قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Showing posts with label في أحوالنا الجارية. Show all posts
Showing posts with label في أحوالنا الجارية. Show all posts

Tuesday, February 23, 2021

دماغي كده - في أحوالنا الجارية - التصطيب وتكنولوجيا المعلومات

 من كتاب "دماغي كده"

Dublin School of Creative Arts

يندهش عامة الناس عندما يكتشفون أن إنجليزية الأطباء ليست جيدة إلى الحد الذي يعتقدونه، وأن الطبيب قد يقف أمام عناوين جريدة إنجليزية أو نص أدبي حائرًا عاجزًا عن الفهم. السبب الأول هو أن ما يتعامل معه الطبيب ليس اللغة الإنجليزية بالضبط، ولكن لغة أقرب إلى اللاتينية في معظمها.. والسبب الثاني أننا اعتدنا ونحن طلبة طب أن نستخدم تلك الطريقة الغريبة التي أطلق عليها اسم تكنو آراب في مزج المصطلحات اللاتينية بالعربية، لتتكون تركيبات لغوية ممسوخة مثل: النرفات والدراجّات لجمع لفظتي nerve و drug بالترتيب.. وحينما تخرجنا صرنا نستعمل ذات الطريقة على غرار (الجرح حيسبتك) أي أنه سيصير ملوثًا Septic.. لم أجد بعد الطبيب الذي لا يقول He is nauseating يريد القول إن المريض يشعر بغثيان، بينما معنى الجملة لغويًا أن المريض (يقرف).. دعك من تعبيرات مثل أن (المريضة جالها painful) بمعنى أنها تتألم .. ومعناها الحرفي أن المريضة جاءها مؤلم! دعك من النطق الذي يثير سخرية الأجانب لكلمات مثل Umbilicus و Jejunum و Vagina.. فهذه أمور صارت لها قوة الدين ولا يجرؤ أحد على تغييرها.

الغريب أنك تدرك الخطأ لكنك مع الوقت تعتاده حتى لا تبدو متحذلقًا سخيفًا.. ثم تصير أنت نفسك مصدرًا لهذه اللغة وتنقلها لمن يأتي بعدك.

Tuesday, November 12, 2019

دماغي كده - في أحوالنا الجارية - عندما يخرج الوحش

من كتاب "دماغي كده"


الكبت أزمة عنيفة في كل المجتمعات، لكنها أعنف في مجتمعنا، ولا أعني بهذا الكبت الجنسي فحسب بل العجز عن التعبير عن الغضب أو القهر أو الغيظ. تأمل لو أنك انفجرت في رئيسك غاضبًا وقلت له رأيك فيه فالنتيجة هي: "انت مش عارف شغلك يا أفندي؟ خصم 15 يوم ومن بكره في الشئون القانونية".

تنفجر في أستاذك فتكون النتيجة: "مجلس تأديب وفصل".

تنفجر في الضابط المستفز فتكون النتيجة: "انت حتطول لسانك يا روح أمك؟" ثم: "وبتفتيش المتهم قمنا بتحريز قطعة بانجو يحملها بغرض الإتجار".

تتشاجر مع زوجتك: "انت إزاي تكلمني كده؟ ماما كان معاها حق لما قالت إنك إنسان سافل".

تتشاجر مع أي واحد في الشارع. النتيجة هي أن تصحو في المستشفى لتتشاجر من جديد مع الممرضات.

Sunday, January 17, 2010

دماغى كده - فى أحوالنا الجارية - لماذا لم يشم عادل الورد؟



أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

شكر خاص للدكتور أحمد لإرساله نسخة رقمية من الكتاب خصيصا

===========================

امتحانات التيرم الأول للصف الثاني الابتدائي .. أشق طريقي وسط الزحام نحو اللجنة ممسكًا بكف (مريم) ابنتي الصغيرة إلى أن أصل للبوابة، فأدفع هذا وذاك من أولياء الأمور الذين يصرون على الوقوف أمام البوابة ليسدوها كأن هذا يجعل أطفالهم أذكى .. وفي النهاية أترك (مريم) لصف من العاملات مخيفات الشكل يناولنها لبعضهن يدًا بيد حتى تغيب في قدس الأقداس بالداخل، الأمر الذي يذكرني بمشهد الأب الذي ترك ابنته رهنًا لدى عصابة المخدرات في فيلم (الباطنية) إلى أن يجلب ثمن الحشيش الذي أخذه

عدت في موعد الانصراف لآخذها بذات الصعوبة، خاصة مع أحجام الأمهات المرعبة كأنها حروب الديناصورات في العصر الطباشيري ..  هنا لاحظت ظواهر عجيبة .. معظم الأمهات لم يعدن لبيوتهن قط وإنما ظللن طيلة فترة الامتحان على الباب يقرأن القرآن .. بعض الأمهات دامعات العيون، وثمة أم ترتجف وتتنفس بسرعة لتزيد قلوية دمها موشكة على الإصابة بحالة هستيرية.. بينما يخرج الأطفال مظفرين وقد بدا عليهم الغرور لأهميتهم المستجدة.. اكتشفت أن الأمهات يحملن جميعًا أسئلة الامتحان ليراجعنها مع الأطفال: جاوبت السؤال ده بإيه ؟.. قلت إيه هو لون القطة ؟.. الحتة دي مش في الكتاب
ثم يتقلص وجه الأم من صعوبة الأسئلة وتردد بلا انقطاع: ولاد الكلب .. ربنا ينتقم منهم !.. ربنا ينتقم منهم

سألتهن عن كيفية الحصول على هذه الأسئلة، فدللنني على صاحب مكتبة (شاطر) حصل على ورقة الامتحان وقام بتصويرها، وهو يبيع الورقة بعشرين قرشًا .. برغم إيماني بعبثية الموقف فقد وقفت في الطابور لأبتاع نسخة.. لن أكون الأب الوحيد الذي لم يشتر نسخة من الأسئلة ويكون علي أن أخبر أم العيال بهذا ..  فقط رحت أتساءل عن الكيفية التي حصل بها هذا الأخ على أسئلة الامتحان، فلابد أنه يقتسم الأرباح مع أحد الإداريين بالداخل .. عشرون قرشًا في ألف ورقة خلال ساعة.. ليس مبلغًا سيئًا .. دعك من أنه حصل عليها بالتأكيد قبل مرور نصف الوقت كي يتمكن من تصوير كل هذه النسخ

عندما عدنا للبيت راجعت مريم الإجابات مع أمها، ثم تفرغت للاتصالات الهاتفية مع صاحباتها .. لماذا لم يشم عادل الورد ؟.. أنا قلت لأن عنده زكام .. مس هناء عدت علينا وقالت هي دي الإجابة الصح .. هكذا ظل الهاتف مشغولاً لمدة ساعتين

عندما تأملت في الموقف بعد ما هدأت الأمور وجدت شيئًا غير طبيعي وغير مبرر .. نحن نتكلم عن امتحان نصف العام للصف الثاني الابتدائي !...   الصف الثاني الابتدائي !.. هل يستحق الأمر كل هذا الانفعال الزائد والتوتر ؟.. كل هؤلاء الصغار سينجحون بلا شك والمجموع لن يؤثر في مسار حياتهم، وإن لم أكن مخطئًا لن يحرمهم دخول كلية يحبونها..فماذا يصنعون في الثانوية العامة إذن ؟.. عندما لا يتناسب الانفعال مع المناسبة فإن ما تشعر به هو إحساس عارم بالسخف .. رجل يلطم خديه في الشارع لأنه لا يجد علبة الثقاب في جيبه

دموع وبكاء ومراجعات في الهاتف .. كل هذا من أجل (لماذا لم يشم عادل الورد ؟) و(ما لون القطة ؟).. هل هذا سلوك فسيولوجي ؟.. هل هذا سلوك عقلاني ؟.. هل هذا طبيعي ؟

في طفولتي – وأزعم أنني نشأت في أسرة مترابطة تهتم بأطفالها – لم يكن أحد يعلق أية أهمية على امتحانات من هذا النوع وبهذا الحجم ..  في هذا الوقت كنت في مدرسة مجانية، ولم تكن (الأبله) قد أصيبت بذلك المرض المريع الذي حولها إلى (مس)، ولم تكن أعراض التحول إلى (مستر) قد أصابت الأستاذ .. كان المعلمون قومًا بارعين في مهنتهم ذوي ضمائر حية وثياب رثة - بالمناسبة -  لأنهم لم يكونوا يحصدون الآلاف من الدروس الخصوصية... فقط كنت أخبر أهلي أن لدي امتحانًا غدًا فكانوا يعطونني الورق والأقلام اللازمة وينسون الأمر، ولم تبدأ هذه الهستيريا إلا مع دخولي الشهادة الابتدائية .. بدأت مع كثير من التحفظ

