قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Showing posts with label فى السياسة. Show all posts
Showing posts with label فى السياسة. Show all posts

Tuesday, December 29, 2009

دماغى كده - فى السياسة - أسعد أيام هدى



أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

===========================

عظيمة هي قناة الجزيرة .. قد نختلف معها، وقد نراها منحازة لجهات بعينها ومتجاهلة لأمور بعينها، وقد يتهمها البعض بالعمالة وهي التهمة الجاهزة لوصم كل من نختلف معه .. إن من يختلف معك فكريًا في العالم العربي هو على الأرجح ملحد أو عميل أو شاذ جنسيًا، وبما أنه من الصعب اتهام قناة كاملة بالشذوذ الجنسي تبقى تهمة العمالة .. (لم أصدق حتى سمعت بأذني أن هناك من اتهم منظمة حماس وحزب الله بالعمالة لإسرائيل، ولا أعرف المنطق اللوذعي الذي قاد لهذه الاستنتاجات العبقرية)ـ

أقول إن قناة الجزيرة فتحت نافذة وسط ستار التعتيم الإعلامي الكثيف، ولولاها لما عرفنا عن الانتفاضة إلا أنها (اضطرابات في الأرض المحتلة) كما كانت وسائل إعلامنا ستصفها .. وعن طريق قناة الجزيرة رأينا أبا (محمد الدرة) يصرخ متوسلاً للإسرائيليين كي يوقفوا الرصاص، ورأينا ظهر جثة الرضيعة (إيمان حجو) الذي تحول إلى فجوة دامية كبيرة، بينما حرصت (سي إن إن) وإعلامنا على إظهار الوجه فقط لأنه لا يعبر إلا عن سلام عميق لرضيعة نائمة، كأن ما فعله الإسرائيليون هو أن ساعدوا الصغيرة كي تنام في سلام

هذا التفوق الذي حققته الجزيرة في فلسطين جاء بفضل كتيبة العظماء وليد العمري وجيفارا البديري وشيرين أبو عقلة ومن معهم من مخرجين ومصورين وفنيين

حظي الأسود جعلني أفتح قناة الجزيرة يوم الجمعة 9 يونيو لأرى هذا المشهد الرهيب .. الطفلة (هدى) تجري على رمال الشاطئ وتتعثر وتنهض، وتصرخ في جنون وهستريا : أبويا

أبوها جثة مفتوحة العينين فوق الرمال، بينما الفتاة تحتضنه .. لا تعرف السبب الذي جعله فجأة يرفض النطق وتلبية ندائها ربما للمرة الأولى.. ثم تجول الكاميرا لترينا ما تبقى من حياة هادئة لأسرة أرادت قضاء يوم على شط البحر في غزة .. العوامة .. دلو الماء .. الجاروف .. ثم أسرة الفتاة التي تحولت إلى عجين من اللحم المتفحم والدم .. العوامة والجاروف أشياء مدنية جدًا مسالمة جدًا يصعب أن تتلطخ بالدماء إلا في فيلم (الفك المفترس) لكن إسرائيل فعلتها

ما حدث هو أن سفينة حربية إسرائيلية في عرض البحر قررت أن تمازح هذه الأسرة البريئة بطريقتها .. وكان المذيع يجري التحقيقات ويصور بينما السفينة ما زالت هناك تراقب الموقف في استمتاع واضح

إن مشاهد الموت في فلسطين صارت يومية منذ زمن بعيد، لكن عندما يتعلق الأمر برجال المقاومة وقياداتها فهؤلاء أبطال اختاروا وتحملوا مسئولية قرارهم، وكل واحد منهم يتوقع اليوم الذي سيتحول فيه إلى أشلاء متفحمة يخرجونها من سيارة انصهر معدنها .. أما تلك الأسرة على الشاطئ فلم تختر شيئًا على الإطلاق .. كل ما أرادوه هو يوم من المرح بين الموج والرمال، فلابد أن (هدى) الصغيرة صحت صباحًا منتظرة أسعد يوم في حياتها .. ذات المشهد يذكرني بمشهد رأيته منذ ثلاث سنوات لذلك الصغير الفلسطيني الذي جلس وحده جوار النافذة في غرفة نومه يعد ألعابه لعيد الأضحى غدًا، فكان نصيبه طلقة في رأسه من قناص إسرائيلي يهوى المزاح بدوره .. ظرفاء وأولاد حظ هؤلاء الإسرائيليون حقًا

