قصاصات قابلة للحرق

Tuesday, January 10, 2017

حكايات مومياء الثلوج - 3



spc

رسوم الفنان طارق عزام

أوتسي يرقد على بطنه فوق صخرة ويراقب الأفق.. البخار يتصاعد من فمه كأنه سحابة صغيرة، حتى شعر بأن هذه السحابة سوف تفضح أمره..

تحسس البلطة وتحسس قراب السهام..

لا شك في أنه قادر على إلحاق ضرر بالغ بهم. سوف يهشم صدر ورأس أربعة منهم، لكن النهاية قريبة على كل حال. لا مفر سوى المراوغة..

أخيرًا استطاع أن يراهم. كانوا هناك.. عددهم لا يقل عن عشرة، وهم يتسلقون الصخور في حركة أقرب للتمشيط.. وأدرك أنهم يحملون جثة. لا يمكن قول إنها جثة صديقه. لا توجد صداقات في زمن كهذا، لكن يمكن أن نعتبره (حليفه).. يصطاد معه ويستطيع أن يغمض عينيه عنه. الآن يمكنه أن يرى جثة هذا الحليف يحملونها والرأس يتدلى ويتأرجح مع كل هبوط أو صعود.

لماذا يحملون الجثة؟  أنت تعرف أنهم لم يكونوا أكلة لحوم بشر. لكن أوتسي كان يعرف سبب الاحتفاظ بالجثة. سوف يتركونها فوق صخرة شامخة كي تلتهمها الأرواح. عقيدة عبادة الأرواح راسخة لدى البشرية منذ زمن سحيق.

يمكن أن يطلق سهامه الآن.. لكن لن يطول الأمر حتى يصل له الباقون..

فليبق ساكنًا…

لكن الخطط من هذا الطراز تكون هشة جدًا. هذا الماعز الجبلي اللعين كثيف الفراء وثب من جواره، وبما أن الجليد لم يذب بعد، فقد انزلق حافره.. تمالك نفسه بصعوبة، لكن قطعة ثلجية عملاقة انحدرت من أعلى محدثة دويًا وتناثرت..

رفعوا رءوسهم.. وأدرك أوتسي أنهم رأوه.. تصاعدت صيحات النصر.

لم يعد هناك داعٍ للتخفي.. إنه في مكان عالٍ ويمكن أن يؤذيهم بقسوة قبل أن يموت. جرد سهامه وأطلق على الرجال ثلاثة أسهم.. وسرعان ما رأى رجلين ممددين على الصخور يحاول كل منهما أن يخرج السهم من صدره.. ثم همد أحدهما..

انطلق يصعد لمستوى أعلى وهو يلهث من البرد والانفعال…

هنا فوجئ بواحد منهم يعترض طريقه وهو يزأر بوحشية ويلوح برمح.. لحيته منتفشة وعيناه من نار واللعاب يسيل من شدقيه كالضباع. وأدرك أنه جاء من طريق مختصر بين الصخور ليهاجمه من الخلف.

لم ينتظر.. طوح بالبلطة فشج رأس المهاجم إلى نصفين.. بعد 5500 عام سوف يندهش العلماء لأن هناك أكثر من نوع من الدماء على البلطة وعلى ثياب أوتسي. ثم يقررون أن السبب هو أنه قتل كثيرين قبل موته.

طار سهم من مكان ما فانغرس في صدره..

لا جدوى من الهرب، سينتهي كل شيء حالًا، والمهم أن ينتهي بسرعة..

عندما استدار للخلف كان أول ما رآه البلطة العملاقة المتجهة نحو جمجمته…

***************

على مائدة العشاء سال الكثير من الخمر، والتهم الرجال أطنانًا من المكرونة. هناك نوع من النبيذ العجيب يقف بالضبط بين النبيذ والجعة، وهو يشي بالامتزاج بين الثقافة النمساوية والإيطالية التي تميز هذا المكان من التيرول، وكان مصطفى يفضله بشكل خاص، أما الرجال فتناولوا النبيذ العادي. كان البرد شديدًا وهم جياع لذا التهموا الكثير..

د. باولو كان مرحًا وقد بدا أن خطف المومياء قد سره جدًا. هذا حلم ليس هينًا.. منذ رآها للمرة الأولى حلم بأن تكون له..

