قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Showing posts with label فى الذكريات الحميمة. Show all posts
Showing posts with label فى الذكريات الحميمة. Show all posts

Thursday, January 21, 2010

دماغى كده - فى الذكريات الحميمة - حكايات الأستاذ حسن



أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

شكر خاص للدكتور أحمد لإرساله نسخة رقمية من الكتاب خصيصا

===========================

في العام 1987 كنت أحمل هذا اللقب الفخم (مدير الوحدة الصحية) بقرية (.....) القريبة من كفر الزيات، وهو لقب كنت أشعر بأنه واسع فضفاض علي في هذه السن المبكرة.  لم أدرك مدى أهميتي إلا حينما سمعت الموظفين يتكلمون في غرفتهم الداخلية
ـ"بيقولوا الراجل حيمشي في أكتوبر .. حيروح الجامعة"ـ
أصابني الهلع لأن الرجل سيمشي، ثم فطنت إلى أنني هذا الرجل بعينه !.. إذن أنا كبرت وصرت خطرًا كالآخرين

عرفت المزيد عن خطورتي عندما كنت أركب سيارة نصف نقل مع أحد موظفي الوحدة، قاصدين الإدارة الصحية في كفر الزيات لتسلم شحنة أدوية. بما أن القصة حقيقية فإننا سنجعل اسمه (حسن).. قصير القامة أسمر لامع العينين ضيقهما. وقد قرر على الفور أن يريني أهميته ويثبت لي أنه لا غنى عنه .. جاءت سيرة كاتب الوحدة في الكلام، فقال لي بلهجة من لا يريد أن يقول أكثر
ـ"رجل طيب لكن والله أعلم .. والله أعلم .. شخصيته ضعيفة أمام زوجته"ـ
ابتسمت باعتبار المعلومة بالغة الأهمية وجوهرية لعملي، وعدنا نتكلم .. جاءت سيرة ممرضة في الوحدة، فقال في لهجة من يكره فضح بنات الناس
ـ"كنت سأتزوجها .. لكن لابد من تصديق العالمين بهذه الأمور .. أخلاقها سيئة .. إذن فيكن الأمر كذلك .. أخلاقها سيئة .."ـ
فيم يفيدني أن أعرف هذا ؟.. وما دخلي بأخلاقها؟.. هل سمع أنني أرغب في الزواج منها ؟.. بعد قليل كان قد حكى لي أسرار أسرار كل واحد من زملائه بالوحدة، ومنهم الديوث ومدمن المخدرات وضعيف الشخصية وخريج السجون والمختلس، حتى كأنه سجن القناطر وليس وحدة صحية.  تساءلت في سري: الرجل يعرف أنني غير مهتم بهذه الأمور، وأنني راحل أصلاً عما قريب .. الأمر لا يزيد إذن على كونها عادة يريد تدريبها فلا تذبل، كما يحب عازف الكمان أن يعزف قليلاً قبل النوم .. يريد أن يكون الأذن السرية للمدير أي مدير

أبطأت السيارة عند كوم سباخ عال، وفلاح عجوز متهالك ممزق الثياب مال على النافذة يسأل
ـ"الجحف يا مصطفى ؟"ـ
أطلق السائق (مصطفى) سبة مليئة بالكبرياء .. نحن في مهمة حكومية حساسة يا بهائم، وأنتم تعتبرونها سيارة أجرة .. نسيت أن أقول إن الجحف هو (القحف)، وهو محطة مهمة جدًا في المشاوير الريفية .. كل مشوار ريفي في أي مكان لابد من أن تتضمن محطاته (الجحف – الجنطرة – الجباسة – المشروع).. هناك مشروع دائمًا .. ماذا ؟. لا تعرف معنى (القحف) أيضًا ؟.. حرام عليك .. القحف هو جذع شجرة غليظ نائم على الترعة بالعرض ويُستعمل كجسر مرتجل