ما سبب هذا الذعر العام ؟
جاءني الجواب على الفور .. إنه الفراغ الروحي .. المصريون يفتقرون إلى مشروع قومي يضمهم ويوحد مشاعرهم لهذا يختلقون أي مشروع حتى لو كان (لماذا لم يشم عادل الورد ؟).. إنها الضغوط النفسية والاقتصادية والعاطفية والدينية تحاصر المصري الذي لا يجد طريقة لإخراجها إلا على باب اللجان .. فلابد من شماعة .. لابد من قناة لخروج كل هذا الضغط .. هكذا لا يجد المصري هدفًا إلا ذلك الطفل البائس ذا سبع السنوات الذي تقع على كتفيه الصغيرتين مسئولية كل شيء يحدث للأبوين .. وبما أن العصاب معد، فإن هذا التوتر ينتقل للطفل مع الوقت .. سوف يذهب إلى الامتحان شاعرًا بأنه مسئول عن آمال أمة وأحلام وطن .. وسوف يرتجف ويتوتر ويقضي الساعات على الهاتف يناقش لون القطة مع أصحابه .. اثنتا عشرة سنة من التوتر، ثم ينتهي وقوده في الثانوية العامة فلا يظفر إلا بخمسة وثمانين في المائة بعد كل هذه الصراخ

الشخصية المصرية تعاني درجة عالية من التوتر العاطفي الذي يبحث عن مخرج .. مثلاً قد يأخذ هذا المخرج شكل توتر لا مبرر له كالذي رأيته على باب اللجنة .. هناك هواية صنع أبطال حتى لو كانوا من عينة شعبان عبد الرحيم لمجرد أنه قال (أنا باكره إسرائيل)... إنه ذلك الجوع إلى بطل يحمل عنا العبء النفسي ويدفع ثمن أرواحنا

الغضبة العارمة في قضية الرسوم الكاريكاتورية الدانمركية عظيمة ومفهومة، ولكن أين غضباتكم على نهب مصر وتزوير الانتخابات وتعرية الصحفيات وعلى احتلال العراق الذي يهين المصاحف في دورات المياه ؟.  يحتاج الأمر إلى عالم اجتماع يفسر لنا هذا التناقض السلوكي عندما يهان الدين بيد الولايات المتحدة وعندما يهان بيد الدانمرك

اتصلت بصديقي لأخبره بهذه الخواطر فوجدت الخط مشغولاً.. طلبته عدة مرات على مدى ساعة، وفي النهاية عرفت أن زوجته كانت تجري مكالمة طويلة مع أم (ندى) زميلة ابنته الطالبة في الصف الأول الابتدائي .. السبب هو أنهم - أولئك الأوغاد في المدرسة - قد أنقصوا درجتين من نتيجة الفتاة لأنها قالت إن لون القطة أسود بينما كتاب الوزارة يؤكد أنها بيضاء !.. الأم مصرة على تقديم شكوى وإعادة تصحيح الأوراق، بينما زوجة صديقي تقنعها أن كتاب الوزارة هو الحجة الأخيرة .. ما دام قال بيضاء يبقى بيضاء ... ثم أن هؤلاء لن ينصفوك أبدًا لأن التعليمات تقضي بأن يقللوا عدد من يدخلون الجامعات

هكذا أنهت أم (ندى) المكالمة، ولن أندهش لو عرفت أنها ابتلعت أقراص الأسبيرين لتقتل نفسها بعد ما فقدت كل أمل في الغد

مصر تتحول يومًا بعد يوم إلى مستشفى مجانين كبير .. هل يدرك أحد هذه الحقيقة قبل فوات الأوان ؟

Saturday, January 16, 2010

دماغى كده - فى أحوالنا الجارية - على سبيل التفويل



أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

شكر خاص للدكتور أحمد لإرساله نسخة رقمية من الكتاب خصيصا

===========================

لأسباب تتعلق بالنحس، اضطررت ذات مرة إلى العودة من القاهرة إلى طنطا في ساعة متأخرة بعد رحيل آخر القطارات.. وهكذا ركبت إحدى سيارات الميكروباص الواقفة في ميدان رمسيس والتي يصر رجال المرور على أنه لا وجود لها .. منذ البداية لاحظت أن السائق محمر العينين يتكلم بالضبط على طريقة (اللمبي).. نموذج فريد جدًا يصلح لشرح الإدمان عليه لطلبة الطب.. شاب عجن شعره لأعلى بالفازلين، وارتدى انسيالاً جلديًا ويعاني حالة متقدمة من الإحساس بالفتونة والعافية والفخر بشاربه

وانطلق الميكروباص في تلك الرحلة السوداء التي يمكنك أن تتخيلها .. سرعة جهنمية حتى شعرت بأن الميكروباص لا وزن له تقريبًا .. أخطاء قاتلة .. فرملة حيث لا ينبغي أن تفرمل .. الأضواء كلها مطفأة على سبيل (الحرفنة).. كل قاعدة مرور في الكتاب خرقها هذا الفتى .. إنه يسرع في المنحنيات برغم أن أول قاعدة قيادة سمعتها في حياتي هي التهدئة في المنحنيات، من ثم يتحول الميكروباص إلى دراجة أطفال لطيفة تجري على عجلتين .. وعند مدخل أحد الكباري كانت أمامنا مقطورة لا تكف عن إعطاء إشارة الاتجاه إلى اليمين .. هكذا صارت قضية حياته أن يمر من جهة اليمين وإلا فقد رجولته وكرامته .. اقترب جدًا وأوشك على المرور لولا أنه أدرك في آخر لحظة أن الثغرة لا تكفي وأن معنى المحاولة هو السقوط في الماء .. هكذا داس الفرملة بعنف أطار الجالسين .. لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد .. إنه ككل الشخصيات الفمية يعتقد أنه على حق دائمًا .. يخرج رأسه من النافذة ليسب سائق المقطورة بشتائم لا يمكن التلميح لها، وكل ذنب السائق أنه قرر أن يتجه لليمين وأعطى إنذارًا بهذا قبل أن يفعل بخمس دقائق

من جديد اندفع للأمام ليضغط على سيارة ملاكي تمشي أمامنا.. ضغط عليها جدًا إلى درجة أنه اضطر للفرملة بالعنف بعد ما أوشكت الكارثة على الحدوث .. من ثم أخرج رأسه من النافذة يسب سائق الملاكي وكيف أن (أمه جايباها له) وإنه بالتأكيد رجل مترف رائق البال ذاهب لممارسة الزنا أو عائد منه

أين الرادار الليلي الذي صدعونا بالكلام عنه ؟.. ولماذا أرى كمين مرور للتفتيش على الأحزمة كل دقيقة في الصباح بينما معظم الحوادث تقع ليلاً ؟..  بهذه الطريقة في القيادة ليس الغريب أن يقع حادث من وقت لآخر.. المعجزة الحقيقية ألا يحدث حادث كل دقيقة.. المعجزة  ألا تكون لدى كل سائق ميكروباص مرة واحدة يقود فيها في حياته ثم يموت ويأتي غيره، وكلهم يتوق إلى أن يرى طنطا هذه

ـ(خلص) و(اخطفها) ..كلمتان هما السبب الدائم لمشكلة المرور في بلدنا .. كل حادث لابد أن سببه واحد أراد أن (يخلص) أو وجد فرصة وأراد أن (يخطفها).. حتى هذه اللحظة كنت أرى الركاب هادئين مستسلمين كالخراف، وقد قال لي أحد الجالسين جواري
ـ"هو دايمًا يسوق كده .. ما تركزش وبإذن الله نوصل بالسلامة"ـ

لكن صبري كان قد نفد، فلو كان هذا المخبول يتوق إلى تدمير الميكروباص والانتحار فهذا شأنه، أما أنا فليس ضمن برنامجي أن يصير  أطفالي يتامى بسبب مدمن أفرط في شرب (التوسيفان) أو تلك الخلطة اللعينة التي يطلقون عليها (مزاج العربجي)ـ

صارحته برأيي في قيادته وكيف إن الميكروباص كاد ينقلب سبع مرات على الأقل .. فقال في غلظة وتحد
ـ"مش انت اللي سايق يا أستاذ.. أنا اللي وازن الدركسيون وعارف أنا بعمل إيه بالضبط .. يعني أنا عاوز أقلب عربيتي ؟"ـ
أخبرته بحقيقة حسبتها مفهومة، هي أن كل من انقلبت به السيارة كان يزن عجلة القيادة ويعتقد أنه يعرف ما يفعله ..وبالتأكيد لا أحد منهم تمنى أن يحطم سيارته

كل هذا مألوف للقارئ ولا يبرر كتابة هذا المقال، لكن ما ليس مفهومًا هو تلك الثورة العامة التي عمت السيارة، وكيف هبت كل تلك الخراف النائمة تصيح بي بمزيج من الغضب الحقيقي ومداهنة السائق
ـ"يا عم ما تفوّلش ... تف من بقك .. بشروا ولا تنفروا !"ـ

