قصاصات قابلة للحرق

Saturday, February 4, 2017

فلنعد اختراع العجلة



spc

للنجاح الاقتصادي للأمم صيغة واحدة لا تفشل أبدًا: ابتعد عن صندوق النقد الدولي، وقد تعلمت هذا من كتابات د.جلال أمين الرائعة التي كنت أحمل لها درجة قريبة من التقديس. أتذكر كلامه عن خبراء صندوق النقد الدولي الذين يُعاملون كالملوك ويتقاضون رواتب تقنعهم أنهم بالتأكيد مهمون، ثم يتضح دائمًا أنهم حمقى أو مغرضون. كنت أتمنى أن أسمع صوت د.جلال أمين وسط هذه العواصف الاقتصادية التي هبت على مصر مؤخرًا، فإن لم يتكلم هو فمن؟ وإن لم يتكلم الآن فمتى؟ 


الحقيقة هي أننا لن نخترع العجلة، فهناك تجارب ناجحة جدا تصلح لأن نتخذها مثالاً لو كانت هناك إرادة للإصلاح حقا. وكلما قال أحدهم إننا نكتفي بذكر السلبيات ولا نقدم حلولاً، قلنا إنه ليس هناك من يصغي للخبراء، ومشكلة مصر الدائمة هي أن المفكرين لا يملكون القدرة على الفعل، ومن يملكون القدرة على الفعل لا يفكرون.

عندما رأيت ماليزيا -كان هذا منذ عشرة أعوام- انبهرت فعلاً؛ فالعاصمة كوالا لامبور أقرب إلى عاصمة غربية متقدمة، مع الطابع الآسيوي الفريد والطابع الإسلامي الأكثر تفردًا، حتى شعرت بأن فجوة أعوام طويلة تفصلنا عن هذه الدولة. لا شك أن الفجوة ازدادت اتساعًا بشكل محير اليوم، حتى يمكن القول إن ماليزيا قصة نجاح قابلة للتدريس بينما نحن قصة فشل قابلة للتدريس. يمكن أن ننصح أي دولة تريد النهوض ألا تفعل أي شيء مما فعلناه أو نفعله كبداية. متى وكيف بدأت هذه النهضة؟

الإجابة ليست سرا مقدسًا يتداوله الكهنة في أديرة التبت، بل هي موجودة في كل مكان ويمكن لأي شخص دراسة هذه التجربة. الفيلم التالي يلخص التجربة الماليزية.

هناك علاقة معقدة بين الحاكم وشعبه، فالشعب يفرز الحاكم الذي يستحقه هذا صحيح، ولكن الحاكم يستطيع تغيير شعبه من أعلى القمة ليكون أفضل. والحاكم أو الساحر في حالتنا هذه هو مهاتير محمد. 


مهاتير محمد ابن مدرس ابتدائي فقير عمل في بيع فطائر الموز في طفولته، ثم التحق بكلية طب الملك إدوارد السابع في سنغافورة وتخرج في العام 1953. دخل مجلس الشعب عام 1964 وقام بتأليف كتاب يضم نظرياته الاقتصادية. في العام 1975 صار وزير تعليم.. ثم في العام 1981 صار رئيس وزراء. وقد كتب له أن يظل في هذا المنصب 22 عامًا.. لعلها أطول فترة يحكم فيها رئيس وزراء في التاريخ، لكنه كان مضطرا لهذا بسبب ضخامة طموحاته، وعندما أدرك أنه وضع بلاده على الطريق الصحيح ترك الخدمة. هذه هي نقطة البداية.


في العام 1981 كانت ماليزيا فقيرة جدا، ولا يوجد ما يوحي بأن لها مستقبلاً ما، سوى أن تكون مزرعة مطاط يسرقها العالم. ماليزيا كذلك قنبلة موقوتة بمجموعاتها العرقية الثلاث الكبرى: الملايو 58%.. الصينيون 24%.. الهنود 7%.. كما أن بها خليطًا من الأديان: إسلام.. مسيحية.. هندوكية.. بوذية.. لكن الرجل استطاع أن يجعل الناس تفكر في ماليزيا فقط، ولم يحاول الاستفادة من الخلافات لتثبيت حكمه. ما فعله الرجل هو أنه رسم خطة للبلاد خلال 20 عامًا. هذه خطة اسمها عشرون عشرون.. أي حتى العام 2020.

