قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Thursday, September 7, 2017

«بو» في مصر



spc

مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، مصر

من قصص شاعر الرعب الأمريكي العظيم إدجار آلان بو قصة قصيرة صارت من كلاسيكيات الأدب العالمي ولسوف تجدها في أي كتاب مختارات قصص قصيرة؛ وهي أدق نموذج لمصطلح (الرعب القوطي) الذي نستعمله كثيرًا. اسم القصة هو (قناع الموت الأحمر). القصة تحكي عن اجتياح وباء الطاعون للبلاد.. بو لم يطلق عليه الطاعون صراحة، لكنه وصفه بأنه وباء يسبب ألمًا شنيعًا ونزفًا ويقتل خلال نصف ساعة.. الطاعون ليس بهذه الشراسة.

الحاكم بروسبيرو ومعه ألف من النبلاء يقررون الفرار من هذا الموت المخيف. يقررون في أنانية أن يتواروا خلف الأسوار الحصينة لقصر منيف يملكه بروسبيرو، وهذا إلى أن ينهي الوباء دورته.. كل الأوبئة تتراجع بعد قليل، وهكذا يمكن لك إذا ظللت حيًا فترة الوباء أن تنجو.. إلى حد ما تشبه هذه الحبكة تلك الحبكة العامة لقصص الديكاميرون لبوكاتشيو حيث يتوارى رجال ونساء من الطاعون، ويتسلون بسرد القصص المسلية. الديكاميرون هي الأب الشرعي لفن القصة القصيرة لو كنت مهتمًا.

هكذا تنعم القلعة بالسعادة على حين يطيح منجل الموت برؤوس القوم خارج الأسوار.

ذات ليلة يقيم بروسبيرو حفلاً راقصًا لضيوفه الألف. ولإبهارهم يكون الحفل في غرف القصر السبع ذوات الألوان المختلفة.. حيث الجدران ملونة والأضواء منبعثة من مصابيح لها نفس اللون.. الأخضر.. البرتقالي.. الأبيض.. القرمزي.. هذا عالم شبيه بالحلم لا يقدر على تخيله سوى عقل عبقري شحذه الكوكايين ليهلوس كعقل بو..

هناك غرفة مدهونة باللون الأسود بالكامل، لكنها مضاءة بلون أحمر دموي. وهي غرفة كانت تثير قشعريرة الضيوف فلم يكونوا يرتادونها.. ولكي يتضاعف التأثير المخيف كانت هناك ساعة عملاقة في الغرفة تدق كل ساعة، فتتوقف الموسيقا عن العزف، ويتصلب الجميع.

عند دقات منتصف الليل يظهر في الغرفة الزرقاء شبح غريب يلبس ثوبًا أسود يغطيه بالكامل، ويضع على وجهه قناعًا مخيفًا.. أعتقد أن ستانلي كوبريك تأثر بهذه القصة في مشهد الحفل في فيلم (عينان مغلقتان باتساع).

الحاكم بروسبيرو يستشيط غضبًا ويطلب من الضيف الغامض أن يعلن عن شخصيته.. لكن الكل يخشون الاقتراب منه، بينما هو يمشي ببطء بين الغرف الست كأنه يتفقد كل شيء.. ثم يدخل الغرفة الحمراء الدموية.

يقرر الحاكم أن يفتك بالشبح بنفسه.. هنا – كما في الكوابيس – يلتفت له الشبح وينكشف القناع. يصرخ بروسبيرو ويسقط ميتًا. يهرع الناس ليجردوا الشبح من ثيابه وقناعه فإذا هو ليس موجودًا.. لا يوجد شيء تحت العباءة.

وعلى الفور يتساقط رواد الحفل ساكنو القلعة موتى ودمهم ينزف.. لقد كان الضيف الغامض هو الموت الأحمر نفسه. هكذا تنتهي القصة.. محاولة الإنسان الدائمة للفرار من الموت، وهي تتلخص في آية سورة النساء ”أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ“.

عندما قرأت قصة المرحومة نيفين مديرة البنك، تذكرت على الفور قصة بو الرهيبة. نيفين كانت تعيش وحدها في كومباوند كبير شهير، وتسلل أحد حراس الكومباوند إلى الداخل للسرقة حاملاً سكينًا، فلما اكتشفتْ وجوده في شقتها صرختْ واضطر إلى أن يقتلها طعنًا. ثم فر بسيارتها واصطدم بحاجز خرساني وقبض عليه. كتبت وقتها في نهاية مقالي:
عندما تعيش في كومباوند، فلتتذكر أن هناك اضطرابًا اجتماعيًا واقتصاديًا هائلاً بين ناس يتزاحمون للشراء في الجمعة السوداء وناس يأكلون هياكل الدجاج. تذكر أن أمن الكومباوند قد ينقلب عليك إذا تفاقمت الأوضاع أكثر.. فلتتذكر هذا طيلة الوقت.
نيفين ظنت أنها آمنة ولم تعرف أن قناع الموت الأحمر قد تسلل لها.

مؤخرًا رأيت صور السور الرهيب الذي يتم بناؤه حول العاصمة الجديدة. العارفون بالأمور يقولون إنه حول الوزارات فقط. سور خرساني يبلغ ارتفاعه سبعة أمتار أقرب إلى قلعة حامية يتوارى فيها بروسبيرو. يقولون إنه أكبر وأقوى من الجدار العازل في فلسطين. هذا بالطبع ليس سورًا للحماية من العدو ولكنه سور للحماية من غضبة الشعب العاتية عندما يصل الحرمان والفقر لدرجة معينة تؤدي للانفجار. كل شيء هنا يذكرك ببروسبيرو والموت الأحمر الذي اجتاح البلاد.

في قصتي الكابوسية يوتوبيا انزوى الأغنياء في مدينة معزولة يحرسها المارينز وتركت الدولة كل محيط الفقر بالخارج يتولى أمر نفسه. الأغنياء كان لهم قانونهم الخاص ومشاكلهم الخاصة بينما يعاقب كل متسلل بالرمي بالرصاص. لا يحق لأمثالنا الدخول إلا كخدم أو عمال.

كنت أعتبر القصة مفرطة في الخيال وغاية في التشاؤم، وغير قابلة للتحقيق لأن الواقع سيتغير. فإذا بي أجد السطور توجد في الواقع، وفي كل يوم تقريبًا يصلني خطابان يخبرانني أن يوتوبيا قد صارت حقيقة واقعة.

من جديد تذكرت بروسبيرو الذي أنشأ قلعة حصينة ضد الموت الأحمر، فإذا بالموت يتسلل له في صورة زائر غامض. لا يمكن أن يجد أحد الحماية المطلقة، ومهما صنع من حصون. ثمة شيء واحد يمكن أن يحمي هؤلاء؛ هو العدل الاجتماعي. القضاء على الموت الأحمر الذي هو الفقر والعوز والجوع… أن يشعر المواطنون بأنهم مواطنون فعلاً.

هذا هو الضمان الوحيد كي لا يتسلل الموت الأحمر إلى القلعة مهما بلغ سمك الأسوار ومهما تعددت كاميرات المراقبة.