قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Tuesday, December 19, 2017

علاقات زوجية - 5 - اﻷخيرة



spc


كان يخشى أن يجرب صوته فتسمعه.. فضل الصمت وإصدار صوت خرير.. لا يضمن ما سيحدث لو اكتشفت أنه صار قادرًا على نطق الحروف. لكن هل هو قادر فعلاً؟  لا يدري.

يقضي الوقت في الظلام يفتح ويغلق أنامل يده اليمنى محاولاً الحفاظ على هذه الهبة التي ظفر بها.. وراح يثني الرسغ ثم يحاول فتحه باليد اليسرى.. يثني الساعد ثم يحاول فتحه. أربع وعشرون ساعة من التمرين..

لا شك أنه بدأ يتحسن.. لكن ماذا لو صارحها بذلك ؟ لا شك أنها ستزيد القيود عليه.

عليه أن يختزن قواه ويتأهب للحظة المناسبة..

هناك كان أبوه المتوفى يقف جوار الفراش يهز رأسه في أسى وينفث دخان التبغ:
«لشد ما آذتك يا بني.. تلك الشمطاء لم تكن مناسبة لك كما قلت لك»

تقول الأم وهي تستند إلى العكاز:
«أنت لم تصدق أن فتاة أرستقراطية كهذه معجبة بك.. أصررت على أن تتزوجها وكان عليك أن تدفع الثمن. لعلك لم تجرب السعادة يومًا واحدًا في حياتك»

يدنو أبوه من الفراش وينحني ليجثو على ركبتيه ويلقي نظرة، ثم يقول في أسى:
«هي كذلك تتسم بالقذارة.. لم تنظف ما تحت الفراش من فترة، والآن أرى أن ثعبانًا يلتف هناك!»

يصرخ حسن في جزع:
«أنت تبالغ يا أبي.. مستحيل أن يكون هذا حقيقيًا»

يقول الأب في حكمة:
«لو أن بوسعك أن تزحف تحت الفراش لرأيت ما أعنيه.. على كل حال من الواضح أنه ليس ثعبانًا سامًا. هي فقط تمارس طقسًا سحريًا ما»

قالت الأم في شفقة:
«هناك وطواط ميت في خزانة الثياب.. الواقع أنك تعيش في وكر ساحرة يا بني. والمشكلة هي أنك غير قادر على الهرب!»

ثعبان!.. هل هي هلوسة أم أن هذا حقيقي. زحف إلى حافة الفراش وتحامل على نفسه ليلقي نظرة.. هناك من تحت الفراش رأى الشيء الاسطواني البشع يزحف بشكل بطيء شرير.. أصابته حالة هستيريا فراح يصرخ.. يصرخ بصوت رفيع كأنه فتاة مراهقة.. إن هذا صحيح.. رباه!.. إن هذا صحيح!.. رباه.. أبوه على حق..

ومن مكان ما ظهرت نوال زاحفة كالديناصور.. تجر ردفيها الهائلين والسيجارة بين شفتيها. وقفت على الباب تحاول الفهم بينما هو يكرر في جنون:
«ثع.. ثع.. ثعبان!»

قالت بلهجة باردة:
«أنت صرت مخرفًا بالكامل»

ودنت من الفراش ووقفت ترمقه للحظة، ثم أنها انحنت ورفعت طرف الملاءة.. لم يعد هناك شيء على الأرض.. اختفى الجسم الاسطواني.  قالت له:
«ثعبان؟.. أين هو؟»

الواقع أنه لا يوجد شيء.. لكنه كان متأكدًا من أن حواسه لم تبلغ هذه الدرجة من الهذيان..

ابتعدت بعض الوقت، ثم أنها عادت للغرفة.. كانت تحمل إناء من البلاستيك و.. وسكينًا..  ومنشفة…. راح يرمقها بعينين خرساوين، بينما كانت هي تضع المنشفة تحت رأسه وتحكم وضعها بحيث لا تتسخ الوسادة.. كانت تلهث من الجهد.. قالت له وهي تجلس على حافة الفراش:
«فيما مضى كنا نلجأ إلى الصفد.. كان هناك حلاق صحة في كل حي، لديه مرطبان مليء بالعلق.. وكان يستخدم هذا العلق في امتصاص الدم الفاسد.. ثم مع الوقت عرفنا الحجامة.. إنها علاج شعبي معروف ومفيد»

فتح فمه معترضًا، لكنها كانت قد وضعت الوعاء البلاستيكي تحت رأسه كأنها ستنحره.. حاول المقاومة فثبتت رأسه بيدها الخشنة، ثم أنها هوت بطرف السكين الحادة على جانب صدغه..
«الحجامة.. سوف تريحك حقًا!»

