس في الفراش ولم يقل شيئًا …

ظللت أنظر له في صمت وأنا أواصل تصفيف شعري، وبعد لحظات اندسست جواره في الفراش وأطفأت النور ..

تنفسه منتظم .. هل ضميره نقي لهذا الحد؟ لماذا فضل تجاهل المعركة؟

إي إي إي إي إي إي إي إي إي !

في الظلام …..

هل هناك قط حبيس في الفيلا؟

الصوت يتكرر في إلحاح غريب. نهضت في هدوء، وأنا أتحسس البساط تحت قدمي الحافي .. أحبس أنفاسي … أتجه نحو باب الغرفة. الصوت يتعالى .. أي أنني أدنو منه فعلًا..

إي إي إي إي إي إي إي إي إي !

الصوت آت من الطابق السفلي .. لا شك .. بدأت أنزل في الدرج الخشبي وأنا أتحسس طريقي على الضوء الخافت القادم من (المصابيح الساهرة).. موقف مرعب لمن هي أوهن أعصابًا مني، لكنك تعرف يا كمال أنني ذات شخصية قوية متماسكة ..

في نهاية الممر كانت تلك الغرفة التي لم أرها إلا مغلقة. قال لي هشام إنها مخزن .. طبيعي أن يُحبس حيوان ما في المخزن .. لقد خلق لهذا … لكنني هذه المرة أرى أن الباب موارب ..

في حذر دلفت إلى الداخل. تلك الرائحة الكريهة! تحسست الجدار بحثًا عن ضوء. هذه هي اللحظة التي تطبق فيها يد مخلبية على يدك كما تعرف، لكني لا أعبأ بهذه الأوهام الهستيرية ..

كان هناك مفتاح كهربي عتيق .. كليك !.. غمر الضوء المكان ..

هي غرفة اتساعها خمسة أمتار في ثلاثة أمتار، وجدرانها مكسوة بالملاط .. هناك حشد من الأثاث القديم وأكوام من الصحف وحقائب بالية .. لكن مصدر الصوت يأتي من ………….

القفص الصغير في ركن المكان. هناك حيوان حبيس بالداخل .. لا شك في هذا وهو مصدر الأنين …

في حذر دنوت أكثر. رأيته يحاول اقتحام القضبان وكان ينظر في عيني .. لا أعرف ما هو .. أقسم أنني لا أعرف … هو في حجم قط كبير ..لكن وصفه عسير جدًا .. يمكن أن تصفه بالكيان .. الشيء ..

فقط تعرف حقيقة واحدة .. يجب ألا تسمح لهذا الشيء بالخروج من القفص ..

ـ«أطلقنا عليه اسم هاشم!»

وثبت مترُا في الهواء لدى سماع هذا الصوت في الظلام . ثم تراجعت لأسقط بين ذراعي هشام.. هشام الذي يلبس منامته وهو حافي القدمين، وقد بدت القصة واضحة .. لم يجدني جواره في الفراش وخمن الباقي ..

ثم أنه جلس على مقعد قديم مهشم متهالك وغطى وجهه ..

سألته في رعب:
ـ«ما هذا؟ ليس كائنًا بشريًا .. بل هو ليس كائنًا أعرفه على الإطلاق»

كان هشام يخفي سرًا كما قلنا .. وقد بدأ يحكيه لي لكني لم أصدق .. حتى اللحظة لا أصدق..

هشام – هكذا قال لي في الظلام – وُلد بشيء أقرب لورم تحت الضلوع .. قال الأطباء إنه شيء يدعى «teratoma» .. يحوي عظامًا وأسنانًا وشعرًا .. هذا ما ظهر في صور الأشعة ومرارًا … لم يحاول الخلاص منه إلا منذ عامين …

عندما عاد للبيت بعد الجراحة بذلك الورم المبهم في وعاء مليء بالفورمالين، استغرق فترة حتى يدرك أنه حي ويتحرك .. أمه أول من لاحظ هذا …

سألته وأنا أرتجف:
ـ«هل تعني أنه كان توءمًا سياميًا؟»

قال كاسف البال:
ـ«لا .. هناك حالات ظل فيها التوءم السيامي حيًا وحاقدًا على أخيه العملاق الذي استلبه حقه في الحياة، لكن هذا الورم لم يكن توءمًا سياميًا وإلا لرأى الأطباء قلبه النابض أو رئتيه .. كان كيانًا شريرًا مبهمًا له عقل .. يرى ويسمع ويفكر..»

