قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Tuesday, November 14, 2017

علاقات زوجية - 1



spc

رسوم الفنان طارق عزام

في عيد زواجهما الخامس والثلاثين اعترف حسن ونوال أن زواجهما كان غلطة العمر. أنت ترتكب خطأ وتنزلق إلى علاقة ثم خطبة ثم زواج.. بعد هذا لو كنت محظوظًا يأتي الأطفال.. تبدأ دوامة المدارس والتربية.. التخرج.. الزواج.. ثم يرحلون.. عندها تفيق للمرة الأولى لتدرك أنك لم تكن تريد الزواج أصلاً!

كانت نوال من أسرة ثرية أرستقراطية، وكانت تحتفظ بطابع متعال يصعب ترويضه، أما حسن فكان من نفس طبقتك وطبقتي وقد فاز بها بمعجزة.. هو رجل مكافح من الذين يعودون للبيت ببطيخة والعرق يغمر تحت إبطهم، وكان يقول عن أمه (أمي) وليس (ماما) أو (مامي)، وكانت له قرية يرتبط بها كثيرًا. كان حسن مدرسًا للأحياء وقد قضى حياة شريفة من الكفاح.. وله تلاميذ محبون. أما زوجته نوال فكانت مديرًا في وزارة التعليم، وقد زادها هذا غرورًا لأنها أعلى منصبًا من زوجها.

في سن التقاعد انتقلا ليعيشا في ضاحية بعيدة من المدن الجديدة، وهي حياة أقرب إلى العزلة التامة. الابنة في الخارج.. في كندا بالذات مع زوجها. الابن محاسب يعمل في الإسكندرية وهو مقل في زياراته جدًا. فقد الزوجان أملهما في أحفاد يملئون البيت ويجعلون الفصل الأخير من حياتهما ممتعًا. الأحفاد مخدر جميل آخر يحفظ العلاقات الزوجية. أحيانًا تستعين الزوجة بفتاة بائسة تقوم بتنظيف البيت وشراء الخضر واللحم من السوق، ثم تشاجرتْ معها – بسبب حدة طبعها – واتهمتها بالإهمال والقذارة وانعدام الأمانة.. وطردتها شر طردة.

«هؤلاء الخادمات لعنة كارثية!»

قالتها في قرف وهي تدخل المطبخ لتكمل الطبخة التي بدأتها الفتاة ولم تكملها.

مع الوقت تعلم حسن أنه من الخير ألا يتكلم إلا فيما ندر. مع الوقت صار الكلام بينهما شحيحًا حتى أن لسانه كان يتعثر في نطق بعض الكلمات لأنه قد يمر يوم أو اثنان دون أن ينطق بكلمة واحدة، وكان هناك مقهى قريب اعتاد أن يتردد عليه.. هناك يشرب قدح قهوة ويدخن الشيشة ويحاول أن يستعمل تلك النعمة التي أعطاها الله له : اللسان. لم يكن يتابع الكرة لكنه تظاهر بأنه زملكاوي متعصب فقط من أجل الجدل.. لم يكن يهتم بالسياسة لكنه راح يتظاهر بأنه معارض صلب من أجل الجدل.. لم يكن يحب لعب الطاولة لكنه علمها لنفسه.

كان يرفض فكرة الطلاق.. لم يعد هناك متسع من الوقت لعمل ذلك. يكفي أن يتجنب لدغاتها ولسانها السليط، ويحاول ألا يشتبك معها في الكلام، وهو يعرف باقي القصة: ذات يوم سوف تجده جالسًا في مقعده في الصالة فتناديه فلا يرد.. تهزه فتكتشف أنه أسلم الروح بنوبة قلبية. ستكون هذه أسعد لحظة في حياتيهما معًا.. إنها تستحق حياة الوحدة والملل.

في الأمسيات الكئيبة – وكل أمسياتهما كئيبة – يجلسان أمام التلفزيون صامتين يشاهدان فيض الصور الملونة، ومن حين لآخر تقول عبارة على غرار:
«عاهرات!.. كلهن عاهرات!»

أو:
«إن الأوغاد في كل مكان اليوم.»