أسوأ ما في الأمر أن هذه الحوادث صارت كثيرة إلى درجة أنها أذابت بعضها ونسيت.. عندما تملأ جوالاً بالبيض الهش فإنه يحطم بعضه فلا يبقى شيء، وإسرائيل تهوى تكديس البيض بحق

من أعطى قائد السفينة الحربية هذا الحق ؟.. إنه ليس ربًا ليقتلني بمشيئته كما يقول العظيم (أمل دنقل).. من أعطاه الحق في أن يحيل حياة هذه الطفلة إلى كوابيس ؟.. من أعطاه الحق في أن يملأ حياتي أنا بالكوابيس ؟

ويخرج بيان الحكومة الأمريكية كما هي العادة .. هم فقط يتفننون في العبارات التي تثير غيظك: "وقال الناطق باسم الخارجية شون ماكورماك إن بلاده تشجع إسرائيل على التفكير في نتائج هذه الأعمال"ـ

يا سلام على التعبيرات العبقرية ! .. هذه أعمال أدبية وليست تصريحات سياسية .. لو أحضرت تشيكوف وكافكا وموم وماركيز وشكسبير لصياغة جملة سخيفة تتحسس دربها ولا تجرؤ على أن تقول أي شيء مثل (تشجع إسرائيل على التفكير في نتائج هذه الأعمال) لاعترفوا بأنهم معدومو الموهبة .. من قبل رأى (بوش) أن قصف غزة بطائرات إف 16 (غير مفيد) .. دعك من التعبير العبقري الآخر : "نحن نشعر بقلق" .. طيلة الوقت هم قلقون .. ما كل هذا الحلم وهذا التهذيب ؟.. أتمنى للأخ بوش مصيبة تطيح به كي يشفى من عادة القلق نهائيًا

رجالنا لا ثمن لدمهم .. نساؤنا لا ثمن لدمهم .. أطفالنا لا ثمن لدمهم، بينما يبكي هؤلاء الغربيون تأثرًا ويرفعون الأنخاب وتعصر الأخت (أوبرا وينفري) عينيها تأثرًا بعملية إنقاذ درفيل جنح على ساحل فلوريدا، مع الكثير من الـ (واو) والـ (ياي) والـ (أوه) .. أي نفاق هذا ؟

السؤال الأهم هو ماذا يعتقد (عباس) أنه يفعله ؟.. يخرج ليتهم أعمال المقاومة بأنها حقيرة، ويشجب قصف المدنيين الفلسطينيين بلغة عقلانية هادئة .. ما هو دوره بالضبط وهو عاجز عن حماية شعبه، وعاجز عن الاحتجاج على ما يحدث لشعبه ؟

لابد من أن يدفع هؤلاء الثمن .. أما من يتكلم عن الواقعية والتحضر ويطالب الفلسطينيين بأن يموتوا في أدب ورقي، فليخرس من فضله .. لا ثمن لهذا الدم إلا الدم .. لا .. ليس الدم كافيًا .. لو مات ألف إسرائيلي فلن يعوضوا (هدى) الصغيرة عن أبيها، ولن يعوضوا أم (إيمان حجو) عن رضيعتها ..لكنه أقل شيء ممكن لو كانت هناك عدالة حقًا في هذا العالم

دماغى كده - فى السياسة - إذن هو الدلاى لاما



أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

===========================

الدستور - 1 أبريل 2008

مصر بلد جميل ذو تاريخ عريق ، و قد حباها الله بشمس دافئة طيله العام ، مع هواء عليل و مناظر خلابة ، لهذا يقصدها السياح من أرجاء الآرض لينعموا برؤية آثارها العظيمة التى تنطق بعظمة التاريخ ، و ينعموا بالسباحة فى مياهها الجميلة أو يمارسوا رياضة الغطس فى البحر الأحمر حيث الشعاب المرجانية رائعة الجمال

و قد قال ( مصطفى كامل ) : لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون مصرياً ، لهذا يبكى السياح لأنهم ليسوا مصريين ، و يحقدون على مصر كثيراً . و لقد عاشت فى مصر شعوب كثيرة شربت من مائها و امتزجت بحضارتها ، لهذا نقول بحق إن مصر أم الدنيا ، و

