في رثاء الراحل إسماعيل دياب
كأن الأمر كذلك: عندما قامت ثورة 1919 امتدت يد الزمن العملاقة تعتصر ضرع مصر الحلوب، ولسنوات عديدة سالت منه بسخاء قطرات مثل العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ – الطبيب والأديب كليهما – وسيد درويش وأم كلثوم وعبد الوهاب.. إلخ.. الزمن يمضي وقد مر نحو القرن، وهاهي ذي القطرات الأخيرة تتدفق من الضرع قبل أن يجف: هيكل.. صلاح جاهين.. بيكار.. جلال أمين... لا ندري كم من الوقت يجب أن يمضي قبل أن يمتلأ الضرع بالخير ثانية، لكني أعرف جيدًا أن إسماعيل دياب كان بين تلك القطرات الأخيرة.
![]() |
| Wikipedia |
وصوت إحدى سيمفونيات بيتهوفن ينبعث من جهاز الهاي فاي – من بين أشياء نادرة امتلكها في حياته – وأمامه فنجان القهوة، كانت تعن له فكرة ساخرة فيضحك، ويمتزج الضحك بشخشخة السعال في صدره الذي أرهقه التدخين.. هناك في تلك الشقة الصغيرة – التي لا يملكها – في ميدان الجيش كان يغمس فرشاته باللون وبضربات محكمة يولد على الورق غلاف جديد.. غلاف تشم فيه رائحة رواية لتولستوي أو دستويفسكي أو بلزاك.. وبشكل ما كنت أشعر أنه ينتمي لذلك العالم وأنه كان صديقًا شخصيًا لجوركي وديكنز وموباسان.. كان يتذوق الأدب كأفضل نقاده وكانت ثقافته موسوعية.
أرمق الصورة المعلقة على الجدار خلفه وأتساءل عن معناها.. صورة زيتية لرجل ملقى على الأرض محطمًا منهكًا.. يمد يده إلى إناء فارغ مقلوب أمامه.. ما معنى ذلك؟