كان رأسي يوشك على الانفجار من الغيظ .. تأمل معي هذا المنطق .. التحذير هو الذي سيقلب السيارة ويرسلنا إلى الجحيم، بينما كل هذا الذي يمارسه السائق شيء طبيعي والرجل يعرف ما يفعله .. الحوادث لا تقع لأن هناك مستهترين، وإنما لأن أمثالي من الأفندية كغربان البين يصرون على (التفويل)ـ

طبعًا تمت الرحلة على خير بدليل أنني أكتب هذه السطور، وإن حققت رقمًا قياسيًا جديدًا هو ساعة إلا الثلث من القاهرة لطنطا، لكن هذه القصة ذكرتني بقصة للراحل العظيم (يوسف إدريس) اسمها (سنوبزم)، عن أستاذ الأنثروبولوجي الذي اعتاد ركوب الأتوبيس المزدحم، وفي يوم راقب مشهدًا غريبًا . رجل يتحرش بامرأة إلى درجة محاولة نزع ثوبها .. لما استغاثت المرأة هب ركاب الحافلة كلهم على من؟ على المرأة طبعًا .. وتم رميها من السيارة في أول فرصة .. هذا السلوك الجماعي الغريب أثار فضول عالم الأنثروبولوجي فسأل الناس بصوت جهير عن سبب هذا التصرف .. كانت النتيجة أنه تلقى علقة ساخنة وألقي من الأتوبيس بنفس الطريقة

السلوك الجماعي يتخذ مناحي غريبة أحيانًا، وهو في قصتي يكشف الكثير عن مفهوم القدر في عقولنا .. في هذا المفهوم يعتبر الحذر من الحوادث هو سبب الحوادث، ولا يوجد ما يمكن منعه على الإطلاق و(لو مكتوب لنا نعمل حادثة حنعمل .. حتى لو العربية واقفة).. يا سلام على كل هذا الإيمان والزهد الجديرين بالدخول في تراث التصوف!.. يقود الرجل سيارته بسرعة ثمانين في الساعة وطفله السعيد على حجره خلف المقود،  معرضًا الطفل لتهشيم جمجمته مع أول فرملة عنيفة، فلو أنه ارتكب هذه الفعلة في الخارج لشنقوه .. يترك الرجل طفله يتسلق سور الشرفة ويتدلى منها… يناول الرجل صديقه كوب الشاي الساخن فوق رأس طفله .. فإذا تكلمت قال لك في حكمة إن الحذر لا يمنع القدر وإن (ربنا يستر) .. فإذا وقعت الواقعة وهلك الطفل جلس في سرادق العزاء يبكي ويتحدث عن (الوديعة التي استردها الله منا ) و(هذا هو عمره )..  نعم ..  كان مكتوبًا أن يتسلق الطفل سور الشرفة وتنزلق قدمه فيسقط في الشارع .. كان مكتوبًا أن ينفجر إطار الميكروباص وينقلب وهو يرمح بسرعة 120 كيلومترًا في الساعة .. كل هذا مكتوب كما كتب أنك أحمق مستهتر، ورعونتك سوف تقودك إلى المهالك

سبعون بالمائة من الحوادث يمكن منعه .. هذا ما يقوله الغربيون .. كم من حريق ينتظر أن يحدث بسبب عقب سيجارة أو ماس كهربي .. كم من كوب مليء بالبوتاسا الكاوية التي تبدو كاللبن ينتظر الطفل البائس الذي سيشربه .. حادث السيارة المروع الذي سيحدث فجر غد بسبب الرعونة .. كل هذا يمكن منعه .. حتى الأوبئة يمكن منعها لأن هناك فرعًا مهمًا من الطب اسمه الطب الوقائي، فلا تبقى إلا نسبة 30% يستحيل أن تفعل بصددها أي شيء، وهي قائمة البراكين والفيضانات والزلازل، وطبقًا لهذا كان ينبغي أن تكون مصر أكثر بلدان العالم أمنًا، فقد حفظها الله من الكوارث الطبيعية لكننا ملأناها بالكوارث البشرية

أحيانًا تبلغ القدرية درجة تثير الجنون .. أذكر أن شابًا في العشرين من معارفي أجرى جراحة تافهة، وبسبب خطأ اعترف به طبيب التخدير توفي الفتى على مائدة الجراحة .. قلت لأقاربه إن من حقهم – وربما واجبهم – أن يتخذوا إجراءً قانونيًا .. كان ردهم متوقعًا هو أن التقاضي لن يعيد لهم من مات، ثم أن هذا عمره .. لقد كان مكتوبًا له أن يموت في هذه الساعة .. قلت لهم إنه لو أخرج طبيب التخدير سكينًا وأغمده حتى المقبض في صدر الفتى، فهذا عمره أيضًا .. ولو عممنا القاعدة فلا جدوى من معاقبة القاتل في أية جريمة.. بالطبع لم يكونوا مستعدين لسماع هذا الهراء ، وخبرات آلاف السنين لا يمكن تغييرها لمجرد أنك تريد هذا .. أعتقد أن هذه القدرية سوف تكبلنا للأبد، ما دام لا يمكن منع الحوادث، وما دامت فكرة الاحتياط اعتراضًا على القدر

واجب علماء الدين أن يثبتوا مفهوم (اعقلها وتوكل) في أذهان الناس منذ الصغر، وأن ينمو نوع من الوعي المروري ذي الطابع الديني في الأذهان، إذا كان الناس فعلاً متدينين إلى القدر الذي يحبون أن يروا أنفسهم به

الخاطر الأخير الذي جال بذهني بعد مغامرة الميكروباص تلك هو صورة وطن كامل .. وطن كامل يندفع إلى الهاوية، بينما الناس نيام مستسلمون لقدرهم، و(ما تركزش وبإذن الله نوصل بالسلامة)، فإذا فتح أحمق فمه للاعتراض هبوا غاضبين يخرسونه .. السائق يؤكد أنه يسيطر على عجلة القيادة تمامًا لكن الشواهد تكذبه ..  ثم إنني استبعدت هذا الخاطر حتى لا يتهمني أحد بـ(التفويل)، فلعلي إذا أسرفت في الحديث عن ضياع الوطن ضاع الوطن فعلاً

دماغى كده - فى أحوالنا الجارية - عصر مراد بيه



أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

شكر خاص للدكتور أحمد لإرساله نسخة رقمية من الكتاب خصيصا

===========================

يحدث الصبي ذو السنوات العشر صخبًا في فصل المدرسة الخاصة فتنهره المعلمة ، لكنه لا ينتهر ولا تحمر أذناه إنما ينظر في عينيها بتحد، ويقول ضاغطًا على كل كلمة من كلماته
ـ"انت مش عارفة بتكلمي مين .. .. إنت نسيتي إن أهلي هما اللي بيدفعوا لك المرتب ؟.. وحياة أمي بكرة مش حتشتغلي في المدرسة دي !!"ـ

تصاب المعلمة الشابة حديثة الخبرة بحالة جنون هستيري ممزوج بالدموع، وتقتاد الصبي إلى مدير المدرسة الذي يتصل بأبيه .. طبعًا كلنا يعرف بقية القصة .. الأب (مراد بيه) يأتي للمدرسة وينهال تقريعًا على المدرسة والمدير أمام ابنه ومن تيسر من تلاميذ أو عمال، ويكرر ما قاله ابنه من أن كل هؤلاء يتقاضون رواتبهم من جيبه، والأغرب هو أن شيئًا لا يحدث للصبي على الإطلاق .. فقط تطلب المعلمة أن يتم نقلها فلا تدرس لهذا الفصل ثانية .. أي أن تهديد الطفل قد تحقق بشكل ما لو أردت أن تأخذ الأمور بشكل متشائم

 من هو (مراد بيه) ؟.. هو شخصية ذات نفوذ وإن كان أحد لا يعرف مصدر نفوذه بالضبط..  ترى على ملامحه ذلك المزيج الفريد من الصفاقة والغلظة والغرور الذي يفوق الحد، وقد تعلم تلك النظرة البوليسية الموحية بالأهوال والتي تقول: "إنت مش عارف بتكلم مين".. يجيد إلقاءها وهو يفتح باب سيارته المرسيدس ليتشاجر مع هذا أو ذاك

لقد تغلغل (مراد بيه) في حياتنا إلى حد غير مسبوق .. سيطر على كل مكان وكل مرفق .. إنها الروح القبلية التي تضخمت في مجتمعنا والاستهانة بالقانون .. ما دمنا نحن من يرتكب الأخطاء ونؤذي فكل شيء على ما يرام والحياة حلوة. الجرم كل الجرم أن تُؤذى بفتح الذال

مصر قد تحولت اليوم إلى فصل كبير من فصول هذه المدرسة الخاصة .. فصل لا يحترم أحدًا ويزرع في عقول أطفاله أن عدم احترام القانون هو جزء من السمو الاجتماعي .. نحن أكبر من المدرس .. أكبر من القانون .. الضعفاء والفقراء فقط هم من يحترمون المدرس ورجل الشرطة ويقفون في الصف، بينما نحن سادة (بنو مخزوم) ومن يجرؤ على اعتراضنا ميت