أراك تتساءل : هل جن الرجل ؟ ... ما هذا الكلام الذى يكتبه ؟ . أقول لك إننى لم أجن لكنى أكتسبت الحكمة فجأة ، و قد تعلمت الكثير من رأس الذئب الطائر لو افترضنا جدلاً أن ( إبراهيم عيسى) ذئب . لقد قررت أن أكتب كلاماً يحقق لى المعادلة الصعبة: ألا أسجن أو أثير غضب أحد ممن نستعيذ بالله من غضبهم ، و فى الوقت نفسه يحفظ لى مكانى فى جريدة ( الدستور) . الحقيقة أن هناك حلولاً أسهل مثل أن أتفرغ للكتابة فى مجلة ( ميكى ) ، لكنهم لا ينشرون صورة الكاتب هناك ، و هذا سيقلل من مكانتى فى البيت كما تعلم

بحثت كثيراً جداً عن قضية لا تثير حفيظة أولى الأمر .. مستحيل .. كل شئ زفت و هباب و لابد أن يغريك بإبداء الغضب فالتورط فى كلام يودى فى ستين داهية.. يبدو أن العرب الذين كانوا يكتبون فى وصف الأطلال و الناقة كانوا يفعلون هذا كى لا يسجنهم سادة القبيلة لو تكلموا عن شئ آخر

لو تكلمت عن إسرائيل كالعادة فأنا أقع فى عش الدبابير ، خاصة إنى سأكتب و أنا أغلى تحت تأثير مقال الأستاذ ( هويدى ) الذى كشف عن قيامنا بتصدير الغاز الطبيعى النادر لإسرائيل بملاليم ، مع الالتزام بالتصدير حتى بعد نفاذه عندنا .. يعنى لن يكون عندنا غاز لكننا سنشترى غازاً بسعر باهظ نصدره لهم بملاليم ، و الأدهى أن دولة مثل أسبانيا ستأخذ الغاز منا بذات السعر الرخيص لتبيعه بسعر السوق .. ليه كده ؟ .. هل إسرائيل تبتزنا بشئ ما ؟ ... هل معها ( النيجاتيف ) على رأى استيفان روستى ؟ .. لماذا تبيعون حق ابنى فى الحياة ؟ .. أنا متنازل عن حقى لكن ماذا عنه هو ؟ لماذا تصرون على ذبح الدجاجة و سرقة كل مسمار فى السفينة ؟.. لماذا لا تبقونها طافية ؟ .. محمد على أراد حلب مصر لكنه قرر أن يسمنها و يحسن تغذيتها جيداً أولاً .. فلماذا لا تتعلمون منه ؟

هل أتكلم عن الرغيف و أزمته و الرجل النحيل البائس ممزق الثياب الذى رأيته يركض فى الشارع و هو يحتضن عشرة أرغفة فاز بها من الطابور ، حتى ليوشك على البكاء ، فقط لينقض عليه صبى على دراجة ليخطف منه رغيفين ؟.. هل هى المجاعة إذن ؟ .. هل نحن مقبلون على ذلك العصر الرهيب الذى قرأنا عنه ( أكل حمار الوالى ثم أكل جثة اللص الذى أكل حمار الوالى) ؟

هل تتكلم عن البطالة ؟.. عن المستقبل ؟.. عن أزمة التعليم ؟.. عن المرور ؟.. عن؟... عن ..؟

هل تتكلم عن انتخابات المحليات ؟.. أنت تعرف جيداً أنك لم تعد تتابع حرفاً من هذه الأمور منذ 73 سنة. ربما تتكلم عن كرة القدم و تشتم فى الحضرى قليلاً ، لكن هذا مجال خطر .. قد تدوس على لغم لا تعرف أنه لغم

هل أتكلم عن قصة حب شبابى الفاشلة ؟.. محاسن التى تخلت عنى بعد ما تقدم لها مهراجا يملك طائرة بوينج و عدة جزر و قدم لها ماسة الكوهينور على سبيل الشبكة ؟.. بدا لى الأمر رقيعاً ، خاصة و أنا لا أكف عن ابتلاع أقراص ضغط الدم و لا توجد ثلاث شعرات سوداء متجاورة فى رأسى .. حب إيه زفت إيه ؟!! .. دعك من أن المقال قد يقع فى يد أم العيال ، و هذا يجعلنى فى موقف لا يقل خطورة عن غضب الكبار على .. على الأقل غضب الكبار معناه أن أموت مناضلاً ، أما غضب أم العيال فمعناه أن أموت نذلاً منكراً للنعمة

