قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Thursday, February 22, 2018

النغمات الخمس



spc

لقاء جمع بين عبد الفتاح السيسي وبنيامين نتنياهو في نيويورك

عندما يصير كل شيء على ما يرام في الجانب المظلم من القمر، فلتعزفوا النغمات الخمس.
(من فيلم لقاءات لصيقة من النوع الثالث)

أرسل لي أحد القراء الأذكياء يقول إنه لاحظ أن مقالاتي انفصلت عن الواقع مؤخرًا، ولم تعد تتابع الأحداث المعاصرة البتة. أعترف أن هذا صحيح.. لقد تعبت جدًا من كثرة الكلام، خاصة أنني لم أتوقف منذ عام 2006 تقريبًا عندما بدأت كتابة مقالات الرأي. لكني لا أريد التوقف الآن. ما زلت أشعر أن لدي ما يُقال، وترك مكانك يعني غالبًا أنك لن تقدر على العودة له فيما بعد. لهذا رحت أجول في الجوار بعيدًا عن السياسة، دعك من أن عصبية النظام بلغت الذروة وعليك أن تأخذ الحذر في كلامك، فرءوس الذئاب الطائرة تتناثر حولنا في كل صوب.

منذ بدأت الكتابة وأنا لا أكف عن الشكوى وانتقاد أوضاع لا تروق لي، وفي كل مرة لا شيء يتغير أبدًا.. أنت تتكلم في اتجاه والحكومات تمشي في اتجاه آخر. أنت تنذر.. تشكو.. تتهم.. تحذر.. تتوقع.. لكن ليس هناك من يهتم بما تقول. أنت تكتب لتسلي نفسك أو لتخرج البخار الغاضب لا أكثر.

على طريقة فيلم (لقاءات لصيقة من النوع الثالث)، نلاحظ خمس نغمات قهرية تتكرر بشكل واضح وازدادت صخبًا هذا الأسبوع بالذات:-

النغمة الأولى هي مصلحة إسرائيل: بعد ما حسبنا أننا نسبح فوق بحيرة من الغاز كما بشرنا الإعلام، وكما أكد لي مهندس بترول خريج الجامعة الأمريكية. وبعد كل ما قيل عن حقل ظهر، يتضح أننا سنشتري الغاز من إسرائيل. فهل حقل ظهر فنكوش آخر مثل علاج الكفتة؟

قبل هذا كنا نصدر الغاز لإسرائيل بملاليم.. اليوم نشتري منهم الغاز بسعر  باهظ. لا يمكنك أن تفهم أي شيء. فقط لا أنسى الفرحة والنشوة في عيني نتنياهو وهو يتكلم عن الـ15 مليار دولار التي ستصب في الاقتصاد الإسرائيلي فتنعش الصحة والتعليم. ترى حب إسرائيل في عينيه. اليوم عيد لإسرائيل.. يا رب كتر أعيادنا. نفس نظرة ترامب وهو يتكلم عن المنحة السعودية فيقول: «وظائف.. وظائف.. وظائف للأمريكيين». هؤلاء هم الرؤساء الذين لا يرون سوى مصلحة شعوبهم، ولو استطاعوا اقتطاف نجمة من السماء لمواطنيهم لفعلوا. هنيئًا لك شارون وبن جوريون ونتنياهو يا إسرائيل. بدا الإعلام النفاقي المصري في غاية الارتباك وراح يفسر كل هذا – كالعادة – بأنها ضربة معلم ذكية، وأننا وضعنا إسرائيل تحت رحمتنا وصفعنا تركيا على قفاها. كل ما يفعله الحاكم في مصر عمل عبقري ملهم ولا يخطئ أبدًا على سبيل التغيير. نفس ما قيل عندما بعنا الغاز بملاليم لإسرائيل وقيل – نبيل شرف الدين – إن هذا يضع إسرائيل تحت رحمتنا لأننا يمكن أن نتوقف عن إمدادها بالغاز في أي وقت، ولأننا سنشعر قبل غيرنا لو انتوت شن حرب. بنفس المنطق نحن تحت رحمة إسرائيل اليوم. في الحقيقة الأمر لا يخضع لاستراتيجية ولا دراسة… الأمر يخضع لعاملين: مصلحة إسرائيل أولاً وثانيًا…  ثم التهام أكبر قدر من الفتة قبل أن تفرغ القصعة.

النغمة الثانية هي الكليبتوقراطية.. أو نغمة تجريد مصر من كل شيء.. أصابني الذعر عندما عرفت بموضوع جولة آثار توت عنخ آمون للعرض بمبلغ تأمين قريب من مصروف طالب في الجامعة. تعرف طبعًا أن 70 قطعة سوف تختفي ولن يعرف أحد أبدًا ما حدث لها. نحن لا نتكلم عن بعض تماثيل، بل عن تراث إنسانية لا يقدر بثمن، وهناك من لا يتورع عن تدميره أو بيعه مقابل بعض المكاسب. ولو اعترضت فلا صوت يعلو فوق صوت معركة الإرهاب.

النغمة الثالثة هي (فليخرس الجميع). في أسبوع واحد صاخب ارتجت الأرض تحت عدة زلازل. أولها زلزال جنينة الذي تكلم مع موقع الهاف بوست العربي، وتخلى عنه الجميع قبل أن يصيح الديك ثلاثًا. إن الشهادة مقدسة والكلمة لا تقدر بمال، وقد رأينا كيف طار عنق توماس مور لأنه رفض أن يقول كلمة للملك هنري الثامن، لكنني بالنسبة لهشام جنينة أقول: ليته لاذ بالصمت. مصر تتجه نحو نوع من (الكورنة الشمالية) بوضوح تام.

النغمة الرابعة هي السرية التامة: كل شيء سر وهو نوع آخر من الكورنة الشمالية. لو لم يتكلم تنتياهو لما عرفنا بقصة الغاز.. كل الأخبار تأتينا من الخارج ثم يظهر إعلاميو النظام ليبرروا.  وكما قال هيكل مرارًا: للأسف يظل الإعلام الإسرائيلي هو الأصدق وتظل شهادته مفيدة في هذه الأمور.

النغمة الخامسة هي فليتول الله الأجيال القادمة. لدينا مشاكل الجزر ومشاكل الغاز الذي بددناه ومشاكل النيل الذي ضاع ومشاكل تركيا وقطر اللتين صارتا هما العدو الوحيد. ومشاكل الديون التي لا تدري متى ولا كيف يتم تسديدها. لقد تم تخريب مصر ومستقبلها بشكل نشط محكم بحيث تحتاج لمائة عام كي تعود للوضع الذي كانت عليه أيام مبارك، وفي كل الظروف أعتقد أن مصر ستنفد خلال أربعة أعوام أخرى.

هكذا مع الوقت تكتشف أن كل ما تريده لا يتحقق، وكل ما تكرهه يسود… ويرتكبون أخطاء أنت تعرف أنها أخطاء لكنك عاجز عن كل شيء سوى الكلام، وقريبًا لن تستطيعه أيضًا. لهذا ينتابك القنوط وتكتب عن توزيع جوائز الأوسكار، أو تجارب نقل الرأس الإيطالية.