فيغمغم موافقًا.. بينما تمد هي يدها لعلبة التبغ (السوبر) فتشعل لفافة وتضع ساقًا على ساق وهي تسحب نفسًا عميقًا.. لقد تعلمت التدخين بعد سن التقاعد، وهو كان يمقت التبغ ورائحته، لكنه شعر بأن هذا يتفق مع شخصيتها. لابد من اكتمال الصورة. ينظر لوجهها المجعد وشفتيها القاسيتين المزمومتين وهالة الشعر الأشيب وزجاج النظارة الذي تنعكس عليه الأضواء. عندها كان يشعر كأن هذه المرأة هي الموت.

لم تكن صحته على ما يرام. ارتفاع ضغط الدم كان شديدًا وقد أخبره الطبيب أن عليه أن يفعل شيئًا بسرعة. اضطر لخفض وزنه وقلل الملح في الطعام وراح يبلع ترسانة كاملة من غالقات قنوات الكالسيوم وغالقات البيتا. لكن جسده لم يعد يعمل جيدًا.. كان يدرك هذا ويفهمه.. ومع الوقت لم يعد يذهب للمقهى كثيرًا، لأن صعود وهبوط الدرج لم يعد مريحًا… كان يقف أسفل الدرج ويتنهد وهو يفكر في عدد الدرجات التي عليه أن يصعدها. ثم يتوكل على الله ويرفع قدمه.

أما الزوجة فكانت صحتها ممتازة، لكنه بدأ يدرك أن عقلها ليس على ما يرام.

كيف عرف هذا؟

كانت لا تكف عن الحديث عن الجان والعفاريت.. صارت تراهم في كل مكان من الشقة، وتتحدث عن أنها تراهم في كل ركن وأنهم يتواجدون معها في الحمام. كانت تنثر الملح في البيت في أوقات معينة.. وكانت مولعة بالبخور إلى حد كبير.  أي أن رائحة البيت كانت خليطًا من السجائر والبخور.

أم عزيزة كانت هي المعلم الخصوصي للسحر الذي يزور المرأة بانتظام. سيدة ريفية مدثرة في ثياب سود ولها نظرة ثاقبة شريرة، وكانت تزور الزوجة بانتظام كل أسبوع تقريبًا حيث تمضي معها بضع ساعات.. تشربان القهوة ثم تقلب القدح لتقرأ البخت لنوال. وعندما يعود من المقهى كانت أم عزيزة ترخي الطرحة على وجهها وتعلن أنها أطالت الزيارة وعزيزة وحدها في البيت.

لم يحاول أن يسأل نوال عن هذه المرأة لكنه قدر أنها هي التي علمت زوجته السحر، وكان للمرأة حضور غير مريح موجس كريه. ذات ليلة قال لنوال بشكل عابر إنه لا يرتاح لتلك المرأة.

«سيدة مسنة مثلك وتعيش هي وزوجها وحيدين.. ألا يبدو الأمر كبداية ممتازة لقصة في صفحة الحوادث؟»

قالت في سخرية:
«وهل تعتقد أن أم عزيزة ستقتلنا وتسرق البيت؟»

ـ«ليس أم عزيزة لكن زوجها.. وهو على الأرجح مدمن مخدرات لا يتورع عن شيء.. »

قالت في عصبية وهي تشعل لفافة تبغ أخرى:
ـ«لست طفلة صغيرة.. أعرف كيف أعنى بأموري»

وكانت هذه هي نهاية المحادثة، لكنه كان يشعر بأنه زوجته تقع تدريجيًا تحت تأثير أم عزيزة.. وكانت المرأة تحضر لها أشياء غامضة في لفافات كانت نوال تخفيها في حرص. كان هو يتخيل ما يمكن أن يكون هناك.. لابد أن ضمن هذه الأشياء تراب مقابر.. لا يتم أي سحر حقيقي من دون تراب مقابر.

كان يشعر بقلق من اضطراره للحياة مع امرأة متسلطة عصبية، ثم – والأدهى – مجنونة.

الأمر يتشكل ببطء.. في البداية يشعر بأنها تغيرت.. ثم يشعر بأنها تسوء.. ثم يفيق ذات يوم ليجد امرأة يسيل اللعاب من فمها ومنكوشة الشعر.. عندها يفطن للحقيقة: هي مجنونة تمامًا.

كان مستعدًا لتقبل حياته بهذا الشكل، إلى أن جاء اليوم الذي دخل فيه الحمام بعدها. ثمة شيء مريب هنا. ثم فطن إلى أنه يعرف هذا الشيء.. لبن!.. لقد نفذت زوجته كتاب السحر حرفيًا فاستحمت باللبن!

يُتبع