وجدتها .. ! .. الحل العبقرى الوحيد هو أن اكتب عن مشكلة ( الدلاى لاما ) ... سوف أكتب عن الصين المفترية التى تمنع هذا الروحى البوذى من العودة إلى التبت حيث ينتظره المؤمنون . أمريكا قلقة و تطالب بتفسيرات من الصين .. جميل جداً.. هكذا أنا عرفت اتجاه الريح و أين أكون آمنا .. سوف أشتم فى الصين للصبح . سوف أتضامن مع سكان التبت و أسود الصفحات من أجلهم . لم لا ؟.. لماذا نتوقع أن يتعاطف العالم معنا و لا نتعاطف مع العالم ؟.. أليس هذا أقرب للتحضر ؟

قلت لصديقى إننى سأحلق شعرى زيرو و أحمل كيساً خيشياً للشحاذة و أخرج حافى القدمين إلى الشارع كما رأيت الناشطين الأوروبيين يفعلون فى التلفزيون . قال لى إن هذا ليس عملاً عاقلاً لأن رجال الأمن سيعتبروننى مجنوناً أو شيئاً آخر لا أستطيع كتابته هنا، و لسوف يعتنون بى فعلاً . بتحب الدلاى لاما يا روح أمك ؟.. طيب تعال

هكذا عدلت عن هذه الفكرة و قررت أن أكتب مطالباً الصين بأن تعيد الدلاى لاما للتبت و أن تسمح بالحرية الدينية لسكان هذا البلد . حتى إننى بدأت تأليف أغنية جديدة لشعبان عبد الرحيم تناسب طريقته فى مواكبة الأحداث كأنه نشرة التاسعة
فيه ناس كتيرة ياما .. خلاص حتتنقط
ما تسيبوا الدلاى لاما .. يرجع للتبت
يا صين رجعى جيشك .. و بلاش الافترا
خليكى فى فوانيسك .. و الشنط و الورق ... هيييييييه

حقاً هى ليست أغنية جيدة لكنها تؤدى الغرض ، و أرجو ألا يتجاهلها شعبان كما تجاهل رائعتى السابقة ( قتلوا بناظير بوتو .. كل الحلوين بيموتوا .. ما تخلوا باكستان تختار لنفسها .. نعم . من زمان و لا حدش قدها .. هيييييييه ! )ـ

نعم ، صدقنى . .. بعد الحكم الصادر ضد إبراهيم عيسى و زكيبة القضايا التى تنتظره ، لم أعد طفلاً .. كنت بحاجة لهذا الدرس كى أعرف طريقى و كى أعرف عن أى شئ أكتب بالضبط . كنت أعتقد أننى ذكى بما يكفى و أننى يمكن أن أقتدى بالكاتب الشهير (.......) و الكاتب الشهير (........) الذين يكتبون بطريقة ( الحكومة سيئة و تضيع كل جهود مبارك للإصلاح ) ، و هى طريقة خبيثة ناجحة تضمن لك رضا الجميع ، و تحتفظ لك لدى رجل الشارع بصورة المناضل الذى لا يخشى فى الحق لومة لائم . هذه مدرسة تختلف تماماً عن مدرسة عيسى و قنديل التى نعرفها حيث لا سقف من أى نوع ، لكن من الواضح أن سقف الحرية يهبط يوماً بعد يوم ، و أن هذه المدرسة الخبيثة نفسها خطرة

إذن هو الدلاى لاما حتى إشعار آخر

دماغى كده - فى السياسة - الكابوس الأمريكى



أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

===========================

كلما رأيت تداعي الأحوال في مصر، وذلك الشرخ الذي يتسع ويتسع في الجدار منذرًا بالويل، فكرت في أنانيتي الخاصة عندما لم أفكر في الهجرة للولايات المتحدة من أجل أولادي .. لقد عانى (كونتا كينتي) جد (أليكس هيلي) الكثير عندما تم اختطافه من سواحل غانا وحُمل في قاع سفينة إلى العالم الجديد، لكننا – لو فكرنا تفكيرًا جانبيًا – لوجدنا أنه كان يكافح كي ينعم أحفاده اليوم باستعمال الألفاظ البذيئة وشرب الكولا ورقص الراب في بروكلين .. يكفي أن أحد أحفاده صار هو الكاتب العظيم (أليكس هيلي)ـ

