قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Saturday, August 15, 2026

القطرات الأخيرة

في رثاء الراحل إسماعيل دياب

كأن الأمر كذلك: عندما قامت ثورة 1919 امتدت يد الزمن العملاقة تعتصر ضرع مصر الحلوب، ولسنوات عديدة سالت منه بسخاء قطرات مثل العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ – الطبيب والأديب كليهما – وسيد درويش وأم كلثوم وعبد الوهاب.. إلخ.. الزمن يمضي وقد مر نحو القرن، وهاهي ذي القطرات الأخيرة تتدفق من الضرع قبل أن يجف: هيكل.. صلاح جاهين.. بيكار.. جلال أمين... لا ندري كم من الوقت يجب أن يمضي قبل أن يمتلأ الضرع بالخير ثانية، لكني أعرف جيدًا أن إسماعيل دياب كان بين تلك القطرات الأخيرة.

Wikipedia

وصوت إحدى سيمفونيات بيتهوفن ينبعث من جهاز الهاي فاي – من بين أشياء نادرة امتلكها في حياته – وأمامه فنجان القهوة، كانت تعن له فكرة ساخرة فيضحك، ويمتزج الضحك بشخشخة السعال في صدره الذي أرهقه التدخين.. هناك في تلك الشقة الصغيرة – التي لا يملكها – في ميدان الجيش كان يغمس فرشاته باللون وبضربات محكمة يولد على الورق غلاف جديد.. غلاف تشم فيه رائحة رواية لتولستوي أو دستويفسكي أو بلزاك.. وبشكل ما كنت أشعر أنه ينتمي لذلك العالم وأنه كان صديقًا شخصيًا لجوركي وديكنز وموباسان.. كان يتذوق الأدب كأفضل نقاده وكانت ثقافته موسوعية.

أرمق الصورة المعلقة على الجدار خلفه وأتساءل عن معناها.. صورة زيتية لرجل ملقى على الأرض محطمًا منهكًا.. يمد يده إلى إناء فارغ مقلوب أمامه.. ما معنى ذلك؟

Friday, August 14, 2026

استرخ من فضلك


فشلت تماما في طفولتي ومراهقتي أن أتعلم قيادة الدراجات، أنت تجلس على المقعد ويداك على المقود وهناك من يمسك بك من الخلف يدفعك بضعة أمتار ثم يقول لك:
"هيا!"

Gemini

ويتركك تندفع للحظة حاسبًا أنك فهمت اللعبة وصرت ملكًا أو نسرًا محلقًا، في اللحظة التالية أنت على الأرض تنزف من عدة مواضع وكل عظامك مهشمة، بينما من كان يعلمك يقول لك:
"أحمق! كان يجب أن تسترخي! لا تشد نفسك. تصرف كأنك كنت تفعل هذا طيلة حياتك!"

Sunday, July 14, 2024

مقالان

26 مايو 2009

Gemini

المقال الأول

تغير الشعب المصري كثيرا جدا في الفترة الأخيرة تحت ضغط الكثير من العوامل الاقتصادية والفكرية. فلم أعد أستطيع التنبؤ بردود أفعاله. إن شعبا يتلف الهواتف العمومية بلا توقف، ويلقي باللوم على طبيبة تعرضت للاغتصاب لا على مغتصبها، ويتصل على سبيل المزاح لتبلغ البلاغات الزائفة 50% تقريبا هو شعب في مشكلة حضارية كبرى.

Saturday, July 13, 2024

أنا لم أتغير.. الحياة تغيرت

الدستور - 28 مايو 2009

IMDB

هناك ناقدة أمريكية كانت تحب فيلم "ذهب مع الريح".. وشاهدته عشرات المرات. فجأة شاهدته عندما تقدمت في العمر.. أثار دهشتها أنها لم تنفعل وبدا لها سخيفًا مفتعلًا، وكتبت تقول: الفيلم تغير! لم يعد نفس الفيلم الذي كنت أشاهده قديمًا.

