قصاصات قابلة للحرق

Saturday, January 30, 2010

دماغى كده - فى بعض الآراء الفنية - عن النعناع و قناوى و الفوضى



spc

أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

شكر خاص للدكتور أحمد لإرساله نسخة رقمية من الكتاب خصيصا

===========================

بائع النعناع العجوز يدفع سيارته في أحد الشوارع قرب مديرية الأمن، فتستوقفه سيارة بيجو بيضاء بها بعض الرتب، وينتقي ركابها بمعونة السائق المجند ربطات عديدة مكتنزة من النعناع النضر طيب الرائحة، ويشتمون البائع طالبين أكياسًا يضعون فيها ما أخذوه، ثم بلا كلمة أخرى تنطلق السيارة التي تعالت منها الضحكات،  ليقف البائع وحده وقد اختفى نصف بضاعته .. دنوت منه فرأيت دموع القهر والغيظ في عينيه، وهو يردد لنفسه
ـ"عاملين لي فيها بهوات .. ده قوت عيالي يا كفرة .."ـ

تأمل معي الموقف.. لا أعتقد أن وزارة الداخلية تأمر ضباطها بسرقة النعناع، وكمية النعناع على هذه العربة لن يزيد ثمنها على خمسة جنيهات لن ترهق هؤلاء، لكن خمسة الجنيهات هذه تمثل للرجل رأس ماله بالفعل.  هكذا بلمسة بسيطة صار هذا البائع المسن من أعداء الداخلية، والسبب تصرف غير مسئول من بعض البكوات، ورغبة في فرض القهر والسيطرة على رجل لا خطر منه

بالفعل هناك تجاوزات كثيرة من رجال الشرطة، بعضها بسيط مثل عدم دفع ثمن النعناع وبعضها يصل لدرجة إلقاء المتهم من الطابق الثالث، وقد كنت أجلس في (ميكروباص) بين المحافظات يقف جوار قسم شرطة شهير جدًا في القاهرة، فسمعت السائق يقول لأمين الشرطة المحتج على وقوفه هنا: "الميكروباص ده بتاع فلان بيه" .. لم يبد الأمين أية دهشة . فقط تساءل: "مش ده بتاع علان باشا ؟" فاتضح من كلامهما أن كل واحد من البهوات يشمل برعايته مجموعة خاصة به من الميكروباصات معروفة ولا يسمح لأحد بأن يتصدى لها، والمقابل معروف طبعًا. هذا كلام يعرفه الجميع لكنك لا تستطيع إثباته، وأية محاولة لذلك سوف تنتهي بك في السجن

كان كل هذا في ذهني عندما ذهبت لرؤية (هي فوضى) فيلم يوسف شاهين وخالد يوسف. وكما قال الأستاذ (رامي عبد الرازق) في (كادر ثابت) عن حق: " هنا ثنائي نرجسي مخيف لا قبل لأحد بالوقوف أمام تدخلاته". وكنت أعرف أن الفيلم سينجح ويمتدحه الجميع مهما كان مستواه، لأنه صار من الكفر ألا يعجب أحد بفيلم ليوسف شاهين. وحتى الكومبارس الذي يقدم للبطلة كوب ماء في أحد أفلامه يعتبر نفسه أستاذاً من أساتذة التمثيل، ويقول في وقار وغموض:" أفضل أن يرى الناس العمل ليحكموا بدلاً من أن أتكلم عنه". وغدا من التقليدي في كلام أي ممثل أن يحكي عن (تجربة التطهير أو الميلاد الجديد) التي اجتازها بالعمل مع شاهين

 منذ اللحظات الأولى عرفت أن الفيلم حقق فتحين: الفتح الأول هو تحطيم الكثير من التابوهات والخطوط الحمراء بصدد هذه التجاوزات، والفتح الثاني هو إعطاء دور بطولة شبه مطلقة لخالد صالح أفضل ممثل عرفته مصر منذ عشر سنوات بلا مبالغة

فيما عدا هذا بدا واضحًا تمامًا أن الفيلم علاقته واهية جدًا بيوسف شاهين .. هذا هو فيلم خالد يوسف بالكامل، فلا تظهر لمسات يوسف شاهين إلا في مشاهد محدودة مثل المولد، والعلاقة شبه الأوديبية بين وكيل النيابة وأمه، واسم بهية،  وطبعًا الخلط الاجتماعي الطبقي العجيب، والهتافات السياسية المفتعلة  مثل (عمر السجن ما غير فكرة) التي تذكرك بهتاف شاهيني آخر (مصر حتفضل غالية عليا) الذي يتصور شاهين أنه قادر على قهر بونابرت وكلب حراسته الأرمني الشرس (برطملين)ـ

السيناريست (ناصر عبد الرحمن) وضع على مكتبه لافتة تقول (الداخلية تغتصب المصريين)، وقرر أن يبني عليها سيناريو كاملاً مدته ساعتان جعل فيها هذه المقولة حرفية . يسهل أن نتصور أن خالد صالح يمثل الداخلية، بينما منة شلبي هي مصر التي لا يحميها إلا القانون