تساءل مصطفى بلسان ملتو وهو يشرب كأسًا رابعة:
- «كم من الوقت تعتقد أنه سيمر قبل أن نجد رجال الشرطة فوق رءوسنا؟»

قال لورنزو بفم مليء بالطعام:
- «بفرض أن هناك كاميرا أفلتت منا ومن خبراتي الإلكترونية، فهم سيجدون صور أشخاص ولن يعرفوا من هم.. ليست لأحدنا سوابق أو صور، كما أننا لا نتمتع بالشهرة. سوف يذيعون صورتنا في التلفزيون وعلى شبكة الإنترنت لكن هذا سيعطينا وقتًا للتحرك. رأيي الخاص أن هذه عملية محكمة»

هكذا واصلوا الأكل في صمت..

قال مصطفى ورأسه يتأرجح وجفناه ثقيلان كأنهما من صخر:
- «أعتقد أن الأحداث كانت مرهقة.. أعتقد كذلك أنني أفرطت في الأكل.. أفتح عيني بصعوبة بالغة»

كان د . باولو يعرف أن السبب هو المخدر الذي دسه في النبيذ الذي يفضله مصطفى، لكنه واصل أداء دوره حتى النهاية وبدا كأنه موشك على النوم بدوره..

في النهاية وضع مصطفى رأسه على المنضدة، وراح يغط بصوت عال.. وغطى شعره الطويل وجهه. بدا هشًا مثيرًا للشفقة..

قال لورنزو وهو يلقي بالمنشفة:
- «انتهى الأمر..»

وقال السائق داريو:
- «سوف يتعبنا في حمله»

قال د. باولو وهو يملأ كأسًا أخرى:
- «لننتظر قليلًا.. ربع من يتم تخديرهم يستيقظون في اللحظة الأخيرة ليضربوك.. اجلسوا حتى نتأكد من أنه نام»

مرت عشر دقائق، ثم أن د. باولو أشار للرجال فحملوا مصطفى ثقيل الجثة..

خلال دقائق كان المشهد قد تغير تمامًا في الغرفة الداخلية. تم وضع منضدة تشبه مناضد الجراحة..  وتعاون الرجال على إرقاد مصطفى على المنضدة.. الآن يأتي لورنزو بجهاز معقد شبيه بأجهزة القلب الصناعي، ويتحرك على عجلات، فيوصل مجموعة من الأقطاب برأس مصطفى..

في الوقت نفسه فتح داريو وباولو القفص الزجاجي. أخرجا المومياء ووضعاها على الأرض، ثم تعاونا على توصيل مجموعة أقطاب برأسها المهشم…

بدا الأمر للحظة كأنه لقطة من فيلم فرانكنشتاين يونيفرسال، مع مؤثرات ستريكفادين الكهربية الشهيرة. بالفعل بدأ عداد الكهرباء يسجل استهلاكًا مخيفًا وبدأ المصباح يتراقص.

كان الرجال يعرفون ما يفعلون، فلم تكن هناك أسئلة.. لقد تم ترتيب هذا السيناريو مرارًا. دعني أشرح لك بعض النقاط: د. باولو يملك نظريات معينة مخبولة بصدد جده، وهي نظريات تخلط بين علم الفيزياء والميتافيزيقا. كان يؤمن بأن أوتسي قد وجد عبر العصور على عدة أشكال.. وكان يؤمن أن القدر قاده إلى مصطفى الذي يشبه أوتسي تمامًا. هذه رسالة تخبره أن التجربة قد آن أوانها..

قال للورنزو بصوت مرتجف:
- «تأكد من كل شيء… »

لو سارت الأمور على ما يرام، فلسوف ينتقل وعي مصطفى إلى أوتسي.. سوف تدب الحياة في المومياء وتنهض. في الوقت نفسه سوف تفرغ الحياة من مصطفى ولسوف يسقط ميتًا… ببساطة لأن المومياء لا تملك وعيًا..

ستكون هناك جثة، لكن في التيرول يمكنك التخلص من عشرين جثة لو أردت..

حبس أنفاسه، وهو يراقب سريان الموجات الكهرومغناطيسية التي يسجلها ألف عداد ومؤشر، ثم هتف بلهجة مسرحية:
- «الآن يا شباب.. سنغير التاريخ!»

وضغط على الزر الأزرق..

يُتبع