يعاود الأستاذ (حسن) حكاياته.. هذه المرة يصمم أن يطلعني على ثقافته الدينية، بعد ما أظهر براعته في الاغتياب وأكل لحم إخوته موتى
ـ"الإيمان قدوة .. "ـ
يعنى إيه ؟ .. تركيب لغوي غريب جدًا .. مثلاً (المؤمن قدوة) مفهومة أكثر، لكنه يردد وهو يهز رأسه في خشوع
ـ"الإيمان قدوة .. "ـ
حتى شعرت أنه مغن شعبي من مطربي الموالد الذين سمعت ملايين من أغانيهم في هذه السيارات.. ذلك الخلط الفريد بين القصص الديني والخيال وأغاني أم كلثوم .. وبالفعل عرفت أنني محق عندما بدأ يحكي قصته .. كان يقول

لحظة حتى نسمع ما تقوله هذه المرأة البدينة التي تنحني على النافذة
ـ"المشروع يا مصطفى ؟"ـ
سبّها السائق .. مشروع إيه يا وليه يا مجنونة ؟.. العربية دي تبع الحكومة ..  وانطلق بالسيارة بينما المرأة تسبنا جميعًا من بعيد

القصة كما حكاها لي الأخ حسن تدور حول طالب في كلية آداب طنطا .. الطالب من قريتهم وهو يعرفه جيدًا.  يسهر الطالب ليلة الامتحان يدرس على لمبة الجاز حتى الثانية بعد منتصف الليل
لا تسألني عن سبب استعمال لمبة الجاز بينما القرية فيها كهرباء .. القصة دائمًا هكذا .. من دون لمبة جاز لا كفاح .. لسبب ما كان الطالب وحيدًا في داره عندما دق الباب

فتح الباب ليجد ست الحسن والجمال .. فتاة رائعة البهاء مذعورة باكية. قالت له إنها ضلت طريقها وما من مكان تبيت فيه إلا عنده .. هكذا قال لها الفتى: تعالي يا بنت الناس نامي هنا والصباح رباح

نامت الفتاة ولسبب ما – أيضًا – لا يوجد مكان تنام فيه سوى أمام الفتى.  هكذا قضى الليل يغالب شهوته .. كلما أوشك الشيطان أن يهزمه مد يده ليلسع أنامله باللمبة الملتهبة .. من ثم يتذكر عذاب النار .. وجاء الصباح

عادت الفتاة إلى طنطا لتخبر أباها بالقصة كلها.. يبدو أن الخبيثة لم تكن نائمة إنما تتظاهر بذلك وتلعب بأعصاب الفتى. هرع أبوها إلى القرية يبحث عن هذا الفتى الشهم .. سأله عن الفتاة التي باتت عنده أمس فحكى له كل شيء .. تفحص الأب أنامل الفتى فوجد آثار الحروق واضحة جلية

تصور .. يتضح أن أبا الفتاة هو نفسه عميد كلية الآداب !.. الكلية التي يدرس الطالب فيها !.. وهكذا عمل على أن ينجح الفتى ويصير معيدًا بالكلية، ثم زوجه ابنته لأنه عرف كم هو رائع

وهتف حسن والدمع يبلل عينيه
ـ"قلت لك يا دكتور إن الإيمان قدوة !"ـ

وسمعت مصمصة شفاه فنظرت لأجد أن السائق موشك على البكاء تأثرًا بدوره .. لم يطل تأثره لأنه أخرج رأسه من النافذة ليسب طفلاً عاري النصف السفلي يلعب أمام السيارة .. ياد يا ابن الـ .. يا ابن الـ .. هنا قال حسن وهو يتمخط خارج النافذة
ـ"الإيمان قدوة .."ـ

نعم .. فقط أريد أن أعرف الإجابة عن بعض الأسئلة. كنت أعرف عميد كلية الآداب، فماذا تفعل ابنته بالضبط في قرية جوار كفر الزيات بعد منتصف الليل ؟..  وكيف وجد عميد كلية الآداب سيارة تنقله إلى الجحف ؟.. كما ترى القصة كلها تدور في فلك الحكايات الشعبية من طراز (تزوج بنت السلطان وعاشا في تبات ونبات). ثم إن كان الإيمان قدوة فعلاً فلماذا لا يعلمه الإيمان أن النميمة حرام وأن الاغتياب نوع من أكل لحم الموتى ؟.. ألا توجد لمبة جاز أخرى تلسعه كلما أوشك على اتهام واحد من زملائه في الوحدة ؟

