قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Saturday, December 2, 2017

من فعلها مع كنيدي؟



spc

قتل كنيدي في 22 فبراير... أي في هذا الشهر بالذات ولهذا تذكرنا هذه القصة والفيلم الذي قدم عنها.. 


ثمة ألغاز يمر الزمن ويبدو أنه لا حل لها على الإطلاق. بعضها ميتافيزيقي مثل الحياة بعد الموت وتوارد الخواطر.. إلخ، وبعضها سياسي مثل من الذي فجر برجي مركز التجارة حقًا، ومن الذي قتل سعد الحريري ومارلين مونرو وسعاد حسني، ومن الذي قتل الرئيس الأمريكي (جون فيتزجيرالد كنيدي)؟

المشكلة  أن الزمن يمر فيزيد هذه الألغاز تعقيدًا، بينما يظهر جيش من المدعين الذين يزعم كل منهم أن الحقيقة كاملة عنده، وتظهر مئات الكتب التي تفند بعضها، وفي النهاية تدرك أنك لا تعرف شيئًا على الإطلاق. مصرع (كنيدي) – أو (جى إف كي) – من الحوادث التي ينطبق عليها هذا الكلام حرفيًا، فبعد خمسة وأربعين عامًا تتصادم الرواية الرسمية التي أقرتها لجنة (وارين) مع الرواية المنطقية التي تعتمد على نظرية المؤامرة والتي ظهرت في عشرات الكتب.

فيلم (جى إف كي) الذي قدمه عام 1991 المخرج المشاغب المزعج (أوليفر ستون) وقام ببطولته حشد من نجوم السينما الأمريكية نذكر منهم فقط (كيفين كوستنر) و(تومي لي جونز) و(جاك ليمون) و(جون بيشي) و(ووالتر ماتاو) و(دونالد سوذرلاند) و(جاري أولدمان). هذا الفيلم يتبنى بقوة نظرية المؤامرة ويرى أن مصرع كنيدي يمثل أكبر مؤامرة مخابرات عرفها العالم. فقط لو اتضح أن أحداث سبتمبر مدبرة بعلم المخابرات يمكن أن تتراجع هذه المؤامرة للمرتبة الثانية. شاهد تريلر الفيلم هنا.

أولاً من هو كنيدي؟.. الرئيس الأمريكي الشاب الوسيم المفعم بالحيوية، والذي كان يفخر بأنه أول رئيس أمريكي يولد في القرن العشرين (من سبقوه ولدوا في القرن التاسع عشر). تولى منصبه عام 1961 في سن الثالثة والأربعين بعد ما دارت بينه و(نيكسون) نائب الرئيس مناظرة تلفزيونية شهيرة جعلته يكسب الانتخابات، وكان يمثل الحزب الديمقراطي.

كان يدعو للسلام العالمي لكنه اصطدم بقصة الصواريخ الكوبية وعملية خليج الخنازير الشهيرة، حيث قامت المخابرات المركزية بتسليح وتدريب مجموعة من المتمردين الكوبيين وأنزلتهم على خليج الخنازير، بغرض قيادة تمرد على حكم كاسترو. كانت مغامرة بائسة وقد أبيد هؤلاء بسهولة..

باختصار.. كانت فترة حكمه هي ذروة ما يمكن تسميته بالحرب الباردة، ولم تكن ظروف العالم مطمئنة حتى إن نذر الحرب النووية ظهرت في الأفق أكثر من مرة.. 


اغتيل كنيدي في 22 نوفمبر عام 1963 في دالاس، وهو ينطلق في الشوارع بسيارة مسرعة ومعه حاكم تكساس وزوجته الحسناء جاكلين.

قال تحقيق وارين إن أوزوالد أطلق رصاصتين على الرئيس، ثم أخفى البندقية تحت بعض الصناديق ثم فر عبر السلم الخلفي، قبل أن يحاصر رجال الشرطة البناية.  


لم يقبض على أزوالد في مكان الجريمة، وإنما فقد أعصابه في ذات المساء في الشارع عندما أراد ضابط شرطة أن يسأله عن شيء فقتله، وكان هذا أمام شاهدين. فر إلى دار السينما ودخلها من دون أن يدفع تذكرة، لذا طلب مدير السينما الشرطة. حاول أن يطلق الرصاص عليهم لكن زناد المسدس انحشر، وهكذا سقط في قبضتهم. ثم اشتبه رجال الشرطة في علاقته بمقتل كنيدي. أنكر الرجل أية علاقة له بالاغتيال، وراح يردد إن رجال الشرطة يتحرشون به لأنه عاش في الاتحاد السوفييتي فترة. وبعد يومين كان يخرج وسط رجال الشرطة من قيادة شرطة دالاس عندما خرج من الزحام من يدعى (جاك روبي) وأفرغ مسدسه فيه ليموت في الحال أمام عدسات التلفزيون. فيما بعد زعم (روبي) أنه قتله كي يوفر على الأرملة الحزينة (جاكلين كنيدي) حضور إجراءات المحاكمة القاسية. 


أثبت تحقيق شرطة دالاس أن الرصاص جاء من بندقية قناص أطلقها أوزوالد من الطابق السادس من مخزن كتب. جرح الرصاص كذلك حاكم تكساس كونالي وواحدًا من المشاهدين هو جيمس تاج. إن أوزوالد لم يحاكم قط، لكن برامج تلفزيونية كثيرة قامت بمحاكمته ومنها محاكمات رمزية تم فيها تبادل الاتهامات والنظريات.

