قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Saturday, September 23, 2017

ذكرى فينوس السوداء



spc

شاهدت مؤخرًا فيلمًا عن حياة ساركي بارتمان أو فينوس السوداء من إخراج عبد اللطيف كشيش. الفيلم يحكي بشكل مطول وممل إلى حد كبير القصة الكاملة الحقيقية لفينوس الهوتنتوت، وهي قصة طويلة مؤثرة. اقرأ معلومات عن الفيلم هنا


يمكن تخيل القصة كلها لو فكرت في جارتك أو قريبتك ذات العشرين عامًا، والتي يتقاتل شباب الأسرة أو الحي  للفوز برضاها. هنا يختطفها أغراب إلى بلادهم البعيدة، حيث يضعونها في سيرك ويعرضونها عارية على الزوار. الزوار الذين دفعوا ثمن التذاكر، ليسخروا منها ومن غرابة جسدها.

قسوة؟.. من قال غير هذا؟.. هي قصة عن العنصرية والقسوة والتعالي الغربي. قصة عن علاقة غريبة أخرى بين طبيب ومريضة بائسة. سارة التي كان اسمها الحقيقي Saartje وينطق (ساركي).. يقولون إن معناه (سارة الصغيرة).

لم تعرف سارة ذات العشرين عامًا ما ينتظرها على ظهر القارب الذي نقلها من كيب تاون إلى لندن عام 1810. إنها من قبيلة إفريقية مسالمة تدعى (خوي خوي) أو الهوتنتوت كما يسميهم الهولنديون. الاسم الأخير يعتبرونه إهانة عندهم، لأن معناه (المتلعثمون) وهو بسبب الطرقعات التي تعج بها لغتهم. ولدت في عصر صاخب عندما وصل الهولنديون إلى البلاد وراحوا يقتلون قومها (لأنهم يسرقون ماشيتنا).  وهكذا تم أسرها وعملت في مزرعة بعض الوقت قبل أن يتم نقلها إلى بلاد غريبة باردة.

تم عرض سارة في بيكادللي سيركس في لندن باعتبارها من عجائب الطبيعة. السبب هو أن ردفيها كانا متضخمين -وهي صفة محببة عند قبيلتها- مع تضخم في شفري المهبل، مما جعل البريطانيين يصدرون حكمهم على المرأة الإفريقية باعتبارها حيوانًا أقرب للقردة. وكانت هي الإجابة عن سؤال طالما وجهه الأوروبيون لأنفسهم: "هل الأفارقة بشر مثلنا حقا؟".


هكذا كانت سارة تقف عارية على المسرح بينما مدرب يرغمها بالسوط على المشي والوقوف والجلوس. ولكن من العدل أن نعرف أن البريطانيين لم يكونوا جميعًا بهذه القسوة.. هناك حملة صحفية طالبت بإطلاق سراحها، وهناك دعوى قضائية طالبت بأن تتحرر. لكن المناضلين الذين رفعوا الدعوى خسروا القضية، لأن سارة لم تكن تعرف حقوقها.

عام 1814 أخذت سارة إلى فرنسا نابليون. هناك عرضوها، وصارت شهيرة جدا حتى ارتبط اسم (سارة بارتمان) بالمرأة كبيرة الردفين. وقد وصفها أحد الصحفيين بأنها كانت تؤدي العروض ودموعها في عينيها وكانت ترقص وتتلقف الحلوى التي يقذفها المشاهدون بها. وقد قدم الفرنسيون في الوقت ذاته مسرحية كوميدية شبه جنسية اسمها (فينوس الهوتنتوت) عن هذه العجيبة. كما أنها أثارت شغف الكثيرين من علماء نابليون الذين كانوا معه في مصر، والذين تضايقوا بسبب إصرارها على تغطية جهازها التناسلي بمنديل أثناء العرض، غير عالمين بأن هذا هو الجزء الوحيد من جسدها الذي بقي لها. من بين هؤلاء العلماء يقفز اسم جورج كوفييه عالم الطبيعة والأحياء الفرنسي الأشهر وملك علم التشريح المقارن. وهو من أهم الأسماء في علم التطور والحفريات. 


لقد عمل (كوفييه) في كل مجال علمي تقريبًا.. وقيل إن بوسعه أن يعيد تركيب هيكل عظمي كامل من عظمة واحدة فيه. وقد صار عمله أساس علم الحفريات الفقرية.. لقد أجرى تعديلات مهمة على تقسيم المملكة الحيوانية، وقام بترتيب الحفريات والكائنات الحية ضمن هذا التصنيف.. وبرهن على أن الانقراض حقيقة علمية. كان (كوفييه) من ألد أعداء نظريات (لامارك) في التطور.. لم يؤمن بالتطور العضوي لكنه آمن بتكرار عملية الخلق بعد الكوارث الطبيعية.

كان يؤمن بأن الكائنات الحية يجب أن تصنف طبقًا للوظيفة وليس المظهر، وقد خاض جدلاً عنيفًا مع معاصره (جيفري) حول نظرية التطور والارتقاء. فقد افترض أن الأنواع الجديدة نشأت بعد سلسلة من الفيضانات المتكررة، وكانت دراسته لحوض أنهار باريس هي مصدر نظرية ترابط الطبقات الحيوية..

لقد درس كوفييه سارة بعناية وقال إن ردفيها يشبهان ردفي القردة، وإنها تذكره بقرد الأورانج أوتان (لاحظ أنه لم ير أورانج أوتان في حياته!).. برغم هذا كتب في مذكراته أنها ذكية وأنها تتكلم الهولندية بطلاقة!

ظلت في باريس حتى ماتت بعد عام وهي في الخامسة والعشرين، أي أن عذابها دام خمسة أعوام، لكن العلم لم يرحمها. شرحها كوفييه واحتفظ بجهازها التناسلي ومخها وهيكلها العظمي للعرض حتى عام 1985.

في هذا الوقت عرف أهل جنوب إفريقيا قصتها، ومع الوقت صارت رمزا قوميا لما لاقاه السود على يد البيض. هناك جانب ديني كذلك هو أن الخوي خوي يؤمنون بأنها لن تنعم بالراحة ما لم تُدفن.

في العام 1995 طالب الرئيس الجنوب الإفريقي (مانديلا) بعودة رفاتها إلى أرضها.. فلم يستجب الفرنسيون لطلبه إلا عام 2002، وبعد حملة مكثفة شارك فيها أساتذة جامعة وشعراء ومخرجو سينما.. في النهاية سمح مجلس الشيوخ الفرنسي بالإفراج عنها.. هناك كثيرون قاتلوا من أجلها.. لكنها لا تعرف هذا.. للمرة الأولى تلمس أجزاؤها ثرى الوطن منذ عام 1810. 


كانت امرأة إفريقية وحيدة بلا عون ولا أقارب ولا مال في أوروبا.. ثم ماتت فلم يهتم أحد إلا بعرض بقاياها.. الجادون رأوا أنها تشبه القرد، وغير الجادين سخروا منها. إنها قصة تعكس القسوة الحقيقية للإنسان.