قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Wednesday, January 27, 2010

دماغى كده - فى بعض الآراء الفنية - نظرية الأتومبيل و الفريرة



spc


أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

شكر خاص للدكتور أحمد لإرساله نسخة رقمية من الكتاب خصيصا

===========================

عادت ابنتي من عند البقال حاملة زجاجة من العصير، قائلة إن عصيرها حامض .. تفحصت الزجاجة بعناية فوجدت أن تاريخ الصلاحية انتهى منذ شهرين، وهكذا ذهبت بنفسي للبقال متوقعًا أن يعتذر عن هذا الخطأ .. لكن ما أثار دهشتي هو أنه أخذ الزجاجة بلا كلمة واحدة وناولني أخرى حديثة التعبئة.  إذن هو - ذلك النصاب - كان يعرف منذ البداية !.. فقط كان الزبون طفلة في التاسعة لن تلاحظ الفارق وسوف تشرب أي شيء.. إنها ظاهرة الغش المعروفة مع الأطفال، فهم يأخذون دومًا العصير الحامض واللحم المشغت والجبن التالف والجريدة الممزقة والمقاعد المكسورة في السينما، لأن الأمر يمر على خير في 90% من الحالات

كل هذا مفهوم في مصر الحالية برغم أنه عمل لا أخلاقي لا يختلف عن اغتصاب طفل صغير لمجرد أنه لن يفهم ما حدث له .. لكن منطقهم هو: لو لم تخدع الأطفال فمن تخدع إذن ؟.. لكن إذا فهمنا الأمر مع هؤلاء النصابين فلن نقبله مع ثقافة دولة كاملة، أو مع مجلة أطفال محترمة تصدر عن دار عريقة

كنت قد وجدت أن مجلة الأطفال الشهيرة تلك نشرت ترجمة مسلسلة لرواية (المفتاح السري للكون) التي كتبها أعجوبة العصر (ستيفن هوكنج)، عالم الفيزياء البريطاني المشلول الذي يتكلم عن طريق جهاز خاص يضغط على أزراره، والذي اكتشف نظرية (الانفجار الكبير) الذي بدأ الكون، واكتشف أشياء أخرى كثيرة لا أفهمها بالضبط لأسباب ستعرفها حالاً . المهم أن الرجل كتب رواية للأطفال تمنيت أن أقرأها.. كثير من كتاب الخيال العلمي علماء أصلاً ومنهم (إيزاك أزيموف) و(آرثر كلارك) و(يوسف عز الدين عيسى) مثلاً، لكن ماذا عن رواية خيال علمي للأطفال كتبها عالم ؟. هكذا ابتعت المجلة في حماس ممنيًا عقلي بمتعة لا توصف

يا فرحة ما تمت ! .. الترجمة التي نشرت على ثلاث صفحات مستحيلة الفهم، وسوف أنقل لك مقطعًا منها بالحرف الواحد
ـ"الأولاد يسمونه جريبر الزحاف
Greeper the Greeper
وذلك لعادته الخفية بالظهور دون انذار في الأركان القصية بالمدرسة لن يسمع الا صرير خافت لحذاء سميك النعل ورائحة باهتة لتبغ قديم وقبل أن يدرك أحد يكون جريبر قد نال من أي خطة سرية تدبر للأذى. وهو
Creeper
 تعني الزحاف والكلمتان جريبر وكريبر فيهما سبح يفرك في جذل يديه الخشنتين بندوبهما لا يعرف أحد كيف توصل إلى أن يغطي كلتا يديه بآثار قشور حمراء ذات قشور تبدو أليمة وما من أحد لديه الجرأة ليسأله عن ذلك"ـ

قشور حمراء ذات قشور ؟.. يا نهار اسود !..  فاهم حاجة ؟.. إذن أنت عبقري أما العبد لله فمحدود الذكاء، ولا أفهم إلا أن هذه الترجمة تمت بأحد برامج الترجمة مثل (الوافي) وتم لصقها كما هي دون إعادة قراءة النص أو وضع نقطة أو فاصلة توحد الله.  كلنا نعرف عربية برامج الترجمة هذه .. أحدها قام بترجمة
USB
وهو الموصل المتسلسل العام - إلى (الولايات المتحدة ب) وهو ما أثار سخرية مجلة (بي سي) التي حذرتنا من أن الولايات المتحدة(ب) أخطر بمراحل من الولايات المتحدة التي نعرفها

مثال آخر مضحك ذكره الفنان الكبير (محيي الدين اللباد) عندما قرأ – في ذهول – إعلانًا حكوميًا تعلن فيه وزارة الثقافة عن جائزة لأفضل تصميم لشخصية كارتونية عربية للأطفال (ميكي ماوس).. هكذا قال الإعلان .. ويتساءل الأستاذ : ما معنى هذا ؟.. هل الحكومة تطلق اسم (ميكي ماوس) على أية شخصية للأطفال باعتبارها جميعًا (ميكي ماوسات) ؟..وكيف تكون عربية إذا كان الإعلان يفترض أولاً أن تكون الشخصية (ميكي ماوس) ؟.. الخلاصة هي أن من كتب الإعلان لا يفقه حرفًا عن ثقافة الطفل