الأمثلة على ذلك كثيرة، وفي جعبة كل منا العشرات منها، لكني على سبيل المثال لا الحصر أذكر موضوع تقاطع شارعي (بطرس) و(سعيد) الذي يعرفه كل من يسكن في مدينة طنطا .. منذ أعوام وعند الثامنة مساء تقريبًا تلتقي في هذا الموضع عشرات من سيارات الشباب .. تراهم يسدون الطريق سدًا ويقفون خارج سياراتهم وأبوابها الأربعة مفتوحة، وموسيقا الكاسيت عالية جدًا وهم يتبادلون المزاح البذيء .. فلا يستطيع من يريد المرور عمل ذلك إلا بصعوبة وبعد ضغط آلة التنبيه عشرات المرات إلى أن يتنازل أحدهم ويغلق بابًا في قرف شديد، أما الفتيات فقد تعلمن أن يتجنبن هذا التقاطع بأي ثمن .. الملحوظة المهمة هي أن أغلب لوحات السيارات تحمل رقمين أو ثلاثة لا أكثر، وهناك عدد من النسور واللوحات السود والزجاج الفيميه ..  بينما يقف شرطي مرور ريفي بائس من طراز (يا سنة سوخة) على بعد ثلاثة أمتار منهم عاجزًا عن عمل شيء، فيكتفي بالتعرض لسيارات الأجرة .. هو لا يريد أن يجازف، ولابد أنه يذكر أمثلة كثيرة لزملاء له فشلوا في تبديد هذه المظاهرة أو عوقبوا .. وكل سائق أجرة يعرف أنه من المستحيل تفرقة هؤلاء لأن كل واحد فيهم ابن اللواء (مراد بيه) أو ابن المستشار (مراد بيه).. ونحن نعرف كيف ينتهي كل كمين شرطة ببضع مكالمات بالموبايل .. و(كلم مراد بيه على التليفون).. فإذا رفض الضابط أن يضع الموبايل على أذنه، صاح الفتى في السماعة: يا مراد بيه .. الضابط مش عاوز يكلمك .. هكذا يتلقى الضابط المغتاظ المكالمة واللوم ويعيد الرخصة للفتى ..  حبة جديدة تضاف لمسبحة غرور الفتى وثقته بأنه فوق أي قانون، وقصة جديدة يتفاخر بها في قعدات البانجو

سيارة تتوقف في مكان ممنوع وحساس أمنيًا بالمطار، فيعترض رجل الشرطة، هنا يخرج من السيارة رجل ضخم فخيم يلوح بالموبايل وينزع نظارته السوداء ليسمح للنظرة الأمنية الثاقبة بالخروج، ويقول للشرطي بلهجة تهديد: "أنا المستشار مراد كذا " .. برغم أن كلمة (مستشار) توجب عليه – كي يستحقها – أن يضرب المثل في احترام القانون .. وبالطبع يمتثل الشرطي البائس ويتراجع .. هو الغلبان الذي أفطر فجلاً وتغدى عدسًا .. هو القادم من (دشنة) ولو لم يأت البوكس ليحمله في نهاية الوردية لما عرف كيف يعود ولمات جوعًا

وفي (مارينا) منذ أعوام - كما قالت الصحف -  أوقف شاب يبغي استعراض القوة سيارته بالعرض لتسد شارعًا رئيسًا، فتبقى السيارة حيث هي أربع ساعات لأن أحدًا لم يجرؤ على استدعاء الونش لجرها .. ما دام الفتى قد فعل هذا، فهو على الأرجح ابن (مراد بيه).. مراد بيه الذي قد يكون وزيرًا أو عضو مجلس شورى أو لواءا كبيرًا في الداخلية، أو ربما هو صاحب مارينا نفسه

المستوى الآخر الذي بلغته المشكلة هو الادعاء .. كل الناس تعلمت كيف تتصنع أنها تمت بصلة لـ (مراد بيه).. لي صديق متأنق يجيد التمثيل، ويعرف في كل كمين مروري كيف يدعي أنه المستشار (مراد كذا) .. وقد ساعده الملصق الموضوع على زجاج سيارته والذي لا ينوي أن ينتزعه أبدًا .. صارحته بأنها مخاطرة وأنه لو طلب منه رجل الشرطة هويته لوجد نفسه في مأزق، فقال في ثقة إن هذا مستحيل .. لا أحد يجرؤ على طلب هوية (مراد بيه).. دعك من تلك النظرة الأمنية الغامضة التي تعلمها من أفلام (مراكز القوى)ـ

إنه ذلك الإحساس بعدم فعالية القانون، وأن هناك طبقة فوقه، وأن إجراءات التقاضي بطيئة، فإن تمت صار لديك حكم لا جدوى منه وعليك أن (تبله وتشرب ميته).. وكما يقول الغربيون: إن لم تستطع هزيمتهم فلتنضم لهم .. لا جدوى من هزيمة هؤلاء الذين صاروا يملكون مصر فعلاً، فلا مناص من الانضمام لهم بشكل ما .. عن طريق ابنك .. عن طريق النسب .. عن طريق المماحكة.. عن طريق لوحة سيارة عليها رقمان أو ثلاثة لا تقبل أن تبيعها مهما عرض عليك من مال

هناك حل آخر هو البلطجة .. بعض الناس سيأخذون حقهم بأيديهم ما دام القانون لن يعيده لهم .. منذ أيام استعمل أحد رؤساء الأحزاب -أستاذ قانون- مجموعة من البلطجية يقتحم بهم مقر الحزب، لأنه امتلك حكمًا لا يستطيع تنفيذه وهو مؤشر خطير جدًا على تراجع سلطة القانون واحترامه. أعتقد أن حوادث العنف سوف تتزايد باستمرار مع نمو هذه الطبقة وتنامي سلطة (مراد بيه).. من لا يملكون مراد بيه سوف يلجئون إلى (سوكة) و(سيد سوابق)ـ

لماذا تتسابق الأسر على أن يدخل أبناؤها كلية الشرطة ؟.. هناك أسباب كثيرة لكن أهمها أنها تريد أن تملك (مراد بيه) الخاص بها والذي تخالف به القوانين .. ولتحقيق هذا تتصل بـ (مراد بيه) آخر ليسهل لها أن يصير ابنها (مراد بيه).. كل أسرة تريد أن يكون عندها وكيل النيابة والمستشار فإن لم تجد واحدًا ناسبته أو تمحكت في قريب بعيد .. هكذا تستطيع أن تخالف القانون كما تشاء .. وترى السيدة تحدثك في فخر عن قرابتها لـ (مراد بيه) في الجمارك و(مراد بيه) في أمن الدولة و(مراد بيه) في دار القضاء العالي  و(مراد بيه) في قسم (الساحل).. حتى كأنها من هواة جمع الطوابع تحدثك عن مجموعتها الخاصة من الـ (مراد بيهات)ـ

والمشكلة في مصر أن الأمر تجاوز مجرد لذة قهر الجيران .. إن النجاح الاجتماعي صار يقترن اقترانًا قويًا بالقدرة على خرق القوانين .. مش إحنا .. لقد تعبت كثيرًا حتى أبلغ مكانة تسمح لي بمخالفة القانون ولن أسمح لواحد من العامة بأن يحاسبني

لقد وصل الدرس كاملاً إلى ابن (مراد بيه) وإلى كل طفل في ذات الصف معه .. إلام سيصير هذا الصبي ؟.. وإلام سيصير زملاؤه الذين رأوا المواجهة بين قيمة العلم والاحترام وقيمة النفوذ والبلطجة وعرفوا بوضوح من الفائز .. ؟.. إلام سيصير الجميع بعد عشر سنوات؟..  لا أتمنى أن أكون موجودًا لأعرف

Thursday, January 14, 2010

دماغى كده - فى أحوالنا الجارية - مخلوقات كانت رجالا



أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

شكر خاص للدكتور أحمد لإرساله نسخة رقمية من الكتاب خصيصا

===========================

(1)

لا يوجد ثقاب يا حضرات .. هذه هي الحقيقة المريعة التي أدركتها بعد البحث في عشرة أماكن، والسبب كما قال لي البقال هو أن سعره سيرتفع ليصير جنيهين إلا الربع للقاروصة بعد ما كان جنيهًا. كما تعرف تكفي أية إشاعة في مصر عن ارتفاع سعر شيء ما كي يختفي من على ظهر البسيطة.  قال لي البقال هامسًا: "هل تصدق أن المشابك الخشب اختفت كذلك ؟"ـ

لا أعرف أهمية المشابك الخشب ولست مستعدًا للغضب من أجل اختفائها .الثقاب شيء تافه، وهذه الزيادة لعب أطفال بالنسبة لما حدث للزيوت والمكرونة واللحم والبنزين، لكن هذه كانت القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة لي فرحت أردد
ـ"ربنا ياخدهم أو ياخدنا !! "ـ