لي صديق فعلها في هذه السن المتأخرة نسبيًا .. السن التي لا تسمح لك بأن تغسل الصحون أو تقف في محطة وقود، بينما تقضي الليل منكبًا على دراسة الطب .. لكني في النهاية أجد أنني بالفعل لا أحب نمط الحياة الأمريكي ولا أطيقه .. حياة رُسمت سلفًا بكل مراحلها وسوف تتحرك فيها كأنك قطار يتحرك على خط حديدي .. صحيح أنك في مصر قطار آخر يتحرك بجرار تالف على خط حديدي متآكل، لكن الحياة هنا في مصر ذات طعم ولون ورائحة ..الكثير منها في الواقع

لو أنني ولدت في نيويورك وكنت ذكرًا بروتسنتيًا أبيض
WASP
 فإن حياتي مرسومة عبر محطات معروفة صرت أحفظها من قراءة المجلات الأمريكية ومشاهدة أفلامهم

عالم المراهقة: هذا هو عالم المدرسة الثانوية وقلة الأدب والتطاول على المعلمين لأن التعليم ممل
Boring
مشكلتي هي البلطجي (هانك) الذي يتربص بي لأنني نحيل وبنظارة وهناك نمش على وجهي، وهو يتعمد إهانتي وسكب اللبن على رأسي ساعة الطعام، ولا أحد يتعاطف معي في مجتمع لا يرحم المهزومين سواء كانوا هنودًا حمرًا أو عربًا أو زملاءك في الصف . ثم يأتي موعد الحفل الراقص السنوي وانتخاب الـ
Prom queen
 أو ملكة الحفل .. كيف أقنع فتاة بأن تصحبني للحفل ؟.. كيف يرضى أبي بالتخلي عن السيارة ؟.. في حفل كهذا سوف تفقد حسناء الصف (كارول آن) عذريتها، وهي ليست مشكلة لأن أباها كان سيصحبها للطبيب النفسي لو تأخر الأمر أكثر من هذا ، ولربما ظهرت في إحدى حلقات (أوبرا) لمناقشة مشكلتها

البيزبول لعبة مملة يستحيل فهمها .. ملعب يشبه الماسة وشخص يضرب الكرة بمضرب يستعملونه لقتل الزوجات كذلك، وهناك ثور يلبس درعًا على صدره يتلقفها بقفاز .. ثم يصرخ الجميع: "اركضوا يا فتيان !" ونحرز نقاطًا لا أدري على أي شيء، لكن البيزبول هو الطريقة الوحيدة لقبولك في مجتمع كهذا، وكي تحبك الكتاكيت
Chicks
هناك كرة القدم الأمريكية العجيبة التي تلبس فيها الدروع وتضرب عددًا من الثيران، ولا تلمس قدمك الكرة مرة واحدة .. بينما المدرب (رالف) يصرخ في وحشية: سوف نسحقهم يا شباب

كلها ألعاب معقدة تختلف عما يلعبه العالم كله، وكلها تحتاج إلى إمكانيات وثراء

الكلية: تقريبًا نفس روتين المدرسة الثانوية.. أضف لهذا الحفلات الصاخبة التي يشرب فيها الجميع البيرة
Booze
 وتتعرى الفتيات تمامًا .. هذه هي الفترة التي سأجرب فيها المخدرات لأول مرة .. سأكون محظوظًا لو شاركت في احتفالات (ماردي جرا) التي تذكرك بأعياد (باخوس) الرومانية الماجنة

بعد التخرج: أنا أعمل في شركة تنفيذية ما تمارس المنافسة قاطعة الرقاب مع شركات أخرى .. القميص قصير الكمين وربطة العنق والعروض على جهاز الكمبيوتر .. مغازلة زميلة العمل عند براد الماء .. العمل من التاسعة للخامسة والخوف المزمن من الطرد والجوع .. لو طردت سأقوم بتعبئة لوازمي في علبة كبيرة من الورق المقوى وأخرج من الباب يرافقني رجل الأمن ...ولسوف أصير سكيرًا