الاستخفاف بالطفل .. طيلة الوقت .. ذات منطق البقال الذي باع العصير الحامض لابنتي

اعتدت كلما اعتبرني أحد من كتاب الطفل أن أؤكد أنني لم أبلغ بعد درجة الموهبة الكافية للكتابة للأطفال، وهم يعتبرون هذا نوعًا من التواضع الأحمق، لكنني موضوعي لا أقيم نفسي بأكثر أو أقل من حقيقتي أبدًا .  هذه هي الحقيقة .. الأطفال كائنات حساسة ذكية تختلف عنا نحن الذين اعتدنا القبح وانعدام الموهبة وبرنامج (صباح الخير يا مصر) فلم يعد يؤثر فينا شيء .. هذه الكائنات يجب أن تنال أفضل وأرقى وأجمل شيء، ولنذهب نحن للجحيم فقد اعتدنا ذلك على كل حال

اعتاد رجل الشارع أن يبتاع لابنه أوتومبيل بلاستيك و(فريرة) وعصيرًا أحمر لا يعلم إلا الله ما فيه، وهكذا يعتقد أنه قدم للطفل احتياجاته، وهذا هو ما يفعلونه على نطاق أوسع .. المطرب الذي فشل يصير مطربًا دائمًا لبرامج الأطفال .. الملحن معدوم الموهبة يلحن للأطفال .. الرسام (نص الكم) يختارونه ليرسم للأطفال .. املأ الساعات التلفزيونية بأفلام رسوم متحركة (يسمونها كارتون) فيها قط وفأر وبطة .. لا يهم ما تقول ولا يهم أن الفيلم ذاته يتكرر في كل يوم، ولا أن مذيعة البرنامج التي أفرغت زجاجة ماء أكسجين على شعرها لتبدو شقراء، تقطع الفيلم في منتصفه غير مبالية بكون الطفل يتابع القصة أم لا، فهو كائن أقل من البشر ولا رأي له  .. مجرد ملء ساعات وكل شيء بالكيلو، وما هذه البرامج والمجلات إلا صيغة أخرى من الفريرة والشراب الأحمر  أو العصير الحامض الذي أعطاه البقال لابنتي

هذه الترجمة الرديئة لقصة هوكنج ليست سوى نموذج ثالث للفريرة والشراب الأحمر

وما دمنا مع الفنان الكبير (اللباد) فلابد من ذكر سخريته من مجلة أطفال عربية غير مصرية نشرت على غلافها صورة مادونا وهي تمتص إصبعها في إغراء .. هل هذه ثقافة طفل ؟.. والأدهى أن ذات المجلة نشرت على غلافها ذات مرة صورة مبهجة زاهية الألوان لاثنين من معارضي النظام معلقين على المشنقة !.. وهي رسالة واضحة أن الذي لن يسمع كلام بابا الزعيم يا حبايبي حنعلقه في المشنقة ويصرخ: أأ آآآآ ه

على فكرة اللباد من أهم الجادين في موضوع ثقافة الطفل، وأذكر أن مجلة سمير قدمت له في أوائل السبعينات تجارب بصرية بالغة الأهمية ، منها قصة كاملة لجول فيرن رسمها بطريقة (فن البوب) وأسلوب الكولاج الذي كان سائدًا وقتها، وبالتالي ارتقى بالطفل بصريًا خطوة وهو يتابع القصة المثيرة المفيدة .. هل رأيت رسم مصطفى حسين لقصة (خيال الحقل) ؟ أو المرجع البصري الفاخر الذي قدمته دار الهلال مع قصة (الجمال الأسود) التي أطلقت عليها (مذكرات حصان)، حينما ضمت في الكتاب كل لوحة رسمت للحصان منذ فجر التاريخ ؟.. البعض يصر على أن يكون جادًا وأن يقدم الجمال الراقي، بينما يصر الباقون على أن الأطفال يجب أن يشربوا العصير الحامض

النتيجة ؟.. يمكنك أن تراها في الشوارع .. هذا البلطجي وهذا المغتصب وهذا المختلس وهذا الأفاق وهذا الخريج الجاهل .. كلهم تربوا بطريقة الفريرة

حتى أنا كاتب هذا المقال تربيت بطريقة غير بعيدة جدًا عن الفريرة، لهذا أقول لك إنني أعرف أن هوكنج اكتشف شيئًا مهمًا جدًا لكني لا أفهم ما هو بالضبط

الجدية والمزيد من الجدية في ثقافة الطفل .. إنها شيء خطير جدًا يحدد مصائر الأمم .. إذا أردنا أن نحصل على مواطن صالح يفهم ما اكتشفه (هوكنج) فإن علينا أن نبحث عما هو أفضل من صورة مادونا على الغلاف، أو تسمية كل شخصية كارتونية باسم (ميكي ماوس)، أو ترجمة النصوص ببرنامج (الوافي) دون مراجعة، أو استخدام أسفل عينة فنانين على الإطلاق لرسم قصص الأطفال. لعل هذا هو التحدي الأهم في الأعوام القادمة