قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Saturday, August 19, 2017

بعيدًا عن المذابح



spc


شهر أغسطس شهر دموي يعج بذكريات المذابح؛ ومنها قنبلة هيروشيما التي قتلت مئات الألوف من اليابانيين، ومنها مذبحة تل الزعتر عام 1976، ومذبحة الغوطة عام 2013 وهي أقرب مثال للحرب الكيماوية يعرفه العالم المعاصر، وبالطبع مذبحة رابعة في مصر التي يبدو واضحًا أن دماء من قتلوا فيها قد راحت هباء كأنها كانت رحلة لصيد البط كللت بالتوفيق، فلم يتم إجراء أي تحقيق جدي وتم تدمير الأدلة.

ربما يتم التحقيق يومًا ما بعد عشر سنوات أو أكثر وربما لا. على كل حال يصعب أن تطالب الداخلية بتقديم أدلة تثبت تورط الداخلية!. إنها لعنة الدم حلت بمصر منذ ذلك الوقت ولن تنهض مصر ما لم يعد العدل.

بما أن شهر أغسطس شهر عنيف جالب للاكتئاب، فقد فضلت أن أبتعد تمامًا عن ذكر المذابح وعن السياسة، لأتكلم في موضوع مسل وشائق هو فيلم تشريح الغريب الفضائي.

ما زالت سمعة فيلم (تشريح الغريب) الوثائقي قوية جدًا في العالم العربي، وهناك من يصرون في عناد على أنه حقيقي، وقد قامت مكتبات عامة كثيرة بعرضه للناس باعتباره فيلمًا تثقيفيًا. طبعًا لا تقدر الحقيقة أبدًا على هزيمة قصة ممتعة. شاهد الفيلم الوثائقي هنا لو لم تكن قد رأيته.

عام 2006 تقدم السينما البريطانية فيلمًا كوميديًا اسمه كذلك (تشريح الغريب) يحكي قصة الفيلم المزيف، ووقائع الفيلم دقيقة لكن مع صبغ الأحداث بإطار كوميدي طبعًا. الفيلم من إخراج جوني كامبل وبطولة ديكلان دونلي وأنت مكبارتلين. شاهد تريلر الفيلم البريطاني الساخر هنا

الحقيقة أن فيلم (تشريح الغريب) هو مصدر كل نظريات المؤامرة المحيطة بحادث روزويل والمنطقة 51، وعبارة (إن الحكومة لا تخبرنا بما تعرفه) التي يرددها كل أمريكي تقريبًا. لو اتضح أن هذا الفيلم خرافة فهذه ضربة قاسية لذكاء وكبرياء كل من صدق الموضوع، وكل الكتب التي تناقش الظاهرة.. لهذا يأبى الناس أن يصدقوا. 


إن كل أمريكي يعرف حادث روزويل جيدًا... طبق طائر تحطم فوق مزرعة قرب روزويل في نيومكسيكو، ثم قام الجيش الأمريكي بأخذ البقايا كلها وخداع الشعب. البقايا محفوظة في الحظيرة 18 في قاعدة (رايت باترسون) الجوية. والحقيقة أن هذا المكان لا وجود له. شاهد هذا الفيلم الوثائقي عن حادث روزويل

قيل كذلك إن عملية تشريح تمت على الكائن الذي وجدوا جثته في الطبق. بعد هذا صدر كتاب لفرانك سكالي عام 1950 اسمه (وراء الأطباق الطائرة)، وقد أكد فيه أن الحكومة الأمريكية لديها ما لا يقل عن ثلاثة أطباق طائرة من كوكب الزهرة بركابها. هذه القصة عرفها من رجلين كانا يأملان في بيع آلة اخترعاها وقالا إنها تعتمد على تقنيات الفضائيين.

هناك كذلك قصة الوثيقة MJ-12 التي يقر فيها رئيسان أمريكيان هما إيزنهاور وترومان بالحادث.. هذه الوثيقة فحصها الخبراء وقالوا إنها تزييف رديء جدًا. 

اليوم نحن نعرف أن ما سقط فوق نيومكسيكو كان عاكس رادار محمولاً على منطاد ، وهو جزء من مشروع (المغولي) للاستشعار عن بعد. هذه البقايا هي ما حسبه الناس بقايا طبق طائر.

كان أول من عرض الفيلم عام 1995 هو (راي سانتيلي) وهو موزع أفلام فيديو بريطاني. وقد عرضته قناة فوكس واشتهرت عبارة لعبقري المؤثرات الأمريكي (ستان ونستون) يقول فيها إنه غير قادر على عمل فيلم كهذا.. الحقيقة إنه قال إنه غير قادر على عمل فيلم كهذا بإمكانيات عام 1947.

