قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Wednesday, December 13, 2017

علاقات زوجية - 4



spc

رسوم الفنان طارق عزام

موعد حساء لسان العصفور.. في طفولته كان يعتقد أن هذه ألسنة ألف عصفور تم تعذيبه واقتلاع لسانه. وكانت الفكرة تثير ذعره. اليوم يشعر بالرعب ذاته ونوال تدس الملعقة في فمه..

بعد الأكل دست الأقراص التي يتعاطاها بين شفتيه مع رشفة ماء. لربما أعطته نفس القرص مرتين أو أغفلت قرصًا، ثم من قال إن العلاج الذي كان يتعاطاه ما زال صالحًا؟

سال الدمع من عينيه حارًا ثخينًا وصرخ:
«أريد طبيبًا!.. أريد المستشفى!»

لكن الصوت خرج منه غير مفهوم.. كل الحروف مدغمة، وقد بدا بعض التأثر على ملامح المرأة ومصمصت بشفتيها، وقالت:
ـ«لا أفهم حرفًا.. حاول أن تهدأ.. مسكين!»

وعندما يتوغل الليل كانت تحضر مقعدًا وحزمة خيوط الكانافاه.. ثم تجلس بقربه معتقدة أنها تبعث الدفء العائلي في الجلسة. وكان هذا مزعجًا لكنه أرحم قليلاً من تلك الليلة السوداء التي راحت فيها تتصل بالأرواح.

تجلس على بعد متر منه تنسج. والحقيقة أنها كانت تجيد الكانافاه فعلاً فكانت تصنع لوحات ضخمة متقنة. الجنون لا يرتبط بانعدام الموهبة..

كنت تقول له بنفس النغمة الرتيبة كل ليلة:
«عندما ذهب الخادم ليسجل اسمي في مكتب الصحة، خجل من أن يسميني (نوال) هكذا، فقال للموظف إن اسمي نوال هانم. كنت مولودة وفي فمي ملعقة من ذهب.. درست في مدرسة (…) حيث صارت الفرنسية تتدفق على شفتي. ولا أذكر يومًا لم تأت السيارة لتقلني من وإلى المدرسة.. قالت لي أمي إنني سأتزوج ملكًا أو أميرًا. عندما تقدمت لي وأنت من أسرة فقيرة خطر لي أن الأمر سيكون رومانسيًا، وإنك نموذج الشاب المكافح الذي يشق طريقه إلى القمة كما يحدث في الأفلام. كنت صاحب عينين حزينتين شفافتين وكلمات منتقاة بعناية. وقد قالت أمي إنك لا تصلح.. قال أبي إنك لا تصلح.. لكني أصررت على رأيي، واعتقدت أنني سأكون سعيدة مع شخص أكافح معه»

ثم تنفث سحابة دخان كثيفة وتردف:
«صرت أنا مديرة مهمة في التربية والتعليم، بينما ظللت أنت تتعثر كمدرس.. تحاول ان تصنع مالاً من الدروس الخصوصية. كنت تكافح لكنك لا تملك مؤهلات النجاح.. قبل أن أتساءل عما إذا كنت قد أحسنت الاختيار كان الأولاد قد أتوا.. نرمين وعماد.. وانهمكت في لعب دور الأم المخلصة ونسيت نفسي أعوامًا طويلة.. غيبوبة عشت فيها 35 عامًا إلى أن تزوج الجميع وخلا المسرح من المتفرجين. عندها أدركت الحقيقة: أنا أسأت الاختيار»

نظر لها في رعب.. إلام تفضي هذه المقدمة إذن؟ ماذا تحاول قوله؟

رأت الرعب في عينه فقالت وهي تسعل:
«لا تخف.. ليس معنى أنك لم تكن مناسبًا أنني أكرهك. سوف أعنى بك كأي زوجة محترمة يمرض زوجها، أنا بنت أصول ولسوف أريك معنى هذا..»

كانت العبارة الأخيرة مخيفة ولا تبعث الراحة في النفس. ثمة عبارات لها تلميحات غامضة..

كانت تحلم:
«عندما ولدت نرمين.. شعرت بأنني مستعدة كي أتصالح مع العالم.. كانت أقرب لدمية صغيرة جميلة، وقد شعرت بامتنان لك لأنك منحتني إياها.. أعتقد أنني قضيت أسعد 28 عامًا في حياتي لوجود هذه الدمية معي. كان عماد مختلفًا.. كان أقرب إلى الحرص على مصلحته وقد قلت لي مرارًا إنك تعرف أن علاقته بنا ستنتهي عند زواجه.. الواقع أن هذا كان صحيحًا. يعطيني عماد دومًا الشعور بأنه مشغول جدًا ولا وقت لديه لكلام البنوة الفارغ. كان المرء متأهبًا ليبدأ حياة جديدة بعد رحيل الطفلين.. لكن الأمر يذكرني بدعابة الأحمق الذي كان يتدرب على الهبوط بالمظلة. قيل له اجذب الخيط لتنفتح المظلة على ارتفاع 300 متر، ولكنه نسي.. نسي فلم يتذكر إلا على ارتفاع 25 مترًا. قال لنفسه: لا مشكلة.. سوف أثب هذه الأمتار القليلة!..»