بالواقع كان الكائن أقرب إلى شيطان ذي قدرات مذهلة.. كان يدخل من فتحات المصاعد ويتسلق المواسير ويدخل الغرف المغلقة. وكان قويًا جدًا…

ـ«لا أعرف كنهه بالضبط .. لكنه يمثل الجانب الشرير في أعماقي وقد تحرر…»

احتفظ هشام وأمه بهذا السر وربيا الكائن الكابوسي الذي سمياه (هاشم). لأسباب واضحة لم يجسر على التخلص منه. وقد قرر هشام أنه لن يتزوج أبدًا .. طبعًا قبل أن يقع في حبائلي ويحبني … ما عرفه هو أن الكائن يتطوع بإيذاء كل من يكرههم هشام ويفتك بهم، مخترقًا الحدود المادية أحيانًا .. هشام يعرف أنه تسلل لحمام هدى وقتلها.. لكن كيف عرف بيت هدى؟ يمكن تخيل ما حدث للذي مات في المصعد ففتحة المصعد العليا تسمح بدخول شيء .. أو أبي الذي اختنق أثناء نومه فهناك شرفة صغيرة في غرفته .. يمكن تخيل كيف هاجم صفوت في المطبخ ..

ـ«هناك كثيرون ممن غضبت عليهم أو اختلفت معهم ماتوا بلا تفسير .. هناك قصص لا تعرفينها. أعتقد أن له ست ضحايا منذ تمت الجراحة»

لكن هناك أجزاء غير مبررة في القصة .. الهدايا التي كنت أتلقاها بانتظام من شيء قادر على الوصول لسيارتي أو وسادتي ..

ـ«بدا واضحًا مع الوقت أنه يحبك ويبعث لك إشارات وهدايا .. وبدأ يغار مني .. لقد صار خطرًا..».

هكذا صار من الواجب أن يُحبس في هذا القفص لتحديد نشاطه .. لكنه يخرج منه بسهولة تامة كلما أراد، كما فعل مع القط الممزق. إنه كيان شيطاني .. هو الشر المجسد … لا يمكن معاملته بشكل مادي ..

هاشم يحبني؟ هاشم يشتهيني؟ هاشم يغار من أخيه بسببي؟

هشام يخفي سرًا… وهذا السر اسمه هاشم ….

كان هذا الشيء المخيف يتحرك في القفص ..

قلت لهشام وأنا أرتجف:
ـ«لو كان كلامك صحيحًا فعلينا أن ندمر هذا الشيء .. لا بد من أن نحرقه أو نغرقه أو نكهرب القفص .. سنتصرف معه كما يتصرفون مع فأر مسعور»

ـ«هو جزء مني .. لا أقدر على عمل ذلك.. ولربما أفنيت نفسي معه . لا تنسي نوبات الألم .. هو قادر على أن يؤلم جسدي»

هذا ليس حقيقيا …سوف أصحو فجأة لأدرك أن هذا كابوس .. قلت في ثبات:
ـ«هذا كائن مخيف .. وعليك أن تختار بيني وبينه. سيكون هذا آخر يوم لي في بيت المجانين هذا».

في الفراش همس هشام وهو يندس بجواري، بعد نهاية تلك المواجهة المخيفة:
ـ«سوف أتخلص منه .. سأعرف كيف أتخلص منه»

وكانت هذه آخر كلمات قالها ..

متى نهضت يا هشام؟ متى تركت الفراش؟

كان هذا هو الصباح، وكنت مرهقة مبعثرة بعد ليلة مليئة بالانفعالات. لم يكن نومًا بل هو أقرب لفقدان وعي. وعندما نهضت لم تكن هناك.

رحت أبحث عنك وناديت باسمك مرارًا ..

ثم وقفت مستندة على الدرابزين ونظرت للطابق الأسفل. عندها رأيتك .. رأيت الجثة التي تلبس المنامة والتي سقطت من ارتفاع طابق، وعرفت أن العنق مهشم … لقد دفعوك لتسقط من الطابق الثاني ..

