قصاصات قابلة للحرق

Sunday, July 16, 2017

حكاية مدرس رسم



spc

"الطفل هو أبو الرجل.."

غسان كنفاني..

في هذا الشهر يكون قد مر على وفاته 35 عامًا، وهو تقريبا سنه لحظة الوفاة..

في يوم السبت 8 يوليو عام 1972 في بيروت، أدار غسان كنفاني محرك سيارته فدوى انفجار مروع قضى عليه هو وابنة أخته الأثيرة لنفسه والتي كان يعتبرها صديقة روحه، وهكذا أخرست جهة ما صوتًا مغردًا لا يمكن أن نظفر بمثله بسهولة. شاهد هذا الفيلم التسجيلي القصير عن قصة حياته. لقد عاش 36 عامًا فحسب، لكنها أعوام ثرية صاخبة جعلته رمزًا لكل ما هو فلسطيني مناضل.

أعترف أن غسان الكنفاني لم يكن من مكونات عالمي، ولم أقرأ له شيئًا حتى فترة قريبة، لكني اكتشفت فيما بعد أنه كان مؤسسة ثقافية وفنية متكاملة. كانت مشكلته هي أنه أبرع من اللازم.. أشرف من اللازم.. أصدق من اللازم، وهذا جعله من الأصوات التي يجب أن تُباد. هذا ما أطلق عليه اسم (متلازمة ناجي العلي)، والتشابه قوي بين حياة الفنانين على كل حال.

أغلب الترجيحات تقول إن الموساد هو الفاعل، لكن احتمال الاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني الذي لم يتوقف لحظة ما زال قائمًا. في وقت ما قام بعضهم باغتيال د.السرطاوي بزعم أنه يتخابر مع الإسرائيليين، وقد تم الاغتيال وهو يخرج من فندق في أوروبا مع رابين.. قتلوه وتركوا رابين نفسه!.. أي أن قتل الفلسطيني مفضل على قتل الإسرائيلي. هذه القصص كثيرة على كل حال.


غسان كنفاني فلسطيني ولد عام 1936، وقد اضطر للهجرة مع أسرته.. إلى سوريا فالكويت فلبنان. وفي سوريا كان يعمل كمدرس رسم، لهذا سوف تجد أن الرسم جزء رئيس من مكونات عالمه.

مشوار حياته يتكون من مئات المقالات و18 كتابًا.. معظمها يتكلم عن كفاح الشعب الفلسطيني.. ترجمت أعماله إلى 17 لغة وعرفت في أكثر من عشرين بلدًا.

لم يكن مجرد كاتب بل كان عضو المكتب السياسي والناطق بلسان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وقد عمل في جريدة المحرر اللبنانية ثم جريدة الأنوار، ومجلة الهدف الناطقة بلسان الجبهة الشعبية. وفي الكويت أصيب بداء السكري الذي دمر صحته. وفي الكويت كذلك كتب أول قصة له واسمها (القميص المسروق).

عام 1961 في يوغوسلافيا قابل المعلمة الدانمركية التي تحمست للقضية الفلسطينية، واقتنعت بها بشدة، ثم صارت زوجته فيما بعد.

غسان كنفاني هو تشخيص لفلسطين.. اسمه ووجهه المميز وكتاباته كلها تحمل رائحة فلسطين. يمكنك هنا أن ترى حوارًا بالإنجليزية معه

من كتبه الشهيرة (أرض البرتقال الحزين) و(رجال في الشمس) و(عائد إلى حيفا) و(أم سعد) و(ما تبقى لكم). كل الروايات تناقش جانبًا من تجربته الثرية والواقع الفلسطيني ومن رحلته في الصحراء إلى الكويت. القصة الأخيرة صارت مسلسلاً إذاعيًا دانمركيًا. كما أنهم مسرحوا الكثير من قصصه. هناك قصة لها طابع بوليسي اسمها (من قتل ليلى الحايك)؟ 


له دراسات مهمة عن شعراء المقاومة الفلسطينية، كما أن لديه دراسة مهمة عن الأدب الصهيوني.

بالإضافة لهذا كان رسامًا موهوبًا وقد صمم الكثير من ملصقات الجبهة الشعبية. وكان كاتب أطفال قدم لهم عددًا من القصص التي ترجمت لعدة لغات، ومن أشهرها كتاب (القنديل الصغير) الذي ترجم للألمانية وصمم عرض عرائس دانمركي عن قصته.

الحق أن الرجل قد كتب كثيرًا جدًا وضاعف سني عمره، كأنه كان يدرك منذ البداية أنه لا يملك الكثير من الأعوام ليعيشها. شاهد هذا الفيلم عن حياته.


من ضمن ما تركه لنا الرجل مراسلاته مع الكاتبة الشهيرة غادة السمان، وهو أدب مراسلات على قدر كبير من الرقي. وفي السطور غزل صريح وافتتان بها، لكنها كذلك عمل أدبي عالي المستوى.. ها هي ذي عينة منها يعترف فيها بحبه لها، ولعله الخطاب الأول:

"غادة..

أعرف أن الكثيرين كتبوا إليك، وأعرف أن الكلمات المكتوبة تخفي عادة حقيقة الأشياء خصوصا إذا كانت تُعاش.. وتُحس وتُنزف على الصورة الكثيفة النادرة التي عشناها في الأسبوعين الماضيين.. ورغم ذلك، فحين أمسكت هذه الورقة لأكتب كنت أعرف أن شيئا واحدا فقط أستطيع أن أقوله وأنا أثق من صدقه وعمقه وكثافته وربما ملاصقته التي يخيل إلي الآن أنها كانت شيئا محتوما، وستظل كالأقدار التي صنعتنا: إنني أحبك.

الآن أحسها عميقة أكثر من أي وقت مضى، وقبل لحظة واحدة فقط مررت بأقسى ما يمكن لرجل مثلي أن يمر فيه، وبدت لي تعاساتي كلها مجرد معبر مزيف لهذه التعاسة التي ذقتها في لحظة كبريق النصل في اللحم الكفيف…

الآن أحسها، هذه الكلمة التي وسخوها، كما قلت لي والتي شعرت بأن علي أن أبذل كل ما في طاقة الرجل أن يبذل كي لا أوسخها بدوري.

إنني أحبك: أحسها الآن والألم الذي تكرهينه - ليس أقل ولا أكثر مما أمقته أنا - ينخر كل عظامي ويزحف في مفاصلي مثل دبيب الموت. أحسها الآن والشمس تشرق وراء التلة الجرداء مقابل الستارة التي تقطع أفق شرفتك إلى شرائح متطاولة…

أحسها وأنا أتذكر أنني لم أنم أيضا ليلة أمس، وأنني فوجئت وأنا أنتظر الشروق على شرفة بيتي أنني - أنا الذي قاومت الدموع ذات يوم وزجرتها حين كنت أُجلد - أبكي بحرقة. بمرارة لم أعرفها حتى أيام الجوع الحقيقي، بملوحة البحار كلها وبغربة كل الموتى الذين لا يستطيعون فعل أيما شيء… وتساءلت: أكان نشيجا هذا الذي أسمعه أم سلخ السياط وهي تهوي من الداخل؟".

المراسلات موجودة وأعتقد أنها توزع ككتاب صوتي بصوت غادة السمان نفسها.

غسان الكنفاني.. علينا أن نتذكر هذا الاسم جيدًا كما نتذكر اسم محمود درويش وسميح القاسم.. علينا أن نتذكره كما نتذكر اسم فلسطين.