قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Thursday, June 29, 2017

نبوءة لا تتحقق



spc

جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي ينتشرون في شوارع «الخليل» - فلسطين - 24 مايو/أيار 2016

انبهاري بعبقرية وإبداعات د. عبد الوهاب المسيري - رحمه الله - أمر لا يقبل الشك، لكني منذ عشر سنوات أو أكثر كنت آخذ نبوءته الخاصة بقرب زوال إسرائيل على محمل الجد اليقيني. قال للمذيع أحمد منصور في أحد لقاءات قناة الجزيرة إنه يعتقد أن فترة 20 عامًا طويلة جدًا كي تصمدها إسرائيل، قبل أن يتذكر آخر المغادرين أن يطفئ النور قبل ركوب الطائرة العائدة لأوروبا. وكانت لديه قائمة من الأسباب المهمة؛ لعل أولها عدم تجانس المجتمع الطبقي الإسرائيلي، وليس آخرها القنبلة الديموغرافية الفلسطينية التي ستجعل اليهود أقلية في بلد عربي فتكون النهاية مثل نهاية سياسة الأبارتهيد في جنوب أفريقيا.

كنت آخذ هذه المقولة كحقيقة لا تقبل الشك بسبب ثقتي في العالم العظيم، ولكني اليوم أتمنى لو كان د. عبد الوهاب بيننا ليشرح لي لماذا لم تتحقق هذه النبوءة أو يبدو في الأفق ما ينذر باقترابها. كل شيء يوحي بأن إسرائيل استقرت وسوّت معظم مشاكلها وباقية حتى إشعار آخر، والشرق الأوسط الجديد قادم حيث لا أحد يعادي إسرائيل، بل الكل يعتمد عليها ويهادنها. ومع الوقت يدرك المرء أن هناك دولة عظمى واحدة لا تتأثر بالجمهوريين ولا الديمقراطيين ولا انهيارات البورصة ولا سعر اليورو، هذه الدولة هي «إسرائيل». لقد تركناها تتضخم وتتوحش وتسيطر، كأنها السرطان الذي يظل قابلاً لاستئصاله وتحجيمه، غير أنه مع الوقت يسيطر أكثر ويتغلغل أكثر وينشب مخالبه أكثر.

لي مقال قديم اسمه (الدور دائم الاخضرار)، حكيت فيه عن كتاب قديم مصفر الأوراق ممزق، وجدته في مكتبة صديق يهوى الشطرنج. كنت في سن المراهقة ولم أسمع قط عن وجود خطط للعبة الشطرنج، ولا هذه الرموز العجيبة على غرار (ب 4 م – ح 3 فو –  بو X بم)… (هو مش لعب وخلاص؟)، لكني ذُهلت عندما وجدت عددًا من الأدوار البارعة جدًا التي خلدها التاريخ، وكان لكل دور اسم. من بين هذه الأدوار دور عجيب أطلقوا عليه اسم (الدور دائم الاخضرار)، وقد لُعب في النمسا في يوم ما من القرن التاسع عشر. في هذا الدور يلعب الأبيض بسلبية غريبة، تاركًا قطعه ليتسلى عليها الأسود. الأسود يأكل الطابيتين.. الوزير.. الفيلين.. إلخ.. موقف الأبيض يسوء بلا انقطاع، بينما ملك الأسود يقف مزهوًا بين قطعه.. هنا ينقل الأبيض فرسًا.. فرسًا لا أكثر.. القطعة الوحيدة الباقية له.. كش مات.. ملك الأسود المحاط بحاشيته أدرك فجأة أنه في حصار لا فكاك منه، وأن حفاظه على قطعه جعله عاجزًا عن الحركة. لا تدرك مدى خطورة المأزق إلا عندما تبتعد عن الرقعة، وعندها تسلم بالعبقرية الأستاذية للاعب الأبيض. قلت وقتها إنني تذكرت هذا الدور عندما رأيت نشرة الأخبار.. إسرائيل هي بالضبط القطع البيضاء في هذه المباراة.. إنها تحركنا كما تريد عالمة أن النقلة الأخيرة لها.

