قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Friday, January 22, 2010

دماغى كده - فى العلم الزائف - إنهم مستمرون



spc


أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

شكر خاص للدكتور أحمد لإرساله نسخة رقمية من الكتاب خصيصا

===========================

إنهم مستمرون!... أكتب هذه الكلمات في غرفة مغلقة، وبرغم هذا يتسلل دخان قش الأرز اللعين إلى كل ركن فلو خرجت إلى الشرفة لأصابك الهلع. نعم يا سادة .. محافظة الغربية أيضًا تعاني من حرق قش الأرز لكن أحدًا لا يتكلم عنها، فهي مجرد محطة استعداد وتدريب كي يصير محافظها محافظ الجيزة لا أكثر.. عندها تبدأ مشاكله مع تلك المحافظة عالية الصوت.  أحمد الله على أنني لست مصابًا بالربو وإلإ لقضيت نحبي منذ أسبوع. أما مرضى الربو فلهم الله .. إن المستشفيات تعج بهم. في أوائل السبعينات ظهرت تقليعة في طوكيو - حيث معدلات التلوث الأعلى -  هي زجاجة بها أكسجين نقي تشتريها من البائع لتشم الهواء بضع دقائق. أي أنك تقف هناك مع أصدقائك وترش رشة أكسجين جريئة. يبدو أن هذه الظاهرة ستبدأ عندنا وعندها تكون مصر أول دولة تبيع الهواء في زجاجات فعلاً، ولسوف يصير شراء الهواء من البقال جزءًا من نشاطك اليومي. في عصر الاهتمام بالبيئة وكل هذه المؤتمرات واللافتات في كل مكان تنذرني بخراب بيتي لو أشعلت لفافة تبغ، يتساءل المرء عما إذا كان دخان حرق الأرز هذا أكثر أمنًا وتحضرًا من السجائر فعلاً

في الكتب التي تتكلم عن علامات الساعة تجد علامة الضباب الأبيض الذي يتسلل للبيوت فيعمي العيون، ويختنق به الكفار والعصاة أما المؤمنون فلا يلاحظونه. سوف تزعم الحكومة إذن أنه لا يوجد ضباب ولا حاجة، وأنها تشك في إيماننا .. لا عجب، فهؤلاء القوم مستمرون للأبد ولن يعوقهم شيء

وسط هذا الجو الخانق الكئيب تشعر بأنه لا لزوم للماضي ولا جدوى من الغد، وأن الموت هو الحل الوحيد أمامك، لكنك تعرف أنهم لن يتركوك في سلام .. سيفتحون القبر ويدفنون فوقك واحدًا من قيادات المجالس المحلية أو الحزب الوطني.. لا غرابة فهم مستمرون

مع كل هذه الكآبة والقرف، تفتح البريد الالكتروني لتجد هذا الخبر العظيم الذي تم توزيعه على 58468 عنوانًا على الأقل: "طبيب سوداني بإنجلترا يكتشف علاجاً لمرض السكري وداء الصرع ! العقار الجديد يقضي على السكري نهائياً خلال 2- 6  أشهر فقط!! "ـ

السكري والصرع معًا ؟..نهائيًا ؟.. مش واسعة شوية ؟..كأن هذا كان ينقصك !..  ثم منذ متى يمكن علاج السكري نهائيًا ؟.. أفضل الحلول الموجودة قائمة على تعويض الهرمون .. يعني العلاج مدى الحياة .. تقرأ الخبر بعناية فتجد أن طبيبًا سودانيًا يدعى (طارق أرباب) بمستشفى همر سميث التابع لكلية الطب جامعة لندن، نجح في اختراع أول عقار في العالم لعلاج مرض السكري بصورة نهائية، وحصل على براءة اختراع من كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية اللتين سجل بهما الاختراع تحت الرقم (4065834)ـ

الحوار مع هذا الطبيب الظاهرة يقول إنه اكتشف أن إنزيم الأميليز يحول النشا إلى سكر ، وهذا يمكن إثباته عن طريق اليود ‍!.. هذه التجربة يعرفها كل طالب ابتدائي على كل حال. استطاع أرباب تحويل الأميليز إلى عقار شاف (نهائيًا) للسكرى .  يقول إن مرضى السكري يعانون من نقص في المادة اللعابية التي تهضم السكر والنشا. لا أريد أن أبدو متعصبًا وغراب بين، لكنني عدت إلى العلامات المؤكدة على العلم الزائف التي وضعها روبرت بارك أستاذ الفيزياء بجامعة ميريلاند صاحب كتاب (علم الفودوو: الطريق من الحماقة إلى الخديعة) وهو كتاب شهير جدًا