والبقال ينظر لي في دهشة من ذلك الطبيب الذي فقد أعصابه لأن سعر الثقاب ازداد خمسة وسبعين قرشًا. لابد أنه تساءل عن مدى شُح هؤلاء الأفندية. لكن الثقاب ليس كل شيء بل هو آخر قائمة مرهقة من الأعباء التي تتضاعف يومًا بعد يوم وبسرعة لا تصدق بعد العلاوة إياها، حتى أن نفس البقال قال لي ذات يوم ساخرًا
ـ"سعر الزيت النهارده كذا .. أصل أسعارنا بتتغير كل يوم زي الصاغة !"ـ

ربنا ياخدهم أو ياخدنا .. هذا حل عادل بالنسبة لي، والثقاب مهم لنا إذا أردنا أن نحرق أنفسنا فلماذا يختفي ؟
ماذا يريد هؤلاء القوم منا ولماذا لا يتركوننا نحيا ؟... لماذا يصحون كل يوم من نومهم ليجعلوا الحياة أعقد ويتأكدوا من أننا نزلنا طبقة في السلم الاجتماعي ؟.. لماذا لا يكتفون ويرحلون بما سرقوه منا إلى جزر الكاريبي ليعيشوا كالملوك ، ويتركوننا نحيا بما تبقى في هذا البلد ؟ .. وما الفارق بين أن تكون ثروة الواحد منهم 20 مليارًا وأن تكون 21 مليارًا ؟. هم فقط يريدون أن يعتصروا الليمونة حتى آخر قطرة .. لن يركبوا الطائرات المتجهة إلى سويسرا قبل أن يتأكدوا من أن آخر موظف قد صار حافيًا وآخر طفل قد مات بسوء التغذية وآخر سنتيمتر مكعب من الغاز الطبيعي تم ضخه لإسرائيل، عندها فقط يسافرون وينسون كل شيء عن مصر .. ربما يظهر واحد منهم في التلفزيون السويسري ليتنهد ويقول: مصر أم الدنيا .. واحشاني قوي

منذ أيام جاءني ذلك الشاب المصرفي المتأنق الذي أفرزه عصر الانفتاح بكثرة في مجتمعنا .. قميص قصير الكمين وربطة عنق ومن حزامه تتدلى عشرات الأجهزة المبهمة التي توحي بالأهمية، وكما يصف صنع الله إبراهيم هذا النمط فهو يستعمل طيلة الوقت لمحات من ثقافة غربية سطحية، وغالبًا يبيع الهواء. لابد من استعمال لفظة
CEO
و
Sale
و
Share
  في كل جملة تقريبًا. جاءني يقنعني بأن أدفع ألف جنيه شهريًا لمدة ثلاثين عامًا وسوف أظفر في النهاية بمبلغ كذا !! ..نظرت له وابتسمت .. هل أنت واثق من أن مصرفك سيكون موجودًا بعد ثلاثين عامًا ؟... هل سأكون أنا موجودًا ؟ .. هل مصر نفسها ستكون موجودة إذا استمررنا بهذا المعدل ؟
لم يرد .. ضحك في عصبية وقال: "دي حاجة بتاعت ربنا بقى .. هيء هيء هيء ..!"ـ

المشكلة هي أنك قد تكون ميسور الحال نسبيًا، لكنك لا تضمن أي شيء من أي نوع. عرفت جراحين زملاء لا يكفون عن العمل والكسب، برغم هذا يشعرون بقلق مريع من الغد، ومن اليوم الذي قد يصيرون فيه عاجزين عن العمل، فالجراح مثل أي شخص آخر (شغال على دراعه). مهما ادخروا في المصرف فمن الوارد أن يفيقوا ليكتشفوا أن ما ادخروه صار يساوي 31 جنيهًا لا أكثر، أو أن المصرف ذاته لم يعد له وجود

البورصة ؟.. هذا مكان مناسب كي تفلس فيه، وسوف تدرك وقتها أنه ليس مكانًا للاعبين الصغار بل هو مكان لعب العمالقة الذين يخصصون مبلغًا لا بأس به للخسارة

من اشتروا عقارات صاروا عاجزين عن التصرف فيها بسبب الافتقار إلى السيولة .. أعرف أشخاصًا يملكون أراضي وشققًا لكنهم عاجزون عن بيعها برغم ارتفاع سعرها كل يوم.. من الممكن أن يجدوا من يدفع على أقساط لكنك تعرف جيدًا أنه لن يدفع سوى قسط واحد ويكون عليك أن تلجأ للتقاضي وأن تقضي باقي حياتك في المحكمة

وماذا عن افتتاح مشاريع صغيرة ؟.. في شارعنا تجد في كل يوم مكبرات صوت ودي جي وتصوير فيديو وحلوى توزع، وقبلات على الخدين وخيلاً ترقص مع افتتاح محل جديد. ثم تجلس في المحل فتاة شاحبة سيئة التغذية بالشبشب الزنوبة تنتظر أي زبون .. بعد شهرين يُغلق هذا المحل بسبب الكساد وتبدأ الدورة من جديد. الدورة التي لم يستفد منها سوى مصور الفيديو والدي جي

أتكلم هنا بالطبع عن الأشخاص الذين يكسبون نسبيًا، ولديهم رأس مال صغير يريدون أن يضعوه في شيء مضمون، فماذا عن الذين يعيشون من اليد إلى الفم وهم يتزايدون كل يوم ؟

كنت أمر جوار طابور من طوابير الخبز، عندما رأيت ذلك الرجل الأصلع ممزق الجلباب ذا الستين عامًا يخرج من الطابور بولادة عسرة حقيقية .. فمه مفتوح في لهفة والعرق يبلل جبينه وهو يحتضن كومة من أرغفة الخبز في حنان ووله حقيقيين .. صورة مجسدة للخلاص والفرحة والظفر
رأيته يتوقف إلى جوار الرصيف لحظة ليتأمل جيدًا في روعة ما حققه، وفي اللحظة التالية رأيت على دراجة ذلك الصبي الذي تشي ثيابه بأنه حرفي، ينقض على الرجل ليخطف بضعة أرغفة من الكومة وينطلق مبتعدًا بسرعة البرق. في ثوان تحول وجه الرجل إلى الحسرة المجسمة ودموع الغيظ احتشدت في عينيه لكنه صار عاجزًا عن الغضب أو السباب .. شيء ما في عينيه يشي بأنه فقد إنسانيته فلم تبق لديه من عاطفة إلا الجوع والظمأ

 قلت لنفسي: الحمد لله أنني لست المسئول المباشر عن هذا الرجل ولا الفتى السارق. برغم هذا كل واحد فينا مسئول .. يجب أن تتذكر هذا وأنت تدخل فراشك ليلاً

خطر في ذهني عمنا مكسيم جوركي وما كان سيكتبه لو رأى هذا المشهد. بطبيعة الحال كان أقدر على رؤية هذه التفاصيل، وقد قرأت له منذ زمن سحيق مجموعة قصصية رائعة اسمها (مخلوقات كانت رجالاً) ترجمة (سعد توفيق) تحكي عن مجموعة من النماذج البشرية التي (أكل عليها الدهر وشرب وقضى حاجته) – على رأي بلال فضل الذي أفتقده كثيرًا – وهذه النماذج تعيش كلها في مسكن رخيص الثمن شديد القذارة أقام فيه الكاتب لفترة ما من فترات شبابه الصاخبة. بالفعل هي مخلوقات كانت رجالاً وكان يمكن أن تحصل منها على نفع أكبر بكثير من الوقوف ساعات في طوابير الخبز أو سرقته

قررت أن أكتب في الأسابيع القادمة عن هذه  المخلوقات التي كانت رجالاً في عالمنا هذا، والتي أفقدها الفقر الكثير من إنسانيتها .. أكتب عنها لأنني لا أملك أن أقدم لها شيئًا آخر ... وللحديث بقية

(2)

القصة واقعية تمامًا، لكن لو كانت قصة بوليسية ولو كان كاتبها أحد أساطين القصص البوليسية من وزن (أجاثا كريستي) أو (إيلري كوين)، لكان اسمها (قضية سرقة الحقنة الشرجية)، و لبدأت كما يلي

أشعل المفتش (أرشيبالد مكالستر) من سكوتلانديارد غليونه وجلس في مقعده الذي كان مقعد طبيب القسم منذ دقائق، وقال للطبيب مفكرًا
ـ"ما زلت لا أفهم القيمة المادية لهذه الحقنة الشرجية حتى يقوم أحد بسرقتها .."ـ
قال الطبيب : "لا قيمة لها على الإطلاق .. عامة هي مجرد كوز صديء من الصفيح يتصل بخرطوم، ولدينا واحدة فقط في قسم الرجال وواحدة في قسم الحريم. نحن لا نستطيع الاستغناء عنها لأننا ننظف قولون مرضى الغيبوبة الكبدية بانتظام، وعامل القسم هو الذي يجري هذه العملية. منذ أسبوعين تبرع أحد فاعلي الخير للقسم بحقنة شرجية أنيقة (زي العروسة) لونها أزرق جميل .. هكذا صار لدينا ثلاث حقن شرجية، لكن مشكلة الروتين والبيروقراطية بالنسبة لهذه الهبات هي أنها لا تدخل دفاتر العهدة إلا بعد إجراءات معقدة .. وهذا يعني أنه لا صاحب لها .. كلما ابتعنا شيئًا بالجهود الذاتية وقعنا في ذات المشكلة، وسرعان ما يُتلف أو يسرق"ـ