النقطة الأولى هي التعليم والبحث العلمي. هذه نقطة بديهية قلناها مرارًا؛ هي أن نهضة مصر تبدأ بالتعليم أولاً. بالتأكيد لم يتلاش التعليم في ماليزيا ولم تعلن المدرسة هزيمتها وتنتشر مراكز الدروس الخصوصية في كل ركن. أنشأ جامعة عظيمة صارت من أهم 200 جامعة في العالم. ماليزيا تنفق 23% من دخلها القومي على التعليم. لا تنفقه على جهاز الشرطة أو شراء السلاح.

النقطة الثانية هي أنه غرس مليون شتلة نخيل زيت لتصير ماليزيا أولى دول العالم في تصدير زيت النخيل. آمن مهاتير بأن صندوق النقد الدولي يدمر الدول ولا يقيمها. إبان الأزمة الاقتصادية التي أطاحت بنمور جنوب شرق آسيا، كانت أول نصيحة من صندوق النقد هي تعويم العملة، لكنه أدرك بذكائه أن الوضع سيتفاقم. وكما يقول في حوار صحفي: "دول أخرى أصبح وضعها أسوأ بسبب اتباعها النصيحة الخاطئة التي قدمها صندوق النقد الدولي لهذا رفضنا ما قدموه. نحن لا نقترض المال منهم، وحين رفضنا كان علينا وضع خطة بديلة تسمح لنا بتخطي الأزمة وبالفعل نجحنا في ذلك". وقد نصحنا مرارًا كمصريين بألا نقترض من صندوق الشيطان هذا، شاهد هذا الكليب هنا وهو يعود ليونيو 20111. مهاتير من ألد أعداء العولمة، لأن الشركات الماليزية لا تستطيع مجابهة الشركات الأمريكية العملاقة. 

النقطة الثالثة هي أنه نهض بالسياحة وجعل ماليزيا مركزًا دوليا لسباق الخيول والسيارات والألعاب المائية. ولو أنك رأيت كوالا لامبور لشعرت بأن هؤلاء القوم بنوا لأنفسهم آثارًا! ليس لديهم الهرم فليبنوا برجي بتروناس التوأمين.. ليس لديهم النيل فليبنوا برج الساعة. 


النقطة الرابعة هي النهضة الصناعية. السيارة الجميلة بروتون -التي هي لانسر ماليزية- ولدت على يده. عندما كنت هناك، كانت كل السيارات والحافلات بروتون. أن تكون كل السيارات في شوارع بلدك من إنتاج بلدك.. هذا حلم لا يوصف. بالمناسبة أنشأ عاصمة إدارية جديدة هي بوتراجايا، تسهيلا للمستثمرين وهي النقطة الوحيدة التي نجد فيها تشابهًا معه! اتجه بشدة نحو اليابان لأنها تمثل نهضة صناعية عظمى، كما أن لديها تراثًا مهما من احترام العمل. 


وفي العام 2003 كانت ماليزيا قد صارت دولة ناهضة متقدمة تجذب الاستثمارات والسياحة. وارتفع الاحتياطي النقدي من 3 مليارات إلى 98 مليارًا. ارتفعت صادرات البلاد من 5 مليارات إلى 520 مليار دولار سنويا! انخفض السكان تحت خط الفقر من 52% إلى 5% فقط ! خمسة بالمئة فقط من سكان ماليزيا فقراء! نسبة البطالة 3% فقط!

هذا هو العام الذي قرر فيه الرجل أنه قام بواجبه نحو وطنه، وقرر أن يترك الحكم رغم مناشدات شعبه. نال لقب (تون) -المبجل- وهو لقب شامخ جدا في ماليزيا.

قال مهاتير إن سر نجاحه هو (القدوة). أي أنه بدأ من حيث انتهى الآخرون. لم يفترض أنه عبقري قادر على تغيير الكون بنظريات خارقة. هكذا درس هو تجربة اليابان جيدًا، كما علينا نحن أن ندرس تجربته.

نعود لما قلناه من قبل.. التجارب الناجحة كثيرة ويمكن أن نكررها لو أردنا أن ننقذ هذا البلد من الهاوية. تجربة سنغافورة مثلا في مكافحة الفساد شهيرة وناجحة جدا، ولدينا من درسوها جيدا.. تجربة بورلوج الناجحة في زرع القمح.. تجربة ماليزيا.. إلخ.. إلخ.

المشكلة ليست في الحلول.. المشكلة هي انعدام إرادة الحل.. ومن يعترض هو عميل أو عدو مصر أو إخوان.. إذن فلنغمض عيوننا ونضغط على أسناننا، ولندع الله ألا ينقلب الميكروباص المنطلق بنا بأقصى سرعة في قلب الليل.