رفعت رأسي فرأيت لافتة (الإدارة الصحية بكفر الزيات)، ففتحت الباب .. في المرة القادمة ذكروني ألا أصطحب معي (حسن) فجهازي العصبي لم يعد يتحمل أكثر

Tuesday, January 19, 2010

دماغى كده - فى الذكريات الحميمة - حيث الكل فى واحد



أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

شكر خاص للدكتور أحمد لإرساله نسخة رقمية من الكتاب خصيصا

===========================

شارع (سعيد) الهادئ في هذه الساعة من نهار رمضان،  وأنا أحمل الحقيبة التي امتلأت بأرغفة الخبز الساخن، راضيًا عن نفسي لأن الفرن كان خاليًا تقريبًا في هذا الوقت. كنت أنا المكلف بهذا الكابوس اليومي: شراء الخبز، ويكفي لأصف لك عذابي أن أقول إن طابور الخبز في ذلك الوقت كان يشبه الطوابير الحالية تمامًا

هناك كان واقفًا تحت شرفة في بناية بالشارع، شاب يبدو أنه جامعي ومن طبقة متوسطة يلبس ثياب الميدان الكاملة التي لم أرها من قبل إلا في الصور. الخوذة والجربندية على ظهره، وكان يرفع رأسه إلى الشرفة بالطابق الثالث وينادي
ـ"صلاااااح !"ـ
و(صلاح) لا يرد .. لا أعرف إلى أين كان الفتى ذاهبًا ولا لماذا كان هنا والحرب نشبت منذ خمسة أيام، لكن كل شيء يقول إنه ذاهب إلى وحدته مع (صلاح) صديقه الذي لا يرد.  ذاهب للقتال طبعًا لا للتدريب

إن هي إلا بضع ثوان حتى وقف فلاح وزوجته جوار الفتى، وراحا يناديان بأعلى صوتهما
ـ"صلاااح !"ـ
ثم ظهر ميكانيكي على دراجته وراح ينادي .. بعد دقيقة صار هناك عشرة ينادون (صلاح) .. وتطوع أحدهم بأن يقذف طوبًا على الشرفة، بينما تطوع آخر بأن يصعد ليدق الباب، والمظاهرة تحت شرفة صلاح تتزايد، والجندي الشاب ينظر حوله فيبدو عليه الضيق والحرج من هذه الفضيحة
ـ"صلااااح !"ـ
بعد لحظة ظهر (صلاح) من الشرفة وهو بكامل ثيابه، هنا تعالى الهتاف والتصفيق .. والفلاح العجوز وثب ليعانق الفتى ويلثمه على خديه
ـ"مع السلامة .. هات لنا رمل من سينا وانت جاي يا دفعة !"ـ

وابتعدت حاملاً الخبز وأنا أفكر في مغزى هذا المشهد الذي ظل محفورًا في ذاكرتي خمسة وثلاثين عامًا.  هؤلاء قوم يريدون عمل أي شيء .. أي شيء من أجل هذا الذاهب إلى الجبهة ليتلقى الرصاص ولربما يموت كي يظلوا هم أحياءًا أحرارًا .. أبسط شيء استطاعوا عمله هو مناداة صلاح، ولو طلب منهم الجندي الشاب أن يلثموا قدميه أو يحملوه إلى الجبهة حملاً لفعلوا بلا تردد

كان مأمور قسم أول في طنطا صديق أبي، وقد زرته مع أبي أيامها فقال لنا وهو يشير إلى التخشيبة الخالية
ـ"تصوروا أننا لا نجد لصوصًا نقبض عليهم منذ نشبت الحرب ؟.. حتى اللصوص (اختشوا على دمهم) "ـ

هذه كما لاحظت بعض ذكرياتي عن حرب أكتوبر عام 1973.. أما كيف بدأ كل شيء فلذلك قصة .. هل تسمعها ؟.. إذن تعال وأعد لنا كوبين من الشاي الثقيل كي يحلو الكلام

هذا أنا الصبي الذي دخل السنة الأولى الإعدادية، ولا يهتم بالسياسة على الإطلاق.. فقط يعرف أن إسرائيل دولة شريرة تقتل أطفال المدارس (بحر البقر) وتذبح الفلسطينيين وأسقطت طائرة ماما سلوى حجازي مذيعة الأطفال التي كنت أعشقها