ـ"من الممكن أن يحتفظ بها الطبيب في خزانته .."ـ
ـ"هذا يعقد الأمور أكثر .. لأنها مطلوبة طيلة الوقت تقريبًا .."ـ

فكر المفتش قليلاً ثم طلب استدعاء عامل القسم
دخل العامل متوترًا وقبل أن يوجه له أحد أي اتهام راح يقسم أغلظ الإيمان أنه لا يعرف أي شيء عن مصير الحقنة . فقط هو كان يضعها في الحمام .. يعلقها فوق ماسورة الماء الصدئة وقد استعملها عشر مرات في يوم الجريمة

ـ"في العاشرة مساء أمس دخلت الحمام مع عم (شحاتة) لأجري له الحقنة لأن ابنه غير موجود، هنا فوجئت بأن الحقنة ليست في مكانها .. لقد جن جنوني وفتشت كل مكان في القسم .. هكذا اضطررت أن أستعمل الحقنة القديمة"ـ
سأله المفتش (مكالستر) وهو يعيد إشعال غليونه: "هل لاحظت أن هناك من يهتم بها بين مرضى القسم ؟"ـ
قال العامل: "كلهم .. منذ ظهرت بلونها الأزرق الجميل والكل ينظر لها بإعجاب واشتهاء.. حتى إنني أنذرت حكيمة العهدة من أنني أخشى أن تُسرق .. قالت لي إن هذه ليست مسئوليتها .."ـ

بالنسبة للمفتش كان العامل بعيدًا عن دائرة الاشتباه لأنه يتعرض لإغراءات كثيرة مع أجهزة أغلى ثمنًا ومنذ أعوام طويلة. يجب أن تنحصر دائرة الشك في الوجوه الغريبة عن القسم
راح يفكر وهو يتأمل سحب الدخان
ـ"هذه سرقة محيرة .. ما الذي يمكن أن يفعله المرء بحقنة شرجية قذرة استعملها العشرات قبله ؟.. إن بيعها صعب جدًا على ما أظن .."ـ

يمكن أن يسرقها المرء لو أراد أن يفتتح مستشفى خاصًا لكن هذا يعقد الأمور لأنه قد يؤدي لاتهام الأطباء كذلك. وفجأة بدا أنه وجد طرف الخيط .. طلب من الطبيب قائمة بأسماء المرضى الذين تقرر خروجهم اليوم .. كان هناك ثلاثة مرضى .. مريض منهم واسمه (بيومي أبو سمك) يتلقى حقنًا شرجية بانتظام
طلب المفتش أن يرى عم (بيومي) هذا، وكان المريض العجوز يجلس فوق فراشه الذي فرش عليه جريدة، وفوق الجريدة انتثر خليط من الأرز والفول والخضار وبقايا الدجاج والجبن القديم .. طعام المستشفى مع الطعام الذي يرسله أهله.. إنه يجلس القرفصاء حتى أنك لتحسب قدمه الغليظة الحافية صنفًا من أصناف الطعام الذي يأكله. . جوار الرجل كانت حاجياته التي حزمها بانتظار قدوم أسرته ليعيدوه لقريته

ـ"بسم الله .."ـ
قالها عم (بيومي) لمفتش سكوتلانديارد لكن هذا لم يرد المجاملة، ومد يده يعبث في حاجيات الرجل ثم بحركة درامية مد يده إلى لفافة صغيرة وفتحها، وأمام عيون الجميع ظهرت الحقنة الشرجية الزرقاء.  صاح الجميع في ذهول غير مصدقين أن هذا العجوز الطيب يمكن أن يسرق شيئًا ثمينًا كهذا، ودمعت عينا عامل القسم وهو يدرك أن العجوز خدعه. لو كان الأمر بيده لشنقه هنا والآن

قال المفتش وهو يشعل غليونه  في رضا: "الأمر منطقي وبديهي يا عزيزي (واطسون).. الحقنة الشرجية لن تُباع .. هناك في الغرب نوع من الجنس الشاذ اسمه
Enema sex
 لكنه غير معروف في بلدكم لحسن الحظ .. إذن من سرق الحقنة سرقها لاستعماله الشخصي فقط .. كي ينظف قولونه في بيته. هكذا ضيقت دائرة الاشتباه .. شخص يوشك على مغادرة المستشفى ويشعر بالذعر لأنه لا يملك ثمن حقنة شرجية يعالج بها نفسه في بيته
هكذا اختمرت فكرة الجريمة في ذهنه وأحسن التنفيذ وكاد يفلت بفعلته لولا أن المفتش (مكالستر) هنا
كان العجوز يبكي بحرقة، عندما تدخل الطبيب المقيم ملاحظًا: "أنا كتبت لك الخروج صباح اليوم فمن أين جئت بهذه الوجبة ؟"ـ
بصوت خفيض اعترف العجوز أنه سرق صينية من الفتاة التي توزع الوجبات لأنه كان جائعًا ، وقد أضاف للصينية بقايا طعام أمس

عمت السعادة الجميع بينما قال المفتش في رضا وهو يلبس معطفه
ـ"كانت من أعقد القضايا التي قابلتها في حياتي المهنية، لكن خلايا عقلي الرمادية لم يعجزها أن تحل قضية الحقنة الشرجية"ـ

كما قلت لك : القصة واقعية تمامًا لو أنك حذفت المفتش لأن التحقيق قام به الطبيب المقيم نفسه، وهي تثير أسئلة كثيرة عن مريض فقير وعامل فقير وممرضة فقيرة وطبيب شاب فقير في واقع يزداد قسوة كل يوم. عم (بيومي) الذي سرق حقنة شرجية باعتبارها نوعًا من الرفاهية يستحق مكانه بلا شك ضمن المخلوقات التي كانت رجالاً

من ضمن هذه المخلوقات – وما دمنا في عالم المستشفيات – ذلك الفتى الذي كان مصابًا منذ أعوام بمرض مزمن نادر يجعله يبقى في المستشفى فترات طويلة جدًا، وقد لوحظ أنه يختفي من فراشه والمستشفى كثيرًا، ويعود محملاً بأعذار لا تنتهي تدفع الطبيب المقيم إلى شطب عبارة (خروج هروب) التي كان قد كتبها في كراسة العلاج. لكن أشياء كهذه لا تظل سرًا .. وقد انكشف الأمر عندما لاحظ أحد الأطباء شابًا يتسول بقرب مسجد (السيد البدوي) على كرسي متحرك، ولاحظ أن الكرسي المتحرك قد كتب على ظهره بحروف واضحة (باطنة رجال) . الفتى لم يكن يفر من المستشفى فقط بل كان يفر بالمقعد المتحرك كذلك ليستخدمه أداة للتسول !. بالطبع سببت هذه القصة مشاكل لا حصر لها لعمال القسم ورجال الأمن الذين لم يستطيعوا فهم الطريقة التي كان الفتى يخرج بها كل مرة. حدث هذا منذ أعوام طويلة فلا أعرف إن كان الفتى ما زال حيًا أم توفي لكني أعرف أنه كان مدمنًا للبرشام كذلك. عندما تكون فقيرًا ومدمنًا فلا مفر من أن تتحول إلى لص أو متسول أو تاجر مخدرات.. هكذا تصير الأمور

ولنا لقاء آخر مع مزيد من المخلوقات التي كانت رجالاً في الأسبوع القادم

(3)

هل  تراها ؟.. بالتأكيد يمكنك ذلك..  من مكانك في الشرفة وكوب الشاي في يدك، تراها وهي تمشي في الشارع صباحًا وتمارس عملها اليومي

ما هو عملها اليومي ؟... التنقيب في أكياس الزبالة طبعًا .. الأكياس السوداء عدو البيئة إياها والتي يضعها سكان كل بناية أمام بنايتهم بانتظار قدوم الجرار، وهذه الأكياس هي هدف هذه المرأة التي لا اسم لها ولا وجه لها .. إن وجهها مغطى بطرحة سوداء، وهي تجد السير في حذر وقد تعلمت الكثير من طباع القطط الضالة وشراستها وحذرها وتوجسها الدائم.. قط أسود كبير يفتح الأكياس ويبحث فيها عن شيء يؤكل .. شيء يلبس .. فردة حذاء قديمة هنا وكيس من الخبز الذي انتهت صلاحيته هناك