راح يئن بينما هي تحدث جرحًا.. جرحين… ثلاثة جروح متوازية.. ينهمر الدم ليملأ الوعاء..

«هذا كله دم فاسد…»

في النهاية راحت تكبس الجروح بقطعة شاش قوية الرائحة. أدرك أن هذه رائحة بن.. البن يوقف النزف حسب الاعتقاد الشعبي، ثم أنها بدأت تضميد موضع الجروح وألصقت لكثير من البلاستر ثم حملت الوعاء..

«غدًا نكرر العلاج!»

ظل راقدًا وحده في الظلام يقاوم الألم الكاسح الذي يمزق جبهته. يرتجف من الداخل بلا توقف. هنا دنا أبوه من الفراش ووضع يده الباردة على جبينه.. قال له:
«لم يعد هناك سوى حل واحد»

«وما هو؟»

«نوال يجب أن تموت»

قال حسن وهو يضغط على أسنانه ألمًا:
«أولاً لا أستطيع أن أفعل.. ثانيًا من يعنى بي لو ماتت؟ هي تطعمني وتبدل ثيابي»

«لربما كان الموت من دونها أسهل وأقل تعذيبًا»

لم يستطع أن يواصل المحادثة لأنه فقد وعيه من شدة الألم.. غيبوبة لها رائحة البن والدم معًا…

عندما فتح عينه استطاع أن يرى ذلك الشيء على الجدار.. يمشي على خزانة الثياب في رشاقة غير مبال بقوانين الجاذبية.. إنه فأر! لم يستطع أن يفهم إن كان هذا فأرًا متسللاً أم أن المرأة هي التي أتت به. لا داعي للصراخ فهي سوف تؤكد أنه لا يوجد أي فأر هنا..

ثمة شيء في الضوء الخافت في مجال عينه..

التفت ليلقي نظرة.. أدرك أن هذا الشيء هو سكين الفاكهة موضوعة على الكومود الأيمن. سكين مدببة جميلة المنظر. بصعوبة راح يسند يده اليمنى باليسرى إلى أن تمكن من أن يوجهها.. تحررت يده اليمنى ثم بدأت تزحف إلى السكين.. في النهاية أطبقت يده عليها. ناولتها يده اليمنى ليده اليسرى وبعد جهد جهيد استطاع أن يضعها تحت الوسادة..

الصباح:

كانت قد جاءت حاملة حساء لسان العصفور.. أجلسته في الفراش ثم بدأت تدس الملعقة بين شفتيه..

«هل تعرف يا حسن؟ أنا فعلأً أميل لك بوضعك الحالي.. عديم القوة تعتمد بالكامل علي. أشعر بأنك طفل رضيع وهذا الشعور يروق لي.. أتمنى ألا تشفى أبدًا»

قالتها ولم تضحك.. وجففت الطعام عن شفتيه ولم تنتظر كي يبلع بل دست ملعقة أخرى، ثم قالت:
«أنت تتحسن بفضل الحجامة.. اليوم سوف آخذ المزيد من الدم..»

كانت هذه هي اللحظة.. مد يده تحت الوسادة.. أطبق على السكين. انقض على عنق المرأة وقد قرر أنه لا مجال للتردد.. لو لم تمت فهو ميت.. انغرست السكين في عنقها فنظرت له بغباء. أخرج السكين بصعوبة وغرسها من جديد. أنشبت نوال مخالبها في عنقه وجحظت عيناها غضبًا.. لكن فاتها الوقت كي تتجنب طعنة ثالثة..

سرعان ما تهاوت لتسقط على الأرض وسط بركة من الدم.. أطلقت بعض الضوضاء ثم همدت تمامًا..

تحامل على نفسه حتى سقط من فوق الفراش فوق جسدها البدين.. ثم بدأ يزحف نحو الباب.. لابد أنه زحف ربع ساعة نحو باب الشقة. يجب أن يفتح باب الشقة بأي طريقة لكن كيف؟… كيف يرتفع إلى مستوى المقبض؟ لا يوجد مزلاج لكن هذا لم يحل المشكلة…

هناك رقد خلف الباب يوجه له اللكمات بيده اليسرى ويصرخ….

لابد أنه فقد الوعي للحظات..

عندما فتح عينيه من جديد أدرك أنه في مأزق خطير. سوف يموت جوعًا بالتأكيد.. لربما كانت هذه غلطة عمره لكنه لن يندم عليها أبدًا….

سمع صوت مفتاح يدور في الباب فتراجع للخلف في لهفة… هذا شخص يملك مفتاح الشقة..

انفتح الباب وظهر ابنه ينظر لأبيه الراقد على الأرض في دهشة.. لقد عاد من الإسكندرية..

«بابا.. ماذا حدث؟»

لكن الأب لم يجب لأنه فقد وعيه ثانية.

تمت