يوم السبت 6 أكتوبر هو ثاني يوم سبت لي منذ بداية العام الدراسي .. رمضان بدأ منذ عشرة أيام، وفي ذلك الوقت كان أكتوبر يعني جوًا معتدلاً لهذا لم يكن الصيام صعبًا علي .. أعود لداري بعد الواجبات الضرورية من ركل عصام وخطف حقيبة مصطفى ولكم عادل

هناك شيء غريب .. كل الناس يلتفون حول أجهزة الراديو. الكل قلق .. ماذا حدث ؟.. لم أر هذا المشهد إلا وأنا في الصف الثالث الابتدائي يوم وفاة (جمال عبد الناصر).. لكن لا أحد يبكي

في البيت تخبرني أمي أن الحرب نشبت. جيشنا عبر قناة السويس . أختي طالبة الطب عادت للبيت بسرعة وأخبرتهم أنها ستكون في المستشفى لساعة متأخرة لأن المستشفيات كلها معدة لاستقبال الجرحى .. الراديو لا يهمد لحظة: بيان رقم اثنين من القيادة العليا للقوات المسلحة ... بيان رقم ثلاثة

تحول أمي المؤشر إلى إذاعة لندن التي كانوا يشوشون عليها بصفارة كئيبة عالية، فلا نفهم شيئًا. تحول المؤشر إلى إسرائيل فنسمع مذيعًا أخنف يقول في حسرة مصطنعة  إن السادات ارتكب خطأ عمره باستفزاز أقوى جيش في المنطقة .. مسكين أنت أيها الجيش المصري .. مسكين أنت أيها الشعب المصري .. تتقلص أمعائي رعبًا .. أبي يشخط في أمي ويطالبها بتغيير المحطة

عرفت بعد هذا أن إسرائيل كلها كانت في ألعن لحظاتها، ولم يصدق قادتها ما يحدث لهم .. موشى ديان بكى أمام الصحفيين العالميين، وجولدا مائير طلبت تركيب الرءوس النووية على الصواريخ، وهو سيناريو النهاية (ميكرع هاكول) لدى إسرائيل

عندما جاء المساء عرفت خبرًا سرني بطبيعة الحال هو أن المدرسة مغلقة لأجل غير مسمى (لقد عادت إجازة الصيف)، وخبرًا ساءني هو أن فوازير (ثلاثي أضواء المسرح) وكل الطقوس التلفزيونية إياها قد تم وقفها .. من المستحيل أن يموت أبناؤنا هناك فوق الرمال ونحن نسمع الفوازير طبعًا

في الليل أصحو في ساعة متأخرة لأسمع البناية كلها تترجرج .. رائحة البارود في هواء الليل، ويخبرني أبي أنها بطاريات الدفاع الجوي في مطار محلة مرحوم تطلق القذائف على غارة

أمي تتساءل عن كل هؤلاء الذين يحاربون الآن في الرمال والظلام ولم يظفروا -يا كبدي- بساعة راحة منذ ظهر السبت .. فجأة صارت أم هؤلاء جميعًا

في اليومين التاليين تتضح الأمور أكثر، ونعرف أننا حققنا معجزة فعلاً، وأن البيانات التي نسمعها تختلف كثيرًا عن بيانات 1967 (المضروبة).  الأخبار السارة تتوالى .. تقدُم .. تقدُم .. السوريون يجتاحون الجولان وقواتنا تسحق لواء مدرعًا بالكامل وتأسر قائده .. لم أنس الاسم بعد كل هذه السنوات: عساف ياجوري، وهو شيء خمول بدين يدخن بإفراط وله لُغد

