قصاصات قابلة للحرق

Monday, October 13, 2014

المتحذلقون - 1



spc


المتحذلقات عنوان مسرحية شهيرة محبوبة لموليير، لكن من نتكلم عنهم اليوم هم المتحذلقون جمع المذكر السالم. أنت تعرفهم وتراهم في كل مكان وفي كل مهنة، لكن مهنة الأدب بالذات قد ابتليت بحشد من هؤلاء. 

ولأن الشيء بالشيء يذكر فعلينا أن نتذكر الساخر العظيم الذي فارقنا هذا الشهر (أحمد رجب). الرجل الذي قرأت كل حرف كتبه تقريبًا، ولأول مرة جربت شعور أن تضحك حتى تشل عضلات بطنك فلا تستطيع التنفس، وتصير حياتك مهددة فعلاً. إن من لم يقرءوا كتبه (صور مقلوبة) و(كلام فارغ) و(الأغاني للأرجباني) و(توته توته) محظوظون فعلاً، لأن الحياة مازالت تدخر لهم متعًا هائلة لم يجربوها بعد. إن صندوق الحلوى ما زال مغلقًا ينتظرهم أن يفتحوه. نتذكر أحمد رجب العظيم، لأنه كان من ألد أعداء التحذلق. لسانه الحاد الشبيه بسوط يهوي على كل هؤلاء المدعين ليمزقهم إربًا. 

كتب في أحد كتبه عن تجربة وضع نظارة لأول مرة في حياته. عندها عرف أنه يجب أن يكون مثقفًا. عليه أن يتحذلق ويكتسب آراء المثقفين في كل شيء، وإنه لمطلب عسير فعلاً. عليه أن يحب ذلك الكائن الممسوخ المقزز (الموناليزا) التي كلما رآها شعر أنه يرى ستي الحاجة بالطرحة، فلا ينقصها إلا كنكة القهوة والسبرتاية. عليه أن يتكلم عن بسمتها الغامضة الموحية التي تبتسم ولا تبتسم. وعليه أن يناقش وضع يدها على بطنها. عليه كذلك أن يحب تمثال فينوس ميلو مقطوع الذراعين، برغم أن الفكرة التي كانت تؤرقه هي أنه لو عاشت فينوس هذه في عصرنا لكانت تسولت عند السيدة زينب مرددة (عشانا عليك يا رب). عليه كذلك أن يعجب بلوحات الفن السريالي والتماثيل التجريدية العجيبة. كان هناك ناقد يبدي رأيه في (هارمونية التوازي) الواضحة في تمثال من تلك التماثيل ولعابه يسيل. دقق أحمد رجب فأدرك أن الناقد لا ينظر للتمثال بل لسائحة تلبس الميكرو جيب تقف قرب التمثال.

الفلاسفة والأطفال متقاربون في طريقة التفكير، لا يفهمون الادعاء ولا يطيقونه. فإذا كان الفيلسوف ساخرًا مثل أحمد رجب، فعلى المتحذلقين أن يتوقعوا فضيحة كاملة.

ما قام به أحمد رجب منذ عقود كان نكتة عملية قاسية. في ذلك العصر اكتشف أنيس منصور الكاتب السويسري العظيم فرديك دورنمات. أنت تعرفه بالتأكيد إذا كنت قد قرأت أو شاهدت مسرحية زيارة السيدة العجوز، أو البطل يدخل الحظيرة أو علماء الطبيعة. كان دورنمات يكتب بالألمانية لذا لم يكن بوسع كل واحد أن يصل لروائعه. هنا قام أحمد رجب - في نصف ساعة - بتأليف مسرحية عجيبة لا معنى لها، اسمها (الهواء الأسود) وكتب أنها نص مفقود لدورنمات. وطلب رأي مجموعة من أساتذة النقد في مصر. كانت هناك مسرحية لتوفيق الحكيم من مسرح اللامعقول اسمها (يا طالع الشجرة)، وكانت أعمال يوجين يونسكو العجيبة تقابل بحماسة غير عادية، لذا كان هذا الكلام الغريب مقبولاً ومحبوبًا.

انبرى النقاد يمدحون المسرحية - التي لا معنى لها - ويشيدون بعبقرية الكاتب السويسري وبراعته. هناك أسماء براقة جدًا لا أجرؤ على ذكرها هنا.

أخيرًا وجّه أحمد رجب ضربته القوية، وأعلن أنه هو مؤلف المسرحية، وأنه لا يعرف أي معنى لهذا الهراء الذي كتبه. بالطبع صمت النقاد العباقرة، وإن قال بعضهم: إن النص قد لا يكون لدورنمات لكنه عبقري برغم هذا!. وقال بعضهم: إن أحمد رجب تفوق على نفسه!.

هذه ضربة. ضربة محسوسة جدًا على رأي شكسبير.

إن التحذلق بحر لا ينتهي ولا يجف أبدًا. أذكر أنني كنت في ندوة لأديب شهير، واستضاف ناقدًا كبيرًا، ألقى محاضرة طويلة قاتلة عن منهج جديد للنقد، أطلق عليه (الخارطة الجينية للإبداع). هلل له الموجودون وصفقوا. 
لم أفهم الكثير مما قال لأنني غبي، فاتصلت بأغلب من حضروا الندوة لأستزيد من علمهم. لم أجد واحدا قد فهم ما يريد الرجل قوله. اتصلت به هاتفيًا وقلت له في بلاهة: 
- أنا فلان. كنت أريد أن أعرف تفاصيل منهجك في النقد بالخارطة الجينية. 
قال في برود: 
- أي خارطة؟
- الخارطة الجينية للنقد. 
- هل أنت متأكد من أنك اتصلت برقم صحيح؟
وضعت السماعة وأدركت أن الرجل هو نفسه لا يعرف حرفًا عما قاله لمدة ساعة في الندوة. لكن العنوان رهيب ويجمد الدم في العروق، ويشعر من لم يفهمه بأنه هو الغبي.

وللحديث بقية.