قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Wednesday, February 1, 2017

حكايات مومياء الثلوج - 6 - الأخيرة



spc

رسوم الفنان طارق عزام

لم تتصور قط أن توجد هذه الفظاظة وكل هذا التوحش في شخص. لربما كان هذا ليروق لها في وقت آخر، فبعض النساء يعشقن فكرة رجل الكهف الفظ الذي ينال ما يريد بالقوة، لكن الأمر هنا بدا مريبًا.. كان فظًا بشكل حقيقي مروع. وخطر لها أنه لا يتكلم كذلك وإنما يصدر أصواتًا حلقية.

لماذا هو حافي القدمين؟ كأنه فقد حذاءه في حادث أو انفجار.. هل انقلبت به عربة؟

- «مصطفى.. لو كنت تعتقد أنني أحب هذا فأنت تبالغ!»

تمقت بشدة هؤلاء الذين يستمرون في الدعابة بعد ما يدركون أنها سخيفة. وهكذا أطلقت إنذارًا أخيرًا:
- «مصطفى !..أنت غير متحضر!»

كانت هذه أصدق عبارة قالتها في حياتها. وفتحت فمها ثم أطبقت بأسنانها على الساعد الغليظ المشعر، فسمعت صرخة حيوانية.. أطلق سراحها فتملصت وانطلقت تركض قاصدة غرفة النوم.. الثلاجة الصغيرة التي لم تجد لها موضعًا في الشقة سوى هناك.

«التكاثر!.. التكاثر!»

أغلقت الباب خلفها.. نظرت إلى فراشها الذي مازال ساخنًا. إنها الساعات الأولى من النهار. توقفت الضوضاء على الباب.. سمعت صوت الماء يتدفق من صنبور الماء في المطبخ.. المواسير كلها تترجرج والجدران كذلك. لم تفهم سبب لهفته على الماء لكننا نفهم أنها الحاجة إلى الارتواء.. الدم.. لابد من غسل الدم الذي ملأ فمه. وما لم تعرفه وعرفناه نحن، هو أنه قضى حاجته هناك في قاعة الجلوس جوار جدار.. لم يستطع أن يعيد غلق السروال لأن الزمام شيء لا يفهمه..

من جديد تسمع ضرباته على الباب..  مع زئير قوي..

«عااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه !..»

هل تطلب الشرطة؟ للأسف سقط الهاتف منها في الخارج.. لابد أن تصمد.. ثم من قال إنه لا يمزح؟

تتوالى الضربات..

مصطفى!.. كف عن هذا الذي تفعله.. أنا مذعورة فعلاً.. ثق أنني لاأجد ذرة إثارة في هذا..

هل هو ثمل؟ أصدقاؤه قالوا إنه ليس على ما يرام. فهل هذا هو السبب؟ أين رفاقه؟

«التكاثر!.. التكاثر!»

هرعت إلى النافذة لتفتحها وليتسرب الهواء البارد. هل تصرخ؟ هنا رأت السيارة الڤان عند المنعطف لم ترحل بعد.. السيارة التي جاءت به.. برغم المسافة البعيدة، فقد أدركت أن هناك من يزحف على الأرض جوار الإطار الخلفي.. يزحف وهو يرتجف… رجل طويل الأطراف كالعنكبوت أو كأنه قلم رصاص آدمي.. كان الدم ينزف بغزارة من رأسه محدثًا بركة مخيفة من اللون الأحمر. زحف بضعة سنتيمترات أخرى ثم همد نهائيًا.

هذا الدم لم يكن دم مصطفى.. هذا دم من كانوا معه إذن..

مصطفى لم يعد هو. هناك شيء مخيف..

كانت فتاة ذكية، وقد قدرت أن الباب سيتهاوى حالاً.. عضلات المصري القوي سوف تنتزعه من مفاصله قريبًا…

اتجهت للثلاجة.. أخرجت زجاجة الماء  وبيد راجفة سكبت السائل عند مدخل الباب وحول عتبته، بحيث صار من المستحيل أن يمشي أحدهم دون أن يبتل..

نزعت قابس الثلاجة، ثم قطعت السلك بالمقص، وأعادت القابس إلى الفيشة، وبحذر طوحت بالسلك العاري ليتلوى على الأرض كثعبان… يتلوى وسط بقعة الماء فيكهربها بالكامل….

هرعت إلى المصباح الثقيل المجاور للفراش، فانتزعته من مكانه.. يصلح للضرب باعتبار هذه هي الخطة (ب) لو فشلت الخطة (أ)…

وقفت في ركن الغرفة تبكي وتنشج. لو دخل هذا الوحش الغرفة وفشلت خطتها فقد انتهى أمرها فعلاً.

«التكاثر!.. التكاثر!»

هي ضحية هشة سجينة في غرفة يوشك وحش مسعور على اقتحامها. كابوس الطفولة يتحقق يا كلارا..

تهاوى الباب ثم ظهر مصطفى وهو يزأر كأنه مذءوب في فيلم رعب..

ثم أنه صرخ وارتجف تلك الرجفة الكهربية (الجلفانية) المميزة.. وصار صوته رفيعًا حادًا، وبدا عاجزًا عن التحرر من مكانه.. ثم سقط أرضًا…

***************

أوتسي الذي صار مصطفى كان يجلس هناك أمام النار.. النار التي تتلظى في حفرة عميقة مخيفة يلتفون حولها.

لقد التهم الكثير من اللحم، وشرب شيئًا مبهمًا في نصف جمجمة.. كان الاشمئزاز يخنقه لكنه وجد نفسه مضطرًا لذلك.. رأسه يدور ومن الواضح أن هذا نوع من الخمر.. كل مجتمع عبر التاريخ صنع خمره الخاصة..