تعرف أنه لو رآها أحد السكان لشتمها أو ضربها، لذا تختار هذه الساعة المبكرة من النهار حيث لا أحد سواها والقطط الضالة ، ومن خلفها يمتد أثرها .. أكياس فرغت من محتواها وقد اتسخ مدخل كل بيت من هذه البيوت .. لكنها كما قلنا تعلمت طباع القطط فلا يمكن أن يضبطها أحد أبدًا

من أين جاءت ؟.. أين تبيت ليلتها ؟.. الجواب سهل .. لقد جاءت من حيث يأتي هؤلاء .. تلك المخلوقات التي كانت رجالاً والتي تجدها في كل صوب وكل ركن

عندما تتوارى هذه المرأة – القط تظهر أم (آية).  أم آية تمارس عدة أعمال في وقت واحد، فهي تنظف السيارات الواقفة .. في الواقع هي تزيدها قذارة لكنها ترفع المساحتين علامة لا شك فيها على أنها أنجزت عملها. تبيع الشاي لبائعي الخضر وعمال البناء في كل مكان .. تبتاع الخبز لربات البيوت - عندما كان هناك خبز -  وتبتاع الخضر من السوق، وأحيانًا تجلس على الرصيف تقطف الملوخية أو تقور الكوسة لواحدة من ربات البيوت المشغولات. لا يتم تنظيف أية شقة في الحي كله إلا ووجدت أم (آية) تقف في الشرفة وهي توسع المراتب ضربًا .. أحيانًا تقوم بالصويت على من يموت من السادة كذلك وتشارك في غسل نسائهم

بما أن الفقر والمرض والإدمان هم عجلات دراجة ثلاثية، فإن أم آية لها ابنة مصابة بعيب خلقي في الصمام الأورطى وأختها مصابة بسرطان القولون، وهي نفسها مصابة بسقوط رحمي يجعلها تبول على نفسها باستمرار . لكنها لا تملك ترف الاعتراف بالمرض لأنها ترتجف من اليوم الذي لا تقدر فيه على العمل

قالت لي ذلك في اليوم الذي رأيتها فيه متورمة العين مع هالات سوداء كأنها حيوان (الراكون) الذي نراه في الموسوعات المصورة. قالت لي إن زوجها أوسعها ضربًا لأنها لم تعطه المال الذي كسبته
ـ"كل مرة يصرف القرشين على الطينة والمية .."ـ
بسذاجة بدا لي تصرف هذا الرجل شاعريًا .. إنه مولع بالزراعة إذن وهو اهتمام راق، لكنها ضحكت كاشفة عن فم لم تبق فيه سوى سن واحدة وأخبرتني في صبر أن الميه هي (البوظة) والطينة هي (الحشيش). هكذا رزقت هذه المرأة بالذات بزوج ينفق كل مليم تكسبه على الكيف، ولا يعمل على الإطلاق، لتصدق عليه مقولة (سوفوكليس) في مسرحية (أوديب) عن رجال مصر التي أثارت غيظي عندما قرأتها يومًا ما

ولهذا فهمت سر سعادتها البالغة يوم رأيتها تمارس عملها برغم أن وجهها كله كان متورمًا. قالت لي في مرح خفيفة كالعصفور
ـ"بالك ايه ؟.. مش أبو آية طلقني؟"ـ
أبو آية يمكن الخلاص منه، لكن كيف يمكن الخلاص من الفقر ؟.. وكيف تعيش اليوم وحصار الحياة يزداد ضيقًا يومًا بعد يوم ؟.. الله أعلم. لكنك تراها بسهولة وهي تحوم حول محل الجزار القريب من دارنا .. تقف على بعد خطوات وتنظر للحم في اشتهاء، وتكرر من دون مناسبة
ـ"كل سنة وانتو طيبين .."ـ
فتجهد ذهنك محاولاً تذكر أية مناسبة هذه .. لا توجد أية مناسبة دينية أو وطنية .. ربما هو عيد ميلاد الجزار ؟.. تكرر (كل سنة وانتوا طيبين) مئة مرة وتحوم من جديد، حتى تأتي اللحظة المصيرية التي يمد فيها الجزار يده إلى قطعة لحم تزن خمسة جرامات ولا تقبل أن تأكلها قطة محترمة، فيلفها في كيس ويناولها لها في اشمئزاز. تنطلق في منتهى السعادة عالمة أنها لن تذوق ذرة من هذا اللحم، لكن أولادها سيفعلون ... لقد شفّت هذه المرأة حتى لم تعد تريد أي شيء لنفسها بل لهؤلاء التعساء الذين جاءت بهم للعالم

في وقفتها عند الجزار شيء يذكرني بالقطط الضالة .. القطط التي تقف حول المحل مهمومة قلقة بدورها .. هكذا الفقر عندما يذيب الحدود لا بين الطبقات بل بين الأنواع ذاتها، حتى لتوشك أن تسمع ذلك القط الأجرب يقول لذلك القط الأعور: "الأخ ملقاط والا هجام ؟" وتوشك أم آية أن تموء

تنصرف أم (آية) فقط ليحتل مكانها أمام الجزار أبو (عماد) أو أبو (صلاح) .. معدل التقاطر قد صار عاليًا جدًا.. متسول كل ثلاث دقائق

من نهاية الشارع ترى (رضا) الصغير ذا ستة الأعوام قادمًا والمكوة تحت إبطه على قطعة خشب كانت مسند مقعد، وهو يرفع ذراعه عاليًا بشماعة عليها سروال مكوي .. بمعجزة ما يتمكن ألا يتسخ طرف السروال بالغبار برغم قامته القصيرة، وهو يدق جرس الباب ثم يستفيد من وقته بأن يشوط قطعة طوب صغيرة إلى أن ينفتح الباب. (رضا) يتمنى أن يلعب طيلة اليوم، لكن أباه يريد فعلاً المبلغ البسيط الذي يحصل عليه من هذا العمل، دعك من أن الأسطى (بيومي) ليس سيئًا ولا يضربه كثيرًا. تفتح له الباب ربة البيت وتسأله عن الثمن، لكنه مهتم أولاً بأن يسترد الشماعة .. هذا أهم ما في الموضوع والسبب الأول لتلقيه الضربات.  صوت البام بام طاخ طوخ يلفت نظره بشدة فيطل من فرجة الباب ليرى طفلين بثياب حسنة يلعبان (بلاي ستيشن)، فينسى نفسه ويزحف بضع خطوات ويندمج تمامًا مع الشاشة حيث دراجة بخارية تطارد سيارة وتطلق عليها النار

يتمنى أن تتأخر ربة البيت قليلاً لكنها تعود سريعًا وتعطيه المال وتفاحة فاسدة وجدت أنه من الأفضل أن تعطيها له بدلاً من رميها .. بهذا تجمع بين الإحسان والتخلص من التفاح الفاسد.  وينصرف رضا الصغير .. لا يعنيه أنه صغير السن جدًا .. لا تعنيه الأسئلة الكثيرة عن الغد وكيف يتعلم ويتزوج ويسكن .. لا تعنيه حقيقة أن هذه الأسرة التي تبدو ثرية قد بدأت تئن بدورها من الغلاء .. كل هذا لا يعنيه. ما يعنيه هو أنه سيعرج على الحارة القريبة ليلعب الكرة الشراب لمدة عشر دقائق مع الواد بطاطة، وسوف يزعم للأسطى أن صاحبة البيت هي التي أخرته .. إن المستقبل رائع .. رائع لدرجة لا توصف

(4)

موكب  الزفاف الفاخر يتقدم نحو مدخل قاعة الأفراح الكبرى، والعريس والعروس يتظاهران بالسعادة ، يحيط بهما أفراد الأسرة والأصدقاء، وقد خرج الجميع لاقتناص الفرص. ابن فلان بيه وابنة علان بيه .. إنه لحدث مهم حقًا. هناك تلك الفرقة التي تقوم بالزفة، وهم كالعادة مجموعة من الفتية يحملون الدفوف وفي وجه كل منهم أثر من مشاجرة قديمة بالمطاوي، ولا تفهم أي حرف من الذي ينشدونه سوى أن كل مقطع ينتهي بكلمة (الليلة).. يضغطون عليها لتعطي إيحاءات بذيئة غامضة. . من مكان ما تدوي زغرودة ويقذف أحدهم بقطع الشيكولاتة الفاخرة فوق العريسين فتتساقط على الأرض. هنا – من مكان ما وبطريقة ما – ظهر هؤلاء الصبية الثلاثة بثيابهم القذرة المرقعة .. وثبوا كالقرود من وراء الأشجار لينقضوا على قطع الشيكولاتة على الأرض. فما ان استعاد القوم رشدهم حتى انهالوا بالركلات على هؤلاء الثلاثة .. هؤلاء الأوغاد الذين شوهوا صورة الفيديو وطابع الرقي العام
ـ"وله يا ابن الـ .... وسع يا له !"ـ