كتبت في نفس المقال: «عندما يتكلم هيكل عن الخطة (جاما)، تجد بين أوراقه مذكرة – منذ خمسينات القرن الماضي – كتبها إيزنهاور، يقترح فيها إزاحة ناصر ومصر المشاغبة عن قيادة العالم العربي، واتخاذ زعيم روحي هو الملك سعود ليتولى قيادة الأمة. تكلم عن الريادة كما تريد لكن من يقود العالم العربي اليوم؟.. ما الدولة التي يذكر اسمها دومًا في المقدمة قبل مصر؟.. متى صارت مصر مرهقة مكبلة غارقة في مشاكلها الاقتصادية والسياسية فلا وقت عندها ولا بال رائقًا للعب دور قيادي؟ هذه أشياء تمت بالتدريج ولا نفطن لها إلا عندما نبتعد عن الرقعة أكثر. عندها تدرك أن الأسود يخسر فعلاً، وأن الأبيض ينفذ كل ما أراد».

قلت في نهاية المقال: «لا أؤمن بنظرية المؤامرة وكل الكتب السخيفة عن الأحجار على رقعة الشطرنج التي يحركها الكرادلة والحاخامات المتآمرون في ضوء المشاعل السباعية، لكني أؤمن يقينًا أن هناك مؤسسات صنع قرار وخزانات تفكير وخبراء استراتيجية يخططون ونحن لا نفهم.. أؤمن بأن هناك لاعب شطرنج عبقريًا يتوقع كل هذه النقلات، وهو ينتظر اللحظة المناسبة كي يحرك فرسه.. كش مات يا عرب.. انتهى الدور دائم الاخضرار!».

يمكنك اليوم أن تتبين معالم ضبابية تزداد وضوحًا يومًا بعد يوم لدخول السعودية طرفًا في كامب ديفيد، وقيادتها للأمة العربية بحيث تتحول مصر إلى تابع يملك العضلات فقط، وتتبين معالم شرق أوسط جديد يتم فيه استبدال قطر وإيران بإسرائيل، فقد تغير وجه العدو ولغته. تسمع عن نية لتعيين دحلان رئيسًا للحكومة في قطاع غزة، وتسمع من يؤكد في الفضائيات أن سيناء لا تتبع مصر أصلاً!! هذه أشياء كانت تُقال همسًا فيما مضى، لكنها اليوم تقال بصوت عالٍ نوعًا.

لقد تغير العالم لكن موقفي لا يتغير: أنا أكره إسرائيل ولو طبّع العالم العربي كله، فأنا لن أكون الأخير لأنني لن أفعل أبدًا. لو كانت إسرائيل دولة عادية بيننا وبينها خلاف لكانت في الأمر مساحة للاختلاف، لكن إسرائيل هزمتنا ومزقتنا وتقتل أطفالنا بلا توقف.. إذن لا مجال للتفاهم الآن. لو أن مثقفًا فرنسيًا أيام الحرب العالمية الثانية راح يطري تقدم الألمان وعظمتهم بينما ألمانيا تحتل وطنه، لقتلته المقاومة الفرنسية قتلاً. وما كان أحد في فرنسا ليقول إن هذا الرجل عبقري سبق عصره، وأنت تعرف أن سارتر نفسه – رمز الاستنارة – كان عضوًا في المقاومة، لكن المشكلة أن المعايير عندنا مزودجة وغامضة.

هناك معاهدة سلام مع إسرائيل لكن ليس لها مردود شعبي واضح.. حكومة فيشي أعلنت الولاء لألمانيا وتصالحت معها، لكن الشعب الفرنسي لم يعترف بهذا بينما الحرب لم تنتهِ. يقول البعض إن الشباب المصري يهاجر لإسرائيل ويتزوج إسرائيليات، لكن لا أرى هذا دليلاً على الحب بل هو دليل على انعدام الرزق والحقد على المجتمع بسبب الفقر، وطبعًا عامل الجنس. كم نسبة هؤلاء الشباب بالنسبة لمئة مليون؟ أعلن أنك تحب إسرائيل أو الصق نجمة داوود على زجاج سيارتك ولتر إن كانت ستظل سليمة ساعتين.

قال رابين كلمة ذكية جدًا: السلام ليس معناه الحب، وعدم الحب ليس معناه الحرب. أرفض أن تتغير المفاهيم مع الوقت ليصير الجبان تقدميًا واقعيًا، وأول من يستسلم يغدو سابقًا لعصره، لماذا لا نسمي الأشياء بمسمياتها؟ لماذا يصير كل من يرفض حنجوريًا؟ وهل كان أمل دنقل صاحب (لا تصالح) حنجوريًا؟

لست مع حرب لسنا متأهبين لها عسكريًا ولاسياسيًا ولا علميًا ولا اقتصاديًا، ولكني أطالب بالحفاظ على جذوة اللهب تحت الرماد… لا تطفئوها.