الأسرة: حفل الزفاف والسيارة التي ربطوا بها علب طعام محفوظة فارغة تحدث قعقعة .. مشكلة زوجتي هي تقليل السعرات في الطعام بسبب الشحوم حول الخصر .. يجب أن أقلل من ولعي بشطائر الهامبرجر والجبن .. ابنتي (سو ألين) صارت الآن مراهقة وقحة تصر على أن ترافق الفتية للمرقص وتقول لي: "داد .. أنت ابن عاهرة وسافل وحقير .. أنا أكرهك".. تقولها وهي تهز شعرها الطويل ليغطي نصف وجهها ثم تندفع خارجة من الغرفة كنمر هائج

فأبتلع الإهانة .. لو صفعتها لشكتني للشرطة وقُبض علي .. لابد من الصبر حتى أحل مشكلة تعاطيها المخدرات ومشكلة الحمل في سن الخامسة عشرة .. أذهب أنا وزوجتي لحفلات الكوكتيل حيث أقف أمام الناس لأحكي لهم عن (أظرف شيء حدث لي في طريقي لهذا الحفل).. و (أفضل مطعم يمكن أن تتناول فيه شطائر التونة بالبطاطا المقلية).. ثم نعود للبيت لتطالبني زوجتي بالطلاق بلا سبب وتبدأ في حساب ما يناله كل منا من ممتلكاتي

ربما تنجب زوجتي – لو لم تطلقني - طفلاً مشوهًا له أربعة أنوف وثلاث آذان وذيل .. هنا أقرأ في الصحف عن معهد في أوهايو متخصص في الأطفال الذين لهم أربعة أنوف وثلاث آذان وذيل .. أذهب هناك لأقابل د. (سميث باركر) خبير الأطفال ذوي الأربعة أنوف والثلاث آذان والذيل الذي يقول لي: "أهم شيء أن نجعل طفلك لا يشعر بالاختلاف عن الآخرين"ـ

هكذا يصير طفلي رسامًا وأستاذًا جامعيًا وبطلاً في كرة القدم ، ويظهر في حلقة من حلقات (أوبرا) حيث يبكي الجميع مع كثير من (الواو والأوه وماي جاش)ـ

السياسة: سواء كنت ديمقراطيًا أو جمهوريًا فأنا مؤمن أن الفلسطينيين إرهابيون يحاولون أن يأخذوا من اليهود الطيبين أرضهم .. أؤمن بالقيم الأمريكية وطريقة حياتنا .. أؤمن بالديموكراسي وماي فيلو أمريكانز .. أدعو لهم بالنصر في العراق الذي لا أعرف أين هو ولا مشكلته بالضبط .. ولا يعنيني شيء من هذا .. أحترم بشدة – أو أتظاهر باحترام - اليهود والزنوج والشواذ جنسيًا حتى لو كنت أنتمي للحزب الجمهوري ..كنت أمقت الشيوعية واليوم أمقت الإسلام .. هؤلاء القوم الذين يعبدون القمر ويذبحون الأطفال قرابين من أجل إلههم الذي يسمونه (الله) .. ويرقصون عراة في موسم الحصاد

الحادث: ثم أسقط من على الجبل وأنا أمارس التزلج فيتهشم ظهري وأصاب بالشلل، لكني أصر على المقاومة .. وأروح أضرب كرة البيزبول في الحائط طيلة اليوم على سبيل التدريب .. هكذا أستعيد صحتي، وأكتب قصتي في كتاب اسمه (كيف قهرت الشلل) وهو الكتاب الذي يشتريه التلفزيون فورًا، من ثم أتمكن من شراء ذلك البيت الجميل الذي كنت أحلم بشرائه في (بالتيمور)ـ

النهاية: هذه هي سن سرطان القولون.. مشكلة التقدم في الرعاية الصحية هي أنك لا تموت بالتيفود ولا نوبة قلبية في سن الخمسين كما كان يحدث، بل تنتظر حتى سن الثمانين حين تقرر خلاياك أن تصاب بالجنون.. سأموت في المستشفى ويحرقون جثتي .. ثم يقف أولادي متظاهرين بالتأثر فوق قبري ويطوق أحدهم كتف أمه مواسيًا ويقول آخر: "وداعًا داد .. كنت عظيمًا ... "ـ

أموت مطمئنًا لأن أولادي باقون من بعدي وسيمشون في نفس الدرب، ويحافظون على القيم الأمريكية .. قيم (علم النجوم اللامعة)ـ