شارع البحر كله ينظر للسماء وقد خيل لنا كأن المعركة تدور فوق سنترال المدينة.. في الحقيقة كانت بعيدة جدًا.. هناك طائرات إسرائيلية تحلق، بينما تطاردها طائراتنا .. تعلمنا شكل الميج والفانتوم من على هذه المسافة. طائرة إسرائيلية تهوي .. ثم تبتعد طائراتنا ليظهر خيط من الدخان من مكان ما .. إنه الاختراع السوفييتي الرهيب (سام -7) . نرى الطائرة الإسرائيلية تعلو وتهبط  بينما خيط الدخان يقتفي أثرها في إصرار وعناد، وفي النهاية يلتقي خيطا الدخان ليصيرا خيطًا واحدًا يهوي بعيدًا .. بعيدًا .. باي باي يا حاييم أو يا ليفي أو يا أموتاي .. فلتكن ميتتك أبطأ وأبشع من ميتة سلوى حجازي

في هذه الفترة جعلت بطاريات الصواريخ المصرية سماءنا منطقة موت للطائرات الإسرائيلية، وأصدر قائد الطيران الإسرائيلي أمرًا بالابتعاد أكثر من عشرة كيلومترات شرق القناة.  وكانت الصحف تظهر مليئة بصور الأسرى الإسرائيليين الذين وصفهم أحمد رجب بـ (الذئاب الجربانة التي تحتاج لمحضر اشتباه وتحري)، كما أذكر صورة رهيبة بعض الشيء لجثة متفحمة لطيار إسرائيلي مقيد بالسلاسل .. قال الخبر إن الإسرائيليين يقيدون طياريهم في الطائرات كي لا يبادروا بالقفز منها بمجرد رؤية الصاروخ سام -7

قائد المدرعات الإسرائيلي – أعتقد أنه موردخاي هود - يجري اتصالاً مدته ثوان مع قاعدته.. يلتقط سلاح إشارتنا المكالمة، وهنا تنطلق طائرة قاذفة مصرية بسرعة البرق نحو مصدر المكالمة في سيناء وتطلق صاروخًا ينسف الرجل وسيارته وتعود ..!... جرى إيه يا جدعان ؟.. هل نحن نتكلم عن مصر أم بريطانيا العظمى ؟ .و في كتابه المهم عن الحرب يقول (عبد الستار طويلة): "كانت هذه أول حرب تعرفها مصر يقول فيها الضابط لجنوده (اتبعوني) بدلاً من (تقدموا) !"ـ

نسمع اسم (عبد العاطي) صائد الدبابات الذي نسف 25 دبابة وحده.. عندما رأينا الدبابة عن كثب في معرض الغنائم، بدت لنا مخيفة رهيبة أكثر بمراحل من الصور، وقد تساءلنا عن نوعية الأعصاب ومدى الشجاعة التي يجب أن يمتلكها المرء كي يواجه هذا الديناصور وهو على قدميه .. هؤلاء لم يكونوا رجالاً .. كانوا أساطير حية

في كل مكان كنا ثملين بما تحقق، وندعو الله أن يحفظه لنا

صحيح أن الحماسة أعمتنا ولم ندرك أن مسار الحرب يتغير، وأنه عندما وقف السادات ليحيي الجماهير في أول خطاب له بعد نشوب الحرب، وعندما التهبت أكفنا بالتصفيق وكانت الشوارع خالية تمامًا، كانت الدبابات الإسرائيلية قد دخلت السويس ضمن عملية (الغزالة) التي خطط لها شارون، ولم نعرف الكثير عن حصار الجيش الثالث .  قد تصدق الإسرائيليين الذين يعتبرون أنهم أحالوا نصرنا هزيمة، وقد تصدق كيسنجر الذي قال لجولدا مائير: أنت انتصرت عسكريًا وخسرت استراتيجيًا، لأن أسطورة الجيش الذي لا يقهر انتهت للأبد، وقد تصدق الخبير الاستراتيجي العالمي (أندريه بوفر) الذي زار المنطقة وقال إن الثغرة عملية تلفزيونية لا قيمة لها من أي نوع

فقط كانت الشعلة متوقدة، وكنا نستطيع وقتها أن نحارب العالم كله.  الحرب عمل كريه مقيت لكنه شر لابد منه كي يجدد دماء الأمم ويقوي عزيمتها ويوحدها، وكما قال هيكل: لا يوجد طرف في العالم أعلن أن السلام خيار استراتيجي، لأنه عندما يستخزي طرف فإنه يدعو الطرف الآخر تلقائيًا  لأن يستقوي