أسرعت أهبط في الدرج .. وكان المشهد الذي رأيته هو نفس ما رأيته من الطابق العلوي، ولكن بشكل أقرب ولا يقبل الشكوك .. كنت آمل أن تتلاشى الرؤيا عندما أقترب .. أن أكون واهمة أو حالمة أو مخبولة ..

ثم سمعت الصراخ ..

هناك على أريكة في ركن المكان كانت الأم تجلس وتمسك بموضع قلبها .. لم تعد قادرة على النهوض، لكنها قادرة على الكلام بصوت مبحوح. نهضت مسرعة نحوها، فقالت دون أن تنظر لي:
ـ«الأخ قتل أخاه .. أو اللحم قتل اللحم .. كنت أنت لعنة حطت على هذا البيت، وكنت مصيبة منذ البداية. ما كان لهشام أن يتزوج .. أمثاله لا يتزوجون»

لم يكن في صوتها هستيريا أو بكاء.. كانت تتكلم كأنها تقرر حقيقة علمية ..

ثم هتفت بنفس الصوت:
ـ«الآن يجب أن تفري .. هاشم سوف يظفر بك لو بقيت. إنه ليس في الغرفة المغلقة ولا القفص .. إنه طليق. وصدقيني هو لا يريد قتلك .. يريد ما هو أسوأ!»

كنت أنا قد كونت فكرتي عن الموقف، ووصلت لذات الاستنتاج .. هذا البيت ليس لي لو أردت البقاء حية. فيما بعد سأبكي على هشام بما يكفي، أما الآن فلا وقت سوى ارتداء ثياب الشارع والبحث عن مفاتيح السيارة.. الهرب .. لربما لو لجأت لمكان مغلق محصن باقي حياتي نجوت ..

خلال لحظات كنت في حديقة الفيلا .. وخلال لحظة كنت أدير محرك سيارتي الناعسة في مكانها منذ أسبوع ..

دار المحرك وانطلقت كالمجنونة عبر الشوارع شبه الخالية ..

الأحداث تتدافع في ذهني، حتى فقدت القدرة على الفهم أو التفسير نهائيًا ..

فجأة شعرت بذلك الشيء المقزز المبهم يتسلق على كتفي.. كان ينتظرني في المقعد الخلفي! لقد خمن أنني سأنتوي الفرار. رفعت يدي ودفعته .. لا يمكن فهم هل هذه كتلة من العضلات أم اللحم الرخو .. لا يمكن فهم هذا الشيء .. هو مقزز وثقيل الوزن وكفى … هاشم يغازلني بعد ما قتل أخاه أو أباه أو وعاءه .. لا أدري بالضبط ..

ثمة نقطة واحدة أعرفها؛ هي أنه لن يقتلني .. إنه يبثني غرامه لا أكثر .. وهو غرام يهون أي موت معه طبعًا.

أدرت المقود بسرعة نحو اليسار ثم مددت يدي وأمسكت بالشيء بأقصى قوتي وطوحت به من النافذة .. وعندما بلغت نهاية الطريق ضغطت على الفرملة ونظرت للخلف ..

كان هاشم يزحف على الطريق .. للحظة يخيل لك أنه إنسان قزم بلا قدمين، أو هو عنكبوت أو هو نصف قط .. ولم أتردد .. درت بالسيارة واندفعت نحوه بجنون من جديد .. وسمعت شيئًا ينسحق تحت العجلة ..

لا تتردي يا فتاة .. هذا كيان شرير، ومن الوارد ألا يموت . درت من جديد وسحقته مرة أخرى .. عاودت الكرة مرتين ..

ـ«مت ..مت !!»

ووقفت على مسافة وأنا ألهث وأتنفس في جشع … السيارة تئن من فرط الجهد … وهنا رأيت كلبين ضالين يهرعان نحو كتلة اللحم هذه وراحا يتنازعان على أخذ أجزاء منها ..

لو أراد هاشم أن يوجد من جديد فعليه أن يجمع بقاياه من أفواه الكلاب والغربان ..

كنت أبكي أخيرًا .. للمرة الأولى سمحت لنفسي بالبكاء ..

هشام كان يخفي سرًا … وليتني لم أعرفه قط ..

تمت