هذه هي حياتي لو نشأت في أمريكا أو هاجرت إليها .. وإنني لأسألك بكل صدق : متى عشت ؟.. متى اختلفت ؟... هل هذه هي الحياة التي من أجلها أغسل الأطباق، ,و أدرس الطب ليلاً، وأبحث عن فتاة أمريكية (مضروبة) تقبل الزواج مني وتمنحني الجنسية ؟.. بصراحة عندما أقارن بين حياة (ماي فلو أمريكانز) هذه وحياتنا الحالية بما فيها من فوضى وعشوائية وفقر ومرض و(شعبان عبد الرحيم) فإن شعبان يكسب بالتأكيد

دماغى كده - فى السياسة - جمهور واغش



أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

===========================

يجلس الناقد السينمائي الجميل رءوف توفيق في قاعة السينما يحاول أن يفهم شيئًا من الفيلم، لكنه يفاجأ بأن الصوت عال جدًا لدرجة أن الجمهور لا يسمع حرفًا من الحوار.. هناك حيوان ما قد فتح السماعات إلى أقصى طاقة لها، وبالتالي تحولت قاعة السينما إلى معتقل نازي أو جحيم دانتي أو حظيرة مواش حسب التشبيه الذي يروق لك، وبما أنه رجل مهذب خفيض الصوت فقد طلب من هذا العامل أو ذاك تخفيض الصوت بلا جدوى، من ثم اتجه إلى مدير السينما في مكتبه ليفاجأ بحلوف بدين جالسًا يعد كومة من أوراق المال.. نقل له شكواه وعرفه بشخصه لكن المدير رفض في كبرياء أن يخفض ارتفاع الصوت، وقال دون أن ينظر له: "يا أستاذ سيبك منهم .. ده جمهور واغش !"ـ

 كان هذا في أوائل السبعينات، وكانت تلك أول مرة يسمع فيها الناقد الكبير هذا المصطلح، فلما سأل عرف أنه مصطلح سوقي معناه (تحت المستوى)، وهو ما يشبه مصطلح (بيئة) الذي نستعمله اليوم

 لم أستطع قط نسيان هذه القصة، وإن كنت أراهن على أن رءوف توفيق نفسه لا يذكرها. ما الذي كان يمكن أن يحدث لو خفض المدير ارتفاع الصوت ؟.. هذا الإصرار يعكس بلا شك رغبة لا نهائية في الإيذاء والإهانة والاستعلاء .. هذا جمهور واغش فليُعامل كما يُعامل الجمهور الواغش إذن

 أتذكر هذه القصة وقد تحولت حياتنا بالكامل إلى قاعة سينما يصر صاحبها على أننا جمهور واغش، ويصر على ألا يخفض صوت السماعات مع أن هذا لن يكلفه شيئًا . رءوف توفيق يمثل الصحافة ويمثل المثقفين الذين يسودون صفحات الجرائد والمجلات كل يوم فلا يصغي لهم أحد

 تكلم عن الغلاء .. تكلم عن انقطاع المياه .. تكلم عن التعذيب .. تكلم عن الفساد. تكلم عن تدهور التعليم والخدمات .. تكلم عن انهيار الريادة الإعلامية المزعومة .. تكلم كما تريد فأنت جمهور واغش ولن يتعب أحد نفسه بأن يخفض صوت السماعات من أجلك .. من الذي أصر على تغيير عبارة (الشرطة في خدمة الشعب) إلى (الشعب والشرطة في خدمة الوطن ) ؟.. لماذا لا تترك هذا الشعار يا أخي حتى لو كان مجرد شعار، وما أكثر الشعارات الجوفاء في حياتنا ؟ ، لكن لا .. لا يجب أن تنسى لحظة واحدة أنك جمهور واغش .. هل تجرؤ على أن تتصور لحظة أن الشرطة في خدمتك يا جربوع ؟

 ما الذي جعلنا جمهورًا واغشًا أو لماذا يعتبروننا كذلك ؟ .. على قدر علمي نحن أولاد ناس، ومعظمنا يستحم (في المحافظات التي ما زال الماء يصلها)، ومعظمنا حاصل على الإعدادية والله العظيم. هذا التعامل الخشن جعل الناس يتصرفون بالمثل ولا يثقون بالحكومة. ولهذا تتداعى إلى ذهني لفظة أومرتا
Omertà
أومرتا معناها مؤامرة الصمت، وهو سلوك شعبي معتاد لدى الصقليين والإيطاليين الذين يتعاملون مع عصابات المافيا .. هنا يصير من الممنوع على المواطنين أن يتعاملوا مع أية جهة حكومية كانت. يُقتل أخوك أو جارك لا سمح الله لكنك لا تبلغ الشرطة حتى لو عرفت القاتل. كل الشهود الذين رأوا الجريمة لم يروا شيئًا .. يقبضون على القاتل فينكر أن المافيا كلفته بأي شيء ولا ينطق بحرف. ينسحب هذا على أي تعامل حكومي لأن الناس هناك كونوا حكومتهم الخاصة التي تديرها المافيا