هذا هو بعض ما أذكره عن تلك الحرب، وقد تعمدت أن أحكي ذكرياتي كطفل في الصف الأول الإعدادي، لأنني قرأت الكثير جدًا عن تلك الحرب بعد ذلك مما يبتعد بالمقال عن هدفه.  يكفي أنني أعددت عنها سيناريو قصص مصورة دقيقا جدًا يعتمد على عشرة كتب، وقد أردت به ألا تُنسى هذه الحرب أو أن يتساءل ابني كما فعل يومًا: هل كانت فعلاً حربًا عظيمة أم أن هذا ما يجب أن أحفظه وأكتبه في ورقة الإجابة ؟. هذا السيناريو قدمته لعدة فنانين، لكن مشاغل الحياة منعتهم من البدء، وفي النهاية ضاع

أتذكر هذه الحرب اليوم وأتساءل عما فعلناه لكل هؤلاء العظام؟.. أين هم ؟.. أين ذهب الفتى و(صلاح) صديقه ؟.. ومن الذي جنى ما زرعوه  ؟.. هل كانوا يموتون فوق الرمال كي يتاح لمليارديرات اليوم أن يصطافوا في (شرم) - لم تعد (شرم الشيخ) على فكرة -  وأن يذهب الشباب هناك للظفر بليلة مع سائحة إسرائيلية أو روسية ؟. هل خطر لعبد العاطي وهو يصوب صاروخه (الساجر) نحو تلك الدبابة أنه سيدوخ بعد الحرب بحثًا عن شقة ؟.. وأنه سيموت فلا تهتز الدنيا ؟.. وأن الإسرائيليين سيتوغلون في كل شيء حتى السد العالي نفسه ؟.. وأن العبارة ستغرق والدويقة ستنهار والمسرح سيحترق وكيلو اللحم سيتجاوز الأربعين جنيهًا ؟.. لحسن الحظ  أنه لم يفكر وقتها في ذلك كله.. فقط أحكم التصويب وضغط الزناد

Monday, January 18, 2010

دماغى كده - فى الذكريات الحميمة - ياسر و بطاطة و أشياء أخرى



أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

شكر خاص للدكتور أحمد لإرساله نسخة رقمية من الكتاب خصيصا

===========================

كانت الحالة محيرة.. فتاة تعاني تجمعًا صديديًا في الحوض استغلقت معرفة سببه على الجراحين،  وقد خطر لنا ونحن نقف هنالك في العنبر أن السبب قد يكون متعلقًا بالتهاب المبيضين أو داء ما من أدواء النساء العديدة التي نجهلها نحن الأطباء الباطنيين، هنا قال ثلاثة منا في ذكاء وبصوت واحد: "نسأل ياسر الجندي !"ـ

ثم تذكرنا ونظرنا للأرض، وغلبتنا ابتسامة تجمع بين الخجل والحرج والمرارة ولوعة الفراق، فقد نسينا جميعًا أن د. ياسر الجندي مدرس أمراض النساء قد توفي منذ ستة أشهر.  لكن الموقف كان معدًا بعناية ليكون هو بيننا وكي يتهمنا بالإهمال والحمق، وكي يداعب المريضة، ويأتينا بالخبر اليقين

عندما أتذكر ياسر الجندي فإنني أتذكر ذلك الوجه الشاحب المرهق، ولفافات التبغ التي لا تنتهي، والسهر في عنبر النساء البارد، وأكواب القهوة والحلبة الحصى، والممرضات الساهرات بالقوة يلعبن (الآل) بزجاجات الدواء الفارغة بانتظار الولادة التالية .. أتذكر القفازات الملوثة بالدم والقساطر،  وياسر الذي يركض في طرقات المستشفى في الظلام بحثًا عن فصيلة (أو سالب) من أجل عطيات أو إنصاف التي تنزف في عنبر الولادة بينما اختفى أهلها وهجرها زوجها. لو قابلته وقتها وكنت من ذات الفصيلة فلن ينقذك من براثنه شيء.. مهما قلت أو فعلت