هناك أفلام كثيرة التقطت للاغتيال لكن أكملها والفيلم الملون الذي أخفاه البوليس طويلاً، هو فيلم (زابرودر) الذي التقطه أحد الهواة من موقع ممتاز، ويظهر بوضوح اختراق الطلقات للرئيس. شاهد الكليب هنا

لجنة وارين الشهيرة هي التي أجرت التحقيقات وقالت إن لي هارفي أوزوالد هو وحده مرتكب الجريمة، وتعرف هذه بـ (نظرية القناص الوحيد)، فلماذا فعل أوزوالد ذلك في رأيها؟

ترى اللجنة أن أوزوالد لم يستطع التكيف مع المجتمع قط.. كان يكره المجتمع الأمريكي ويصبو إلى أن يحتل مكانة مهمة في التاريخ. كان شيوعيًا وقد زار الاتحاد السوفييتي لذا كانت لديه أسباب كافية كي يكره أمريكا ورئيسها.

بينما رأت لجنة أخرى عام 1979 أن هناك مؤامرة كبرى ربما كان أوزوالد طرفًا فيها. اعتمدت هذه اللجنة على دراسة المقذوفات واتجاهها.. وآمنت أن هناك من أطلق الطلقة الثانية من الأمام في ذات الوقت الذي أطلق فيه أوزوالد طلقته.

نعود للفيلم السينمائي..

الفيلم يعرض القصة من خلال (جيم جاريسون) المدعي العام لنيو أورليانز - يلعب دوره كيفين كوستنر- وهو شخصية حقيقية حاربت تقرير وارين بإصرار. والفيلم بني على كتاب له اسمه (في محاكمة السفاحين). الفيلم تبنى نظرية المؤامرة بحماس شديد لدرجة اتهام (جونسون) الرئيس الأمريكي خليفة كنيدي بالمشاركة في مؤامرة الاغتيال. 


جيم جاريسون استصدر حكمًا للحصول على فيلم (زابرودر) الشهير الذي اشترته مجلة (تايم). ورأى ما يثبت أن (أوزوالد) شوهد مع أحد المتهمين في المؤامرة قبل الاغتيال.. قرأ (جيم جاريسون) تقرير (وارين) ووجد فيه عدم دقة واضحة، هكذا قرر أن يعيد التحقيق بنفسه مع فريق كونه وبدأ التحقيق عام 1966. تكتمل شكوكه بعد لقاء رجل غامض يدعى X يبدو أنه من المخابرات المركزية، يقول له إن هناك مؤامرة عالية المستوى تعاونت فيها المافيا مع المخابرات المركزية ومكتب الاستخبارات الفيدرالي FBI. سبب قتل الرئيس هو رغبته في إخراج الجيش الأمريكي من فيتنام وتقليل حجم المخابرات المركزية، لذا تآمرت هذه الدولة داخل الدولة على التخلص منه. ويقترح استجواب رجل أعمال شهيرا اسمه (كلاي شو) له دور كبير في عملية الاغتيال.

يتزايد الضغط على جاريسون ليوقف التحقيق.. تتلقى ابنته مكالمات تهديد، وتقوم حملات صحفية ضده تتهمه بتبديد مال دافعي الضرائب، ويقتل أحد شهوده .. لكنه يصر على الاستمرار بعناد..

تجرى المحاكمة لكلاي شو ويقدم جاريسون مرافعة قوية جدًا يلقي فيها ما في جعبته من شكوك، لكن المحلفين لا يقتنعون بدور (كلاي شو) في اغتيال كنيدي، ويتم إطلاق سراحه. وينتهي الفيلم بأن يخبرنا بأن الوثائق سوف تخرج للنور عام 2019 حيث تعرف الحقيقة كاملة!! 


أخرج الفيلم المخرج المثير للجدل (أوليفر ستون)، وكانت في ذهنه منذ البداية تجربة فيلمي (زد) و(راشمون) حيث يرى المشاهد القصة بأكثر من طريقة مع كل شاهد يحكيها بطريقته. والحقيقة أن كاتب السيناريو قرأ مائتي كتاب عن الواقعة. المشكلة أن السيناريو تضخم جدًا ليقارب 190 صفحة وهو ما يقارب 4 ساعات ونصفًا على الشاشة، واضطر ستون إلى اختصاره إلى 140 صفحة.

هوجم الفيلم بعنف حتى قبل عرضه، وتكرر ما حدث مع جاريسون نفسه، فقد تلقى (ستون) تهديدات بالقتل.. وقال أحد النقاد عنه: "(ستون) رجل يملك موهبة تقنية، والقليل من التعليم، وقدرًا ضئيلاً جدًا من الضمير".

لقد أثار غيظهم أن الفيلم يؤكد أن الحكومة الأمريكية لا يمكن الثقة بها، دعك من قيام الفيلم بإخفاء بعض الحقائق وتضخيم بعضها.. لكن الفيلم نجح نجاحًا ساحقًا فنيًا وماليًا، وبرغم أنه لم يقدم إجابات بل اكتفى بطرح أسئلة لا تنتهي، إلا أن كثيرين يرون أنه المحاولة الأولى لنفض جبل من أكاذيب آلة الدعاية الأمريكية. وربما تعرف الأجيال القادمة الحقيقة، مع من سيكون حيًا منا عام 2019، وربما تظل مجهولة للأبد!