هكذا تم البناء الكبير .. لابد من حبكات فرعية كثيرة، ومنها مثلاً وكيل النيابة الذي يحب فتاة تدمن المخدرات وترسم الوشم على ظهرها، وهي  أيضًا ابنة عضو في لجنة السياسات!، وهي حامل من وكيل النيابة كذلك، وإن كانت أمه (هالة صدقي) لا تندهش من ذلك لحظة بل هي فقط قلقة على صحة الطفل الذي سيولد لأم مدمنة. جاءت الاستراحة فنهضت لأدخن سيجارة. تأخرت ربع دقيقة وعدت فوجدت أن وكيل النيابة صار متيمًا بحب منة شلبي فجأة، وكلتا الفتاتين ليست بالضبط نوعية الفتاة التي يمكن أن تروق لوكيل نيابة

 هناك مشاهد عجيبة طويلة جدًا ولا لزوم لها مثل مشهد زنزانة الحريم المجاورة. هنا خيط واضح من قصة (الهمس المسحوق) الرائعة ليوسف إدريس، لكن بصراحة لو كان عنبر الحريم أقرب لحريم ألف ليلة بهذا الشكل فمن واجبنا جميعًا أن نُسجن .. في الواقع كان الأجمل أن يكون هذا عالمًا خياليًا لا وجود له يتناقض مع واقع العاهرات والمدمنات الفعلي القذر القبيح. أي أن يكون وليد أحلام المساجين المحرومة كما فعل إدريس العبقري في قصته آنفة الذكر

الفيلم جريء حسيًا، لكن كما قلت في مقال سابق هناك ميزانين في الرقابة: ميزان للعامة وميزان لشاهين .. هكذا تصفح الرقابة في تسامح أسطوري عن مشاهد لو قدمها سوى شاهين لعلقوه مشنوقاً. نظارة هيبة العبقرية وضعت على عين الرقيب فلم يعد يرى

في أفلام شاهين يتكرر ذلك الخلط الساذج بين المتصوفين والموالدية والأصوليين، فهو – كالخواجات تماماً – يضع كل هؤلاء في سلة واحدة تمسك بالدف وتتطوح ذات اليمين واليسار، برغم أنه لا يمكن الجمع بين المتصوفين والأصوليين أبداً. ثم المشهد الكوميدي في مكتب مرشح الإخوان في مجلس الشعب .. الإخوان لا يتكلمون هكذا سواء اختلفت أو اتفقت معهم، لكنك تسمع كلامًا غريبًا مثل: "طبعا احنا الحل .. المهم تدونا أصواتكو وتسمعوا كلامنا ..". لو كانوا يتكلمون بهذه السذاجة لما صار الشارع إخوانيًا . تصوره للشاب السلفي في السجن هو شخص ملتح بجلباب يقف طيلة الوقت ووجهه للحائط يقرأ المصحف ويهتز، كأنه يهودي عند حائط المبكى. هل السلفيون لا يجلسون على الأرض أو ينامون أو يهمدون قليلاً ؟

المظاهرة العاطفية في نهاية الفيلم والتي صممت بعناية لإثارة حماسة المشاهدين وقشعريرتهم، والتي تبدو فيها الداخلية غلبانة جدًا ومثيرة للشفقة،  لدرجة أن هالة فاخر تدفع أربعة جنود فيسقطون. هذا الاقتحام للقسم كان في الواقع سوف يؤدي لفتح النار مباشرة، دعك من وكيل النيابة الذي صار يجري في ممرات السجن ويطلق الرصاص في الهواء وعلى الأقفال ويهدد ضباط القسم

الفيلم يتلخص في عبارة واحدة: (خالد صالح).. ومعه الكثير من خالد صالح مع لمسة من خالد صالح، وبعض خالد صالح، ثم خالد صالح على الوش.. هذا الممثل العبقري هو الذي رد للمشاهدين مقابل تذاكرهم وزيادة، وكنت تشعر بأن أي وقت لا يظهر فيه على الشاشة هو وقت ضائع. السيناريست رسم شخصيته وفي ذهنه خيوط كثيرة جدًا من قناوي باب الحديد. العاشق المتيم في الحب بحرارة حارقة والمنفر والشهواني.. وكما كان قناوي يرسم دلو (الأزوزة) ليتدلى من ذراع الصور العارية لتذكره بهند رستم، فإن أمين الشرطة في هذا العصر يلفق بالكمبيوتر صورة لمنة شلبي بالبكيني. ومثل قناوي يغتصب حبيبته كخطوة أخيرة قبل نهايته، لكنه لا يلبس قميص الأكمام هنا بل يقتل نفسه. هذه الشخصية مرسومة ببراعة، ويمكنك بسهولة أن تدرك أن يوسف شاهين يتعاطف معها ويحبها. لكن هناك الكثير من المبالغة الفجة فيها مثل أن يجلس ليلتهم عشرين رغيف حواوشي ببلاش وفي الوقت ذاته تنهال أمامه الرشاوي .. الأمور لا تحدث هكذا

لا ننكر أن الفيلم ممتع، والسرد خطي يجعلنا للمرة الأولى نشاهد يوسف شاهين بارتياح، لكن هذه الهنات تقف في حلقك فلا تستطيع ابتلاعها، دعك من تحميل كل خطايا الكون على عاتق أمين شرطة واحد، وأعتقد أن السبب طبعًا هو أن للرقابة حدًا تستطيع مضغه فابتلاعه . بعد هذا مستحيل