ألسنة اللهب تتعالى…

ثم أن بعض الكائنات منكوشة الشعر راحت تثب كالقردة حول النار. هذا رقص!.. رقص بدائي جدًا يثير الغثيان..

من الصعب أن يبقى متيقظًا برغم أن الحذر يدفعه لذلك..

كان الآن قد بدأ يفهم تفاصيل هذا الذي حدث.. ليس كل شيء. لا يعرف ظروف ما حدث، لكنه انتقل فجأة عبر 55 قرنًا ليصير هو أوتسي رجل الثلوج التيرولي.. هذا واضح.

بدأ يغيب عن الوعي بفعل الدفء.. بفعل الإرهاق.. بفعل تراقص النيران… بفعل حركة الراقصين..

ووسط ألسنة اللهب رأى..

رأى مصطفى الذي يعرف نفسه على شكله..

رآه يتقدم في غرفة يعرفها.. رآه يتلوى ويصرخ.. رأى كلارا تصرخ….

هل هو يحلم؟

***************

عندما نهض مصطفى من جديد أدركت كلارا أن أسوأ كوابيسها قد تحقق..

لقد سقط فتحرر من دائرة الصدمة الكهربية، ويبدو كذلك أن الكهرباء كانت أضعف من الفتك بهذه الجثة العملاقة.. فقط حطمت عظامه وجعلته أكثر جنونًا.. إنه سليم.

صرخت والتصقت بالنافذة…

قبضت على المصباح بقوة وصممت على أن تهوي به على رأسه، برغم أنها تعرف جيدًا أنه سيقبض على ساعدها بأصابع من حديد…

هذا ما حدث بالفعل. رفعت المصباح عاليًا، لكن مصطفى الذي غطى الشعر الطويل عينيه قبض على معصمها بقوة وثنى الرسغ فسقط التمثال منها…

- «مصطفى!.. أي مس شيطاني أصابك!!»

هنا تدرك فعلاً – وقد اقتربت منه جدًا – حقيقة أنه لا جروح في جسده. هذا كله دم آخرين.

لاااااااااااااااااااا !!!

***************

هناك حول النيران كانت سرعة الرقص تتزايد..

صوت خوار وزئير… غرغرة من الحلوق..

كان أوتسي يرى بعيني الخيال، وعبر 5500 عام كلارا الجميلة تصرخ وتبكي… يرى مصطفى يضربها بقسوة. لا شك أنه سيفتك بها فتكًا..

إن خيالاتهم تتراقص على جدران الكهف..

الرائحة الكريهة..

هنا أدرك الحقيقة: سوف يقتلونه. لقد قرأ كتاب الغصن الذهبي لفريزر يومًا، ويعرف أن قتل الأب وأكله عقيدة قديمة في المجتمعات البدائية، لأنهم يعتقدون أن هذا ينقل لهم قواه السحرية. وبعد هذا صارت عقيدة قتل الطوطم. إنه هو طوطم هؤلاء القوم..

لقد مجدوه وعبدوه وقدموا له القرابين والإناث كريهات الرائحة، وفي نفس الليلة سوف يفتكون به.. ولربما يأكلونه.

للأمر طابع ديني أكيد…

مد يده إلى البلطة الملقاة بجواره، وفكر في أن يطبق عليها، لكن يده كانت رخوة تمامًا.. لابد أن هذا الذي شربه كان يحوي نوعًا من الأعشاب المخدرة..

فكر أن يقاوم، لكنه كان عاجزًا عن ذلك…

هوت أول ضربة على كتفه فمزقته، ثم انغرس رمح في كتفه.. ليكونن موتًا بطيئًا شنيعًا إذن..

ثم خطر له أن موته قد يكون الأفضل فعلاً..

لن يتحمل الحياة في هذا الزمن ومع هؤلاء القوم..

قد يؤدي موته لإنقاذ كلارا، فالحقيقة هي أن وعي أوتسي يحرك هذا المسخ..

فقط يجب أن يحترق هذا الجسد.. يجب ألا توجد مومياء يجدها العلماء بعد 55 عامًا.. يجب أن ينال أوتسي الراحة النهائية، وإلا جاء عالم مجنون بعد كل هذه القرون وأعادها للحياة من جديد..

برغم الطعنات التي شلت حركته مع المخدر، زحف نحو النيران المتأججة وألقى بنفسه فيها..

وارتجف البدائيون الذين لم يفهموا ما حدث.. بدل أن يقتلوه وجدوه يقتل نفسه بنفسه.. يتلظى في النيران ويصرخ…

***************

ارتجف مصطفى الذي حاصر كلارا في الركن..

زاغت عيناه، ثم تهاوى أرضًا… كأنه دمية ماريونيت بلا خيوط…

على الأرض تكوم ولم تكن هناك أي علامة للحياة سوى تنفسه..

زحفت على ركبتيها حتى وجدت المصباح الثقيل. حبست أنفاسها وأغمضت عينيها وهوت على رأسه.. مرة.. مرة.. مرة..

فتحت عينها وراحت ترمق الجسد الضخم الذي رقد بلا حرك والدم ينز من رأسه..

ما لم تعرفه هو أنها قضت على جسد مصطفى ووعي أوتسي…. بينما عبر 55 قرنًا احترق جسد أوتسي ووعي مصطفى..

نترك للقارئ استنتاج ما حدث لقاعة للمومياء في متحف التيرول.. هل اختفت أم هي موجودة؟

لربما تغير التاريخ بالكامل. لا يعنيها هذا.. ما يعنيها هو أن مصطفى قد مات، وأنها لن تنسى هذا الفجر المخيف..

النهاية