هذا هو السؤال الأبدي الذي يطاردك عندما تكون في سني: هل الحياة قد ساءت حقًا أم إنني لم أعد كما كنت؟

Sunday, June 30, 2024

الدهولة

الدستور - 2 يونيو 2009

العام 1975.. ليلة الامتحان النهائي في المواد الاجتماعية للصف الثالث الإعدادي - وهو الاسم القديم للجغرافيا والتاريخ - وكان الطقس حارًا والعرق يغمر كل شيء، والساعة تقترب من الثامنة مساء. جلست إلى مكتبي ممسكًا بكتاب التاريخ الكئيب ذي الغلاف الشبيه بورق اللحم، والصفحات المكتوبة على ورق نشاف. هذا الكتاب المرعب الذي أنذرنا أستاذ المواد الاجتماعية (عبد الفتاح عواد) أنه طويل جدًا ومرهق جدًا.. وقال قولته الشهيرة: «مش عاوز نضيع وقتنا في أسئلة خايبة.. مثلًا واحد فاضي يسألني: كان محمد علي يلعب بالبيضة والحجر.. يعني إيه البيضة ويعني إيه الحجر؟»

ما أذكره هو أنني درست المنهج جيدًا، وبرغم أن (محمد علي) لعب بالبيضة والحجر كثيرًا جدًا، فإنني ابتلعت لساني ولم أسأل عن معنى هذا. كنت أتقي شر هذه الليلة.. أما اليوم وأنا جالس إلى مكتبي فقد وجدت أن ما أعرفه في المواد الاجتماعية صفر.. لقد تبخر كل شيء.. مليون تاريخ ومساحة ونهر وسكة حديدية ونصوص معاهدة.. كلها ضاعت ولكن كيف ضاعت؟ لست أدري.

Gemini

Saturday, June 29, 2024

يمكنني بسهولة


يمكنني بسهولة أن أرى المشهد.. هناك قرب مدينة (.......) مدخل قرية على اليمين.. هناك طريق ترابي غير ممهد، وهو يمر أولا بقنطرة صغيرة ثم طريق وعر للغاية.. هناك طاحونة قديمة مهجورة يقعي جوارها كلب أجرب مريض.. ثم ذلك المدخل الضيق بين بيتين من الطين الجاف.

Gemini

هناك يمكنك أن ترى الجثة وقد تمت تغطيتها بالقش، لكن الريح سوف تذروه قريبا جدا.. لن يطول الأمر قبل أن تنكشف للعيون، وحتى لو لم يحدث هذا فلسوف تجدها الذئاب أو الكلاب الضالة.

يمكنني بسهولة أن أرى هذا كله.

Friday, April 7, 2023

تان تان


facebook.com/arabictantan

تفاصيل كهذه هي التي تصنعنا.. مساء الشتاء البارد والنوم مبكرًا، ثم الاستيقاظ في طور السِنّة، غير مدرك هل أنت تحلم أم أنك متيقظ، فقط لتنطبع القبلة على جبيني الدافئ وتلمس أرنبة أنف أبي الباردة وجهي، ثم أجد مجلة (تان تان) في يدي.. لقد ابتاعها وهو عائد من العمل، وهذا يعني أننا كنا في مساء السبت. أنام والمجلة في يدي على الوسادة.. رائحة الحبر الملون والورق العطرة.. لو أنصفوا لقطروا هذه الرائحة في زجاجات وباعوها بأغلى الأثمان. لم توجد قط مجلة لها هذه الرائحة مهما بحثت، ولا أعرف السبب.. هل كان أنفي أقوى أم كانت مطابع الأهرام تستعمل أحبارًا مختلفة؟ لم أجد قط هذا السحر للورق القديم الرخيص في كل ما قرأته بعد ذلك من مجلات صقيلة فاخرة الطباعة.