 كنت على الطريق السريع مع صديق لي، عندما رأيت تلك العلامات المعروفة التي تنذر بوجود رادار في طريقنا. إنها الإشارات المتقطعة للنور من السيارات القادمة في الاتجاه المقابل. على الفور خفض صاحبي سرعة سيارته إلى ستين، وتحول الطريق السريع إلى صف من سيارات مهذبة تمشي في سلام كأننا جوقة من الملائكة في موكب سماوي

 ما حدث على الطريق السريع هو مؤامرة شعبية كاملة على طريقة أومرتا لخداع الرادار وخداع الحكومة. مؤامرة اتفق عليها مئات من سائقي السيارات.. من يلتزم بها جدع ومن يخرج عنها نذل ابن نذل وخائن يعمل مع الأعداء. برغم أن الحد من السرعات المجنونة أمر حميد ومن صميم عمل الدولة، فإن هؤلاء يعتبرون الحكومة شرًا من السماء جاء ليخرب بيتك وييتم عيالك، وعلينا أن نتكاتف لمنعه، وأن السائق الذي سوف يظفرون به ليس سوى صاحب عيال غلبان وأرزقي.. عامة يؤمن المواطن المصري أن الدولة تأخذ منه أضعاف ما تعطيه، وهو قد يجد غضاضة في سلب حق بواب العمارة لكنه لا يفوت فرصة لخداع الدولة التي لا يشعر بأنها تقدم له أية خدمات

عرفت عريسين شابين عاكفين على تشطيب عش الزوجية قبل زواجهما بشهر، فكانا بعد رحيل الصنايعية وقبل مغادرة الشقة يتأكدان من أن الأنوار كلها مضاءة، لدرجة أن العريس عاد ذات مرة من الشارع لأنه نسى أن يضئ الأنوار. سألته عن سبب هذا الحرص وقد حسبته تقليدًا شعبيًا لمنع العفاريت أو الحسد أو شيئًا كهذا . قال لي في ذكاء: "لأن هناك شهر إعفاء من دفع رسوم الكهرباء مع العدادات الجديدة، لهذا نحاول أن نكلف الحكومة بعض المال !"ـ

 مبالغة ؟.. أقسم بالله العظيم أن هذا الموقف حدث حرفيًا، ولا داعي بالطبع لوصف ملامح وجه العريس عندما عرف فيما بعد أن موضوع الإعفاء هذا إشاعة لا أساس لها من الصحة

 على قدر علمي عسير أن يحدث هذا الموقف في أي بلد من بلدان العالم، وهو يعكس قرونًا من انعدام الثقة بين الشعب والحكومة. المشكلة أن هذا الوضع يتفاقم أكثر مع ذلك الإصرار الجهنمي على اعتبارك جمهورًا واغشًا . لا يمكنك أن تعرف أي شيء على الإطلاق .. ليس من حقك أن تفهم .. رأيك لا قيمة له.. لا تبيعوا القطاع العام لكنه يُباع .. لا توقعوا الكويز فتُوقع .. لا تذبحوا القضاة فهي جريمة لا تغتفر لكنهم يُذبحون .. استقبلوا وزير الخارجية الفلسطيني المنتخب لكن لا أحد يستقبله.. نصح المفكرون بأهمية وجود خطوط دبلوماسية قوية مع إيران فلم يبال أحد .. حذر الكل من خطر تعويم الجنيه فعوموه

 لقد صفق الناس في قاعة السينما التي كانت تعرض فيلم (عمارة يعقوبيان) عندما سقط ضابط أمن الدولة مضرجًا بدمه. كم منهم صفق لأنه سفاح سادي عذب الفتى واغتصبه، وكم منهم صفق لأنه يمثل الحكومة التي تزدرينا ؟.. إجابة هذا السؤال تحدد مستقبل مصر