قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Saturday, March 19, 2022

هذا الجدار - 4 - الأخيرة

من كتاب "الآن أفهم" - رسوم فواز


عزيزي أستاذ عصام:

للمرة الأولى أكتب لك.. أنا مدام ثريا القماش التي بِعت لها تلك الشقة بالعجوزة.

أعتذر إن كنت أسبب لك أي إزعاج، لكن بصراحة لم أعد أطيق ترك ذلك الجدار الذي بنيته أنت في غرفة الصالون.. لقد كان طول الغرفة أربعة أمتار، فجعلها الجدار مترين ونصفًا.. أعرف أنني قبلت هذا الشرط منك، بل إننا ذهبنا للمحامي لتوقيع عقد الشقة، وبعد التوقيع جعلني المحامي أوقِّع على تعهد بعدم عمل أية تعديلات في الشقة.

لكن الأمر لا يطاق فعلًا.. أهم غرفة في شقتي التي هي ملكي ضيقة جدًا. ثم إنني بالفعل لا أعرف ما تضعه خلف هذا الجدار باستثناء ذكرياتك المزعومة.

هناك رائحة عفن دائمة تتسرب من تحته.. أذكر أنني دعوت ضيوفي ذات مرة للغداء وقد أعددت حساء فاصوليا ممتازًا له رائحة رائعة، لكنهم عزفوا عن الأكل؛ لأن رائحة العفن تلك تزايدت فجأة فصدّت نفوسهم.

وماذا عن الأصوات؟ أصوات واضحة تتكلم بالداخل.. أحيانًا أخدش الجدار بظفري متوقعة أن يسمعني أحد بالداخل.

ذات مرة تعالت الأصوات فعلًا، فأصابتني نوبة هستيرية ورحت أصرخ في وجه زوجي: "هذا الجدار يثير جنوني.. إن هذا لا يطاق! لا يطاق!"

الأدهى أن هناك من يدق على الجدار كثيرًا كأنه شخص يستوثق من وجود فراغ خلفه. وذات مرة فوجئت بنجفة الصالون تضاء من دون أن يضغط أحدهم المفتاح، وسمعت صوتًا كأنه صوت مثقاب يدار في الجهة الأخرى من الجدار، فصرخت بقوة.. عندها انطفأ النور ثانية.


عزيزي أستاذ عصام.. أكره أن أقول هذا لكني أخطرك أنني سأهدم الجدار ومهما كانت المسئوليات القانونية. فقط أردت أن تعرف؛ لأنني شخصية واضحة تتحرك في النور.

مع الشكر..
ثريا القماش

*******


" جريدة ........ " - صفحة الحوادث:

بناء على بلاغ من "محمد القماش" (تاجر) للعقيد "هاني الحفناوي"، انتقل رجال الشرطة إلى شقة صاحب البلاغ بالعجوزة، حيث تبين أن مالك الشقة السابق "عصام محمد فتحي" -في نيوزيلندا حاليًا- قد قام ببناء جدار في غرفة في الشقة، وأصر على ألا يهدمه المالك الجديد، لكن السيدة "ثريا" زوجة المالك الجديد للشقة أصرت على أنها تشم رائحة كريهة عبر الجدار، وقامت بجلب عمال لهدمه. بعد الهدم فوجئت بوجود جثتين لرجل وامرأة في حالة تحلل تام، ويبدو أن صاحب الشقة السابق قد قام بقتلهما ودفنهما في هذا الجزء ثم بنى جدارًا بنفسه. أثبت فحص الأوراق الخاصة بالقتيلين أن الجثة لـ"محمود الشيمي" وزوجته، ويبدو أن القاتل دعاهما لشقته بحجة اقتراب سفره ثم دس لهما مخدرًا في الشراب، وقام بجرهما إلى هذا الجزء من الغرفة، واستكمل بناء الجدار الذي كان قد بدأه فعلاً قبل ذلك. وفي الأيام التالية استدعى عمال المحارة والنقاشة ليتأكد من أن القبر مموه بالكامل. يعتقد أن سبب القتل هو خلافات مالية بينه وبين القتيل. أمرت النيابة باستكمال التحقيقات.

*******


عزيزي عصام:

أعتقد أن خطاباتي لم تصل لك.. ربما لأنني لم أرسلها قط.. ربما لأنني لم أكتبها قط. على كل حال فهمت أشياء وأشياء، وقد بدأت أخيرًا أستوعب الحقيقة الشنيعة التي لم أستوعبها قط بسبب سذاجتي، وإنني لأتذكر بجلاء كل ما حدث يوم دعوتنا لدارك لتصفية ديونك لي.. زوجتي تتحدث عن أننا يجب أن نلحق بك في نيوزيلندا لاستعادة الود القديم.. وأعتقد أني أوافقها على ذلك، فما رأيك أنت؟

المخلص محمود