ادعى سانتيلي أنه حصل على الفيلم الذي صوره الجيش الأمريكي بعد حادث روزويل عام 1947 مباشرة. وسرعان ما وجد الفيلم طريقه إلى 30 بلدًا. تم كذلك في الفيلم عرض مقتنيات فضائية المفترض أنها وجدت في موقع التحطم، ومنها رموز فضائية ولوحة تحكم.

قبل الاعتراف بالحقيقة لاحظ خبراء المؤثرات الخاصة والمهتمون بالأمر أن الفيلم الخام يحمل علامات لا تنتمي للجيش.. وأن جراح الكائن الفضائي لا يمكن أن تحدث نتيجة لحادث جوي.. الكاميرا لم تركز على الأحشاء قط، كما أن عملية رفع عظمة القص لم تظهر في الفيلم برغم قيام الجراح بتشريح الصدر. قال البعض إن الغريب دمية وقال البعض إنه جثة بشرية تم تبديل شكلها..

تفاصيل كثيرة في الفيلم لا تبعث الراحة في النفس.. هل كان الجيش الأمريكي عاجزًا عن تسجيل حادث بهذه الأهمية عام 1947 بالألوان؟.. لماذا يمتلئ الفيلم بالحبيبات كأفلام الهواة؟.. هل الجيش الأمريكي يفتقر لميزانية شراء أفلام جيدة؟.. وماذا عن الهاتف الذي يبدو في الصورة، وهو من طراز ذو سلك لولبي بين الهاتف والسماعة.. هذا الطراز من السلك اُخترع بعد الفيلم بأعوام طويلة.. سانتيلي زعم أن الفيلم مصور على فيلم نترات 16 ملم.. شركة كوداك لم تنتج قط أفلامًا من هذا النوع. يرى مصورو الجيش السابقون أن الفيلم تم تصويره بكاميرا واحدة وهذا مستحيل.. كان لابد من آلتي تصوير لتصوير حدث بهذه الأهمية ولابد أن يتم التصوير بفيلم قياس 35 ملم.

الشهود الذين رأوا حطام (الطبق الطائر) قالوا إن المخلوق بلا أذنين وله أربعة أصابع بينما ما نراه في الفيلم هو كائن ذو أذنين وله خمسة أصابع. الجراح في الفيلم يلبس ثيابًا واقية تشبه تلك المستخدمة ضد الإشعاع لكن لا جدوى منها لأنها غير مزودة بجهاز تنفس. لا جدوى من هذا الزي سوى إخفاء الملامح. خبراء التشريح الذين رأوا الفيلم لم يروا أي عضو يمكنهم تمييزه. هم يرون أنه من الطبيعي ما دام الفضائي يشبهنا من الخارج لهذا الحد، أن يكون تشريحيًا قريبًا منا من الداخل. ثم أن المشرح يستعمل المقص كأنه ترزي لا طبيب.. الجراح يضع سبابته على سن المقص ليتحكم فيه أكثر، أما رجل الفيلم فلا يفعل ذلك. صحيح أن المبضع يحدث جروحًا يسيل منها الدم، لكن خبراء الخدع يعرفون كيف يفعلون هذا بخرطوم صغير مثبت لطرف المبضع البعيد عنا.

نتيجة لهذا كتبت صنداي تايمس : "استرخوا.. الرجال الخضر الصغار لم يهبطوا على الأرض.. الفيلم الذي يظهر الفضائيين مجرد خدعة".

وكما هي العادة في الخدع المماثلة، لا يقدر النصاب على أن يعيش ويموت بسره، فهو في حاجة إلى أن يعرف الناس كم هو بارع. هكذا تكلم الرجل بعد عرض الفيلم بأحد عشر عامًا. في العام 2006 أعلن أن الأمر كله خدعة متقنة.

فيما بعد زعم سانتيلي أنه لم يلفق الفيلم كلية وإنما أعاد استعادة أحداث فيلم مدته 4 دقائق رآه عام 1990 يظهر التشريح، وزعم أنه احتفظ في الفيلم ببعض الكادرات الحقيقية..

أما عن عملية خداع العالم هذه، فقد اعترف الرجل أنه اتخذ غرفة خالية في شقة في (روشستر) بلندن، وتم الاستعانة بخبرات الفنان والنحات (جون همفري) الذي قام بتصميم جثتين لفضائيين في ثلاثة أسابيع, وقد استعمل قوالب تحوي أمخاخ خراف مغموسة في مربى حمراء، ومعها أحشاء دجاج من سوق اللحم في (سميثفيلد). لعب همفري كذلك دور كبير العلماء المشرف على التشريح. بعد التصوير تخلص الفريق من الجثتين عن طريق التقطيع وإلقائها في أكياس عبر لندن.

كان عملاً رائعًا متقنًا لكنه حير العالم فترة طويلة، وحتى بعد رؤية الفيلم الكوميدي البريطاني سيظل الناس يؤمنون أن فيلم تشريح الغريب حقيقي، وأن الحكومة الأمريكية لا تخبرنا بما تعرفه.