العلامة الأولى: المكتشف يقدم إدعاءاته لوسائل الإعلام مباشرة. العلم يعتمد على أن يقدم العالم أفكاره الجديدة لتدقيق العلماء الآخرين؛ إذ يتوقع العلماء أن يقدم زملاؤهم الأفكار لهم أولاً.  بالفعل تجد أن الأخ أرباب يقدم بحثه لمجلة سودانية شهيرة، لكنك لا تجد شيئًا عن أبحاثه في أية مجلة طبية. لقد زعم أن المجلة الطبية البريطانية
BMJ
 قبلت بحثه لكن هذا لم يحدث كما سنرى حالاً

العلامة الثانية: المكتشف يقول إن المؤسسات الكبرى تحاول حجب عمله. هذا الباحث يؤكد أنه سجل اختراعه في الولايات المتحدة خشية من أن تسرقه الشركات الكبرى

العلامة الثالثة: المكتشف أجرى أبحاثه وحده. صورة العالم العبقري الذي يسهر الليل وحده في قبو هي صورة تناسب أفلام هوليوود للخيال العلمي، لكن لا يمكن أن تتحقق في الواقع

العلامة الرابعة: المكتشف مضطر لأن يصمم قوانين طبيعة جديدة يفسر بها الظاهرة. يلقي العالم ذنب انتشار السكري على تغيير المواد الغذائية، وتخزين الغذاء لفترات طويلة في الثلاجات، واستخدام المواد الكيمائية في الحفاظ على المواد الغذائية. ويقول إن الدقيق صعب الهضم، و إذا لم يُهضم يترسب في الأنسجة والشرايين الدقيقة والكبيرة داخل الجسم، فيكون الشخص عرضة لأمراض القلب والفشل الكلوي وأمراض الدماغ بالإضافة إلى السكري. وهذا يمكن حله بإضافة بعض كربونات الصوديوم التي تحلل الدقيق في الجسم لأجزاء صغيرة . ما هذا الكلام ؟.. يبدو مهمًا منطقيًا لكنه ليس كذلك، ولن يرضى أي كيميائي حيوي عن هذا الكلام الفارغ

وبنفس المنطق الغريب يقول أرباب: البحوث المعملية الحديثة أثبتت أن هناك علاقة شبه قوية بين ضيق الشرايين الذي يصيب القلب ومرض الصرع الذي يحدث نتيجة ضيق في شرايين الدماغ ، وليس نتيجة شحنات كهربائية في الدماغ كما كان يعتقد في السابق. ولذلك بعد الاكتشاف الجديد لحقيقة مرض الصرع، ابتكرت عملية جراحية جديدة لمعالجة الصرع تعتمد على توسيع شرايين الدم داخل الدماغ. أي طبيب يعرف أن هذا كلام عجيب

هكذا وجدت أن هذا العالم حقق أربعًا من آيات العلم الزائف من سبع وضعها (بارك). على أنني قررت أن أبحث عن اسمه أكثر في الإنترنت، فوجدت موقعًا سودانيًا محترمًا عقلانيًا يذكر هذه الحقائق
ـ1- اتصلوا بمستشفى هامر سميث يسألون عن (أرباب) هذا فكان الرد أنه لا يوجد أحد بهذا الاسم عندهم !.. ثم تذكروا في خطاب آخر أن هناك واحدًا لكنه يعمل بعقد شرفي وهو على الأرجح ممارس عام
ـ2- رقم براءة الاختراع المذكورة هي لـ (أستيك ساعة) ! لا أعتقد أنها الطريقة المثلى لعلاج السكري والصرع
ـ3- المجلة الطبية البريطانية لم تنشر أي بحث لطبيب اسمه أرباب

أنهيت قراءة هذه المعلومات ، وفتحت النافذة لأستنشق المزيد من السحابة السوداء التي لم تعد بهذا السوء.. هؤلاء القوم مستمرون .. مستمرون .. نفس الأكاذيب والادعاءات والتلفيق.. لا ألوم المجلة لحظة؛ فمن أين يعرف غير المتخصص الحقيقة وسط هذا الكلام الكبير كله؟.. وقد رأينا جريدة الشعب عندنا تقع في ذات الخطأ، ورأينا أخبار اليوم وغيرها .. كنت أعتقد أن الأخوة السودانيين أفلتوا من معظم تلك الأمراض المصرية لكن اتضح أن هذا داء عربي أصيل كما يبدو.  لقاءات صحفية وأمل زائف لمرضى الصرع والسكري ومنطق مغلوط، وهذا الرجل يعرف أنه يكذب .. ولو لم يكن يعرف أنه يكذب فهو مخبول تمامًا. المهم أننا نستحق ما يحدث لنا.. نستحق السحابة السوداء ونستحق حكوماتنا بالتأكيد، فلا أمل في الخلاص ما لم نتغير أولاً