للركلات مزية مهمة هي أنها تبقيك بعيدًا عن هذه القذارة .. لا تتسخ بذلتك ولا يداك
لكن الصبية تلقوا الضربات وهربوا وهم مفعمون بالسعادة .. لقد امتلأت الأيدي بالشيكولاتة وهذا هو ما يهم في الوقت الحالي. صديقي الأديب كان واقفًا ضمن الواقفين فنظرت له ونظر لي وعرفنا أننا نفكر في الشيء ذاته .. قلت له هامسًا: "(جوركي) بيناديني!" أي أنني تخيلت ما كان (مكسيم جوركي) سيكتبه لو رأى هذا الموقف .. هؤلاء الصبية آتون من عالمه بلا شك

من أين يأتون فعلاً ؟.. إلى أين يذهبون ؟.. لا أحد يعرف .. بعد أن يأكلوا الشيكولاتة سوف يبحثون عن شيء آخر يسرقونه، ثم ينامون في الشارع إلى أن يظفر بهم (توربيني) آخر يغتصبهم فوق سقف القطار التوربيني ثم يلقي بهم من فوقه ليموتوا .. هذا بالنسبة لسعداء الحظ منهم

بالطبع كل هذه القصص واقعية تمامًا ولا دور لخيالي فيها، لكني قمت بتغيير الأسماء. لم أنس بعد قصة (عادل) مريض الصدر الذي كان مصابًا بعدة كوارث في الرئتين، وقمت في جلسة علمية بعرض صورة الأشعة الخاصة به وعليها اسمه الكامل. يومها قالت لي د.(وفاء الشيمي) أستاذ الأمراض الصدرية: "كان يجب أن تحذف الاسم .. هو مش كفايه اللي هو فيه ؟". لم أنس عبارة اللوم هذه قط، وتذكرت أننا أحيانًا نعامل هؤلاء التعساء كأشياء حتى إن لم نتعمد القسوة

عم (حسن) واحد آخر من تلك المخلوقات التي كانت رجالاً
بواب البناية العجوز الطيب .. إنه واحد آخر ممن يعملون كل شيء في كل وقت لأي شخص .. يعيش مع زوجته وابنه في المدينة بينما يترك بناته مع عمتهن في قريته. إنه لا يستطيع أن يطمئن لوجود بناته المليحات مكتملات الأنوثة في هذه المدينة المليئة بالشباب الرقيع .. الشباب الذي يحلق شاربه ويركب سيارات فاخرة (أمه جايبها له) يصدر بها صوت فرملة عالية .. هذا دليل كاف على رقاعتهم، وعندما يمسح سيارة واحد من هؤلاء بالمنشفة فإنه يعرف يقينًا أن هذا الفتى ذاهب لممارسة الكبائر بأنواعها .. لا .. لن تصمد أية بنت من بناته أمام وغد من هذا النوع

فقط يسمح لابنه بأن يوجد هنا معه، وقد لمحت الطفل ذات مرة فأدركت أنه مصاب بمرض عضال .. لا أعرف ما هو بالضبط لأنني لست خبيرًا في أمراض الوراثة لكنه كارثة.  ولهذا أرسلته مع عديد من التوصيات إلى أحد أساتذة طب الأطفال من أصدقائي..  افعل كل شيء ولا تأخذ منه مليمًا .. أرجوك
يتصل بي أستاذ الأطفال مذعورًا بعد ما رأى الطفل .. هذه حالة لابد من دخولها المستشفى حالاً.. إنها حالة متقدمة من المرض النادر الفلاني، ولابد من أن تكون في المستشفى هنا والآن، وإلا فهو غير مسئول عما سيحدث
لكن عم (حسن) يرفض .. يرفض بإصرار ..  يقول لي
ـ"سعادتك أنا مش عايز له دخول .. أنا عاوز شوية برشام وإبر بس .."ـ
أؤكد له أننا تجاوزنا هذه المرحلة منذ زمن، وأنه لن يدفع مليمًا لأن المستشفى مجاني .. أستاذ الأطفال وعد بألا يدفع الرجل شيئًا .. لكن عم (حسن) مصر

هنا فقط أفهم الحقيقة: قطار الحياة سريع لا يسمح له بالقفز منه لمرضه أو مرض أحد من أسرته. معنى دخول المستشفى هو أن يستغنى عن زوجته عدة أيام لأنها ستكون مع الطفل. حياته لا تسمح بهذا الترف.. هناك أفواه جائعة في القرية تحتاج إلى من يطعمها، وهناك فتيات لابد من تزويجهن وتجهيزهن، وهو لن يقدر على ذلك في غياب زوجته. أما النقطة الثانية الأهم فهي أن الطفل بحالته الحالية يتيح له الظفر بما يهبه ذوو القلوب الرحيمة، أما دخول المستشفى فهو الخراب التام .. لم أصدق هذا التصور حتى أكده لي عدد من سكان العمارة: الرجل ليس راغبًا في العلاج بل هو راغب في التسول فقط .. لو أردت أن تخدمه فلتعطه ما تيسر من مال في جيبك، لكن لا تتفلسف بعقلك المترف الذي أتلفته الكتب، ولا تزد متاعبه وتشعره بأنه أب مقصر

من الغريب بالفعل أن الرجل صار يتحاشاني كالطاعون. لقد كانت حياته تسير على وتيرة منتظمة قاسية لكن يمكن التنبؤ بها، فجئت أنا لأشعره بأنه مقصر وأن هناك الكثير مما يقدر على عمله... هكذا لم يعد يطيق رؤيتي، وما زال طفله مريضًا وحيًا بمعجزة ما

المخلوقات التي كانت رجالاً .. هذه المخلوقات يرغمها القهر أحيانًا على أن تفقد بعض آدميتها، من ثم تصير أكثر قسوة .. هذه القصة لم أمر بها  لكن أحد الأطباء من أصدقائي الموثوق بكلامهم تمامًا عاشها كاملة بما تطرحه من علامات استفهام . الصغير (جمعة) مصاب بالتهاب رئوي متقدم وهبوط في القلب ..  أمه فلاحة تعسة نحيلة مذعورة يبدو أنها تعيش بمعجزة ما. تم دخول الرضيع ليلاً إلى قسم الأطفال وقلبه يكافح كي ينبض كل نبضة، وتم وضع قناع الأكسجين على أنفه الصغير لأنه الشيء الواهن الذي يبقيه حيًا.  جوار فراش (جمعة) أم أخرى محنكة أكثر فقرًا تجلس ورضيعها في حجرها وكان قد شفي تقريبًا .  إنها تراقب جارتها المذعورة أم (جمعة) وتمصمص بشفتيها وتوصيها ببضعة أشياء تنتهي دائمًا بكلمة (يا شابة) أو (يادلعدي)ـ
صديقي الطبيب يجلس في مكتبه،  وأم (جمعة) تترك رضيعها على الفراش إلى أن تجد دورة المياه في تلك الممرات المظلمة، وتطلب من جارتها المحنكة أن تعنى به. ينهض الطبيب ليدخل العنبر فيفاجأ بمشهد لا يفارق كوابيسه.. (جمعة) الصغير مقلوبًا على ظهره كسلحفاة أزرق اللون يجاهد طلبًا للهواء وصدره يعلو ويهبط بطريقة مثيرة للشفقة، أما قناع الأكسجين فقد انتزعته الأم المحنكة ووضعته على أنف ابنها هي !.. لقد اعتقدت أن الأكسجين شيء ثمين ومفيد للجميع، لهذا قررت أن تسرق بضعة أنفاس منه لرضيعها في غياب أمه .. لم تكن تنوي ترك (جمعة) حتى الموت .. بالتأكيد كانت ستعيد القناع في الوقت المناسب، لكن الفقر يولد غريزة (الاستخسار) حتى لو لم يكن رضيعها بحاجة لهذا

وما زلنا مع المخلوقات التي كانت رجالاً

(5)

خبر شديد الروعة نشرته جريدة الأهرام في 16 سبتمبر 2007، وهو يحكي التالي بالحرف
ـ"تعرض أحد تجار الصاغة بالعريش لسرقة منزله أثناء خروجه لشراء بعض الاحتياجات‏,‏ هذا علي الرغم من إحكام وإغلاق النوافذ والأبواب لأنه يحتفظ بالمجوهرات داخل منزله‏,‏ وبعد ساعة ونصف فقط عاد فوجد جميع المصوغات وتقدر بـ‏250‏ ألف جنيه قد سرقت‏.‏ أمر اللواء منتصر شعيب مدير أمن شمال سيناء والعميد علي أبوزيد مدير إدارة البحث الجنائي بتشكيل فريق بحث برئاسة الرائد أحمد رمضان رئيس مباحث قسم ثاني العريش‏,‏ وتبين أن أحد الطلاب وصديقًا له يقيمان بجوار منزل الصائغ شوهدا بعد السرقة مع مجموعة من أصدقائهما........"ـ

جميل جدًا .. هذا ما اعتدناه في الحوادث المماثلة .. طبعًا شوهد السارق وصاحبه في أحد الