قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Loading...

Wednesday, September 21, 2016

بعد خمسة أعوام



spc


يعجّ شهر سبتمبر بالذكريات، حتى أنه الشهر الوحيد الذي أكتب فيه وأنا ممسك بالتقويم خشية أن أتعثر في ذكرى مهمة ما، وقد تعثرت بالفعل بذكرى صبرا وشاتيلا عام 1982، وعشرات المصائب لعل أحدثها حادثا سقوط الرافعة والتدافع في الحرم عام 2015. كدت أكتب عن صبرا وشاتيلا كالعادة ثم تذكرت أنني كتبت عنهما أكثر من أربع مرات. ثم تذكرت أن خمسة أعوام قد مضت على رحيل حمدي مصطفى الناشر العظيم الذي شكل عقول جيل كامل من الشباب؛ فقررت هذه المرة أن أعيد نشر مقاطع من مقال قديم لي كتبته بعد وفاته، مع مقاطع كلامي عنه في كتيب (ثلاثون).

لو كنت شابًا فأنت تحفظ الاسم جيدًا .. الرجل الذي استطاع أن يوجد مجموعة من سلاسل الجيب التي يقرؤها شباب العالم العربي في كل صوب، وبشكل ما هو موجود في خلفية كل الشباب الذين قاموا بثورة يناير، فهم كانوا يستندون على تراث ثقافي معين لعب فيه الرجل دورًا كبيرًا. لا يوجد مراهق لم يبدأ حياته مع هذه الكتيبات ثم يستمر في قراءتها إلى أن يجد كتبًا أخرى أو يتوقف نهائيًا. ولو كنت قد سمعت عن كتاب سلاح التلميذ أو المعلم أو سلسلة كتابي أو قصص رجل المستحيل أو ملف المستقبل أو فلاش .. لو كنت قد سمعت أي حرف عني؛ فالأستاذ حمدي مصطفى يقف هناك في الظل  يسيطر على كل شيء ويمسك بكل الخيوط بين أنامله.. يحركها ببراعة واقتدار. هذا الناشر الذي اشتهرت إصداراته في كل العالم العربي من المحيط إلى الخليج كما يقولون، لم يكن مولعًا بالظهور بأي شكل ولم يدل إلا بأحاديث صحفية محدودة. إنه عدو الضوء بالمعنى الحرفي. إلى أن جاء اليوم الذي عجز فيه عن تحريك أنامله الممسكة بالخيوط بسبب الضمور العصبي الغريب الذي أصابه – بسبب علاج خاطئ – وحول ذراعيه إلى عضو بلا نفع، وكانت هناك خادمة صغيرة تضع على أذنه الهاتف المحمول وتطلب له الأرقام التي يريدها وتدس السجائر بين شفتيه.. رجل مثله اعتاد أن يعمل عشرين ساعة يوميًا واعتاد أن يمسك كل التفاصيل، لا يقدر على أن يظل حبيس بيته.

 ولقد رأيته في داره التي لم يغادرها طيلة ثلاث سنوات، فتذكرت قصيدة أحمد شوقي عن مصطفى كامل:

ولقد نظرتك والردى بك محدقٌ … والداءُ ملءُ معالمِ الجثمان
  تُمْلِي وتَكتُبُ والمشاغِل جَمَّة ٌ … ويداك في القرطاسِ ترتجفان
 فهششتَ لي، حتى كأنك عائدي … وأَنا الذي هَدَّ السَّقامُ كِياني

لم أتبين حجم الامبراطورية التي شيدها هذا الرجل الطموح، كما لم أتبين عدد إصداراته ولا تنوعها إلا عندما ذهبت لمؤسسته أول مرة. هناك كان جالسًا في مكتبه يراقب كل شيء من وراء الحاجز الزجاجي كعادته، بتلك النظرة المتعبة نوعًا.. النظرة الثاقبة التي تعلمت من طول الخبرة أن تزن من تتعامل معه. وعرفت سر نجاح هذا الرجل.. إنه متغلغل في كل شيء ويعي عملية النشر بكل دقائقها، ثم هو يثق في ذوقه الخاص ثقة عمياء، ويؤمن أن ما يروق له سوف يروق للناس.

ما زلت أرى المشهد متجسدًا أمام عيني.. أراه يراقب سير الأمور في المطبعة من النافذة الجانبية في مكتبه.  يبتسم ابتسامته الخفيفة ويقدم لي قطعة كاراميل، ويقول وهو يتصفح أوراق قصتي:
ـ"كويسة يا دكتور.."

ثم يبتسم نفس الابتسامة الخفيفة، وهو شارد الذهن . وينظر إلى شاشة المراقبة ليرى ما يدور في أرجاء مملكته. أسأله هل أستمر فلا يبدو أنه سمعني أصلاً ، ثم يقول لي وهو يشعل لفافة تبغ سابعة:
ـ"برضه كنت عاوز أعيش فيها أكتر من كده !"

وعلى مدى تلك الأعوام رأيته مرارًا يمسك بهذه الرزمة من الورق أو تلك يطالعها، وقد رفع النظارة على مقدمة رأسه كعادته في القراءة، والأوراق تحمل توقيع (سيد الشماشرجي) من تفهنا العزب أو (إبراهيم الششماوي) من خارصيت، وهو يلقي عليها نظرة خبير ويتساءل: ترى هل يصلح  للنشر؟ هذا رجل لم يكف عن العمل لحظة واحدة، وكان يقضي يومه في قراءة الأعمال الجديدة، وشروط مناقصة آلة الطباعة التي ينوي شراءها، ومشاكل الضرائب، وتجربة نوع جديد من الأحبار، وانتقاد نوعية ورق لا تطابق ما يريد، ومراجعة أرقام المبيعات والفواتير، ولوم المصحح على خطأ في إعراب كلمة لم يلحظه (وكان لا يرحم بالنسبة لأخطاء القواعد والإملاء)، وفض مشاجرة تمت بين عاملين في المطبعة أو قسم التغليف، وتصميم إعلان جديد يظهر في الصحف، ومراجعة بروفات كتاب سلاح التلميذ ، والتدخين بلا توقف و.. و .. و....  وبالطبع كان يتناول غداءه في نفس المكتب.

ولد حمدي مصطفى عام 1928.. تخرج في كلية التجارة  ليعمل مع والده في دار نشر هي (دار سعد مصر للطباعة والنشر)  والتي صارت فيما بعد (الدار القومية للطباعة والنشر). في بداية الستينيات انفصل ليؤسس وحده المؤسسة العربية للطباعة والنشر، ويبدأ نشر الكتب الدراسية على مدى 50 سنة...

عندما صارت قدمه راسخة كناشر قرر أن يتجه للنشر الأدبي، فهو لم يكف عن اعتبار النشر رسالة.. الكتب الدراسية تحقق الربح، أما الكتب الأدبية فهي رسالته الحقيقية في الحياة، واختار أن يقدم القصص التي يقرؤها الشباب على شكل روايات مصرية للجيب. كان يعي بالضبط دوره في توجيه النشء لقيم البطولة وحب الوطن.. وقد اختلفنا أكثر من مرة في هذه النقطة لأنني أرى في هذا نوعًا من التلقين المدرسي، لكنه كان يعي حساسية ما يقدمه وحساسية السن التي يخاطبها، لذا كانت هناك الكثير من المحاذير التي تختلف عن أي نوع آخر من الأدب.. هذه قصص معقمة من الناحية العاطفية والجنسية والدينية والفلسفية. التحق د. نبيل فاروق والأستاذ شريف شوقي بالمؤسسة بعد نجاحهما في مسابقة أعلنت عنها المؤسسة في الصحف.. وبعد أعوام انضم للمؤسسة خالد الصفتي ورءوف وصفي والعبدلله ود.محمد سليمان عبد الملك، وجاء الجيل الثالث من الشباب محمد رضا وسالي وحسن الحلبي وأحمد فكري و..  ومن هؤلاء من اتجه للسينما والتلفزيون  بعد ذلك، كما أنه – حمدي مصطفى – أصدر سلسلة سلة الروايات التي تقدم أعمال الشباب في شكل مسابقة دائمة. هناك عشرات العناوين المهمة، كما أنه أعاد إصدار سلسلة كتابي الرائعة لحلمي مراد التي اندثرت أو كادت.  

استمر النشر الأدبي على مدى 30 عاما وبيعت هذه الروايات القصيرة من المشرق إلى  المغرب.

نالت إصداراته جائزة سوزان مبارك في أدب الأطفال، كما نالت جائزة أحسن كتب الأطفال من تونس عام 2005.

كما قلت سابقًا فقد قضى آخر أعوام من حياته في المنزل بسبب مضاعفات إصابته نتيجة علاج خاطئ للأعصاب تلقاه في منتجع سويسري. وكتبت أنا عن ذلك في حينها، لكنه استمر في إدارة كل دقائق المؤسسة إلى أن توفاه الله في 21 سبتمبر 2011 وبعد ما ساهم في تكوين شخصية وتفكير جيل أو ربما جيلين.

ليرحم الله هذا الرجل.. لقد أحببته بصدق