وراحت تضحك والسعال يشخشخ في صدرها.. كل لفافات التبغ بالداخل تريد التحرر، ثم قالت:
«هذا ما حدث معي.. قلت لنفسي إن ما بقى فترة قصيرة جدًا.. فلأتحملها إذن..»

ثم قطعت خيط الكانافاه وقالت:
«لكن الفرصة اليوم قد جاءتني لأعنى بك.. لأقدمن لك خدمة العمر.. لسوف تحمد الله على أنني زوجتك»

ودفنت لفافة التبغ في المطفأة ثم نهضت تاركة رائحة الغرفة خلفها لا تطاق..

******

جرس الباب يدق في إلحاح…

ثم صوت زوجته تصيح:
«أنا قادمة»

تدفع شحوم جسدها وتقود ردفيها نحو الباب وهي تلهث كديناصور من العصر الباليوزي. يمكنه أن يراها تمشي كبطة بسبب آلام قدميها. يسمع صوت الباب ينفتح.. هذا حادث فريد من نوعه لأن أحدًا لم يعد يزورهم، ونوال تنزل مرة كل أسبوع لتبتاع حاجيات البيت بعد ما طردت (مقصوفة الرقبة)..

صوت الباب ينفتح، ثم صوت مألوف يقول:
«هل أستاذ حسن بخير؟»

أنا هنا يا رجائي.. رجائي المحامي الأصلع العزيز…

صوت نوال:
«هو في الإسكندرية مع ابنه منذ فترة»

«لقد كف عن المجيء للمقهى منذ فترة. هاتفه غير متاح أو مغلق.. لم تكن هناك طريقة للاطمئنان عليه، وقد طلب مني الرفاق أن أطمئن عليه..»

صوت نوال:
«الحمد لله هو بخير.. زيارة مفاجئة، لكن ابنه أصر على استبقائه»

بدأ حسن يزوم بصوت عال.. راح يضرب الفراش برأسه ويصرخ.. الغوث!… أنا هنا يا رجائي.. تعال لتنقذني!.. خذني إلى المستشفى. مد يده السليمة.. بصعوبة استطاع أن يلمس الكوب.. رفع ذراعه ثم ألقى به بقوة.. اصطدم بالجدار فتهشم إلى عشرات القطع. لا شك أن الصوت كان عاليًا جدًا…

صوت رجائي:
«هل هناك أحد هنا؟»

قالت نوال في لهجة عابرة:
«لا شيء.. إنه القط قد أسقط كوبًا بلا شك»

«هل لديكما قط؟»

ضحكت ولم تعلق.. ثم عادت تسأل بصوتها الخشن:
«لم لا تتفضل بعض الوقت؟»

كانت (عزومة مراكبية) طبعًا، فشكرها بحرارة وارتباك وانصرف.. وسمع حسن الباب ينغلق. هذا باب أمل يغلق، فالرجل اطمأن على صاحبه ولن يرجع. لن تكون هناك محاولات أخرى قبل شهر.

ظهرت نوال على باب الغرفة.. نظرت له حيث رقد على الفراش، ثم اختفت وعادت حاملة مكنسة وجاروفًا.. وراحت في صبر تجمع بقايا الكوب المهشم من على الأرض.. لم تقل شيئًا ولم تلمه.. رباه!.. لم تقل شيئًا ولم تلمه.. هذه المرأة تزداد خبالاً..

صحا من النوم.. لعلها كانت الثالثة بعد منتصف الليل. كان غارقًا في العرق يلهث..

حرك ذراعه اليمنى وثنى أصابعه.. استغرق لحظة ليدرك أنه حرك أجزاء مشلولة من جسده!.. إنه يتحسن!.. لعل النزف ينحسر أو لعل أوعية جديدة تغزو الجلطة. ما زال واهنًا تمامًا، لكنه مع التمرين اليومي يمكن أن يتحسن أكثر.

لم يرد أن يخبرها… هو يخشاها كالجحيم. من الأفضل أن يبقي ورقة في كمه.

لكنه لم يعرف أنها بدورها تخفي أوراقًا كثيرة في كمها.

يُتبع