ياسر الجندي .. ما زلت أتذكره كلما تحدث أحدهم عن إهمال الأطباء وجهلهم.  الأطباء الذين هم دائمًا غير موجودين في المستشفيات، فإذا تواجدوا كانت هذه نهايتك لأنهم يرتكبون الأغلاط القاتلة بالجملة.  المشكلة أن الأمثلة الإيجابية كثيرة جدًا لكنها غير مسلية ولا تروق للصحافة ولا المرضى. لا أحد يكتب مقالاً عن طبيب تبرع بدمه من أجل مريضة، لكن الجميع يكتب للصحف عن طبيب سرق كلية .. هذه هي طبائع الأشياء

أتذكر فاطمة ... الأم شبه الطفلة التي انحشرت رأس الجنين في مهبلها أثناء الولادة، مما أدى إلى تكوين ناصور بين المثانة والمهبل. النتيجة هي إنها كانت تبول بلا أي تحكم إرادي، وبالطبع طلقها زوجها على سبيل الامتنان والمودة، ثم اكتشف أطباء قسم النساء أنها مصابة بالاستسقاء وأنه من المستحيل إصلاح هذا الناصور الآن. دخلت فاطمة قسم أمراض الكبد لعلاج هذه الاستسقاء وسط عاصفة من ولولة أمها العجوز ولطمها. أسأل فاطمة عن لون بولها فتنفجر في البكاء وتقول: "وأنا حشوفه إزاي ؟.. هو أنا بأعمل زي باقي البنات؟"ـ

اعتاد ياسر الجندي أن يزورها في العنبر عندي يوميًا، وأتذكر السيرك الذي أقامه ليسليها ويضحكها. كيف كان يتكلم بطريقته (الريفية الأنثوية) التي كان يحسن اصطناعها كأنه امرأة ريفية عجوز، والتي اكتسبها من تعامله مع المريضات، وكانت تضحكهن دائمًا: "يا بت يا بطاطة يخرب مطنك .. ينيلك .. دانتي دراعك راح قد صباعي.. " . ثم يداعب أنفها بسلسلة المفاتيح: "حاتخفي يا بطاطة وتيجي القسم عندنا، ونعمل لك العملية .. لكن أمك .. أمك !!" .. ويتقلص وجهه في توحش يجعل فاطمة تنفجر ضاحكة  دامعة العينين كالأطفال: "أمك الولية الحيزبونة .. الولية القرشانة دي لو عتبت القسم عندي قسمًا عظمًا لأخلي العمال يرموها في الترعة"ـ

كنت أعرف جيدًا أن الاستسقاء لن يزول وأن الجراحة مستحيلة، لكني أخفيت الحقيقة عن بطاطة وعن ياسر الجندي معًا.  بالذات أخفيتها عنه

كنا نتهمه بالمبالغة كثيرًا، وبأنه يعاني خليطًا من لذة الاستشهاد والوسواس القهري. بعد انتهاء أعوام الطبيب المقيم صار من حقه أن يستريح وأن تكون نوبتجياته أقل، لكنه ظل يعيش بذات التوتر وذات الإرهاق كما كان وهو طبيب مقيم. نوبتجية قد تمتد لثلاثة أيام لكنه لا يغمض عينه فيها لحظة.  من الطبيعي جدًا أن يضع بيده الشبشب في قدمي مريضة، أو تراه هو والعامل يحملان اسطوانة أكسجين لأنه لا وقت لترف انتظار العامل الآخر

التبرع بالدم كان هوايته لدرجة أنه تبرع بدمه خمس عشرة مرة في عام واحد وهذا رقم قاتل، لكنه كان يعرف أن تخصصه هو تخصص النزف حيث ثمن الدم أغلى من الذهب، حتى صار ضيفًا غير مرغوب فيه في بنك الدم، وحتى تلقى الفنيون هناك أمرًا غير مكتوب من المدير يقضي بمنع د. ياسر الجندي من التبرع بأي شكل.  بالطبع سرق هو بعض أكياس التبرع الفارغة لتكون متاحة تحت يده في الظروف القصوى

يعبر الطريق أمام المستشفى فتسقط منه آشعات مريضة كان يحملها.. ينسى واجب الحذر ويعود ليلتقط الآشعات قبل أن تدهمها السيارات، فيضربه ميكروباص مجنون . غارقًا في الدم يحملونه إلى قسم العظام بينما مشكلته الوحيدة هي تبرئة سائق الميكروباص الذي لا ذنب له، ثم البكاء لأن غيابه عن القسم يعني توقف عشرات الأمور التي لن يقوم بها واحد آخر. إنه بحاجة إلى مائة ياسر جندي آخر ليفعلوا بالضبط ما يريده كما يريده

هل يبدو كلامي مبالغة كأنني أتحدث عن كرامات واحد من الأولياء ؟ .. يمكنك أن تسأل أي شخص من مستشفى طنطا الجامعي عن د.ياسر الجندي ليخبرك بأن ما أقوله يبخس الرجل حقه

لم يكن يؤمن بأي شكل أنه يستحق راتبه، وهكذا أنفقه كله على المريضات وجعل عنبره المجاني في قسم أمراض النساء أقرب إلى فنادق الخمسة النجوم: ستائر .. ثلاجة .. أزهار .. بالطبع لم يتزوج وقد ساعده هذا على أن يحتفظ بتعاليه على المال وهذه الرهبنة التي اختارها

ظل يرفض أن يدخل امتحان الدكتوراة - برغم أنه تلقى وعدًا بالنجاح -  لأنه يؤمن بأنه لم يحقق المستوى العلمي الذي يريده بعد، وقام بتسجيل كل ما يقابله في علم أمراض النساء على شرائط كاسيت يسمعها في الظلام في أي مكان يكون فيه وحده.. كان يريد أن يتحول العلم إلى طبيعة ثانية له. وفي النهاية دخل الامتحان ونجح لكنه لم يفتتح عيادة قط

جاءت النهاية سريعًا في نهار رمضان منذ أعوام عندما تأخر في الاستيقاظ من النوم ، وقد اعتبر ذووه هذا تصرفًا معتادًا في شهر الصيام.. فتحوا غرفته أخيرًا ليجدوه ساقطًا على الأرض وفي غيبوبة عميقة.  لقد قتله الإنهاك والجهد والسهر وارتفاع ضغط دم لم يعالجه قط، فأصيب بنزف مخي . أسبوع كامل مر والجميع يصلي من أجله لكن الموت ذواقة يجيد الانتقاء كما تعرفون.. عروس فاتنة لا تختار سوى الفرسان. وبعد وفاته جمعت مريضاته الريفيات الفقيرات المال من بعضهن وصنعن له صورة عملاقة علقنها في عنبره

أين ذهبت بطاطة وماذا كان مصيرها وسط هذا كله ؟.. لا أعرف طبعًا

ياسر الجندي كان بيننا .. أوافق تمامًا على أنه مثال نادر لا يُقاس عليه، لكني أدعوك إلى أن تتذكره وأنت تزور عيادة هذا الطبيب أو ذاك من أباطرة الطب الذين لا تختفي صورهم من الفضائيات وبرامج التلفزيون والصحف والمجلات.. تذكره وأنت تكتشف أن موعد الكشف في الثالثة صباحًا وقيمته مائتا جنيه .. وعندما يطالبك الطبيب العظيم بأن تعيد الأبحاث كلها في مختبر (المدام)، وعندما يكتب لك في النهاية علاجًا لا جدوى منه جربته ألف مرة من قبل، وعندما تكتشف أن التحليل باهظ الثمن الذي طلبه منك لا قيمة له إلا استكمال ورقة علمية يريد أن يقدمها (على حسابك) في مؤتمر كوبنهاجن القادم

عندما تتعامل مع هذا الطبيب أو ذاك من آلهة الأوليمب تذكر أن هناك من يدعى ياسر الجندي ومثله مئات من الأطباء الذين يختلفون بالتأكيد عن تلك الصورة التي تهوى وسائل الإعلام رسمها. من الحرام أن تخلط بين هذا وذاك، ومن القسوة أن تعامل هذا بميزان ذاك .. تذكره عندما ترى شرطي المرور الفقير الذي يساعد الأطفال على عبور الطريق، ومدرس الابتدائي الذي ما زال يصر على أن يبح صوته في الشرح مقابل ملاليم، وموظف السجل المدني الذي يرفض الرشوة وهو أحوج ما يكون لها..  تذكر مصر الطيبة السمراء التي لم تمت وتصر على الحياة بإصرار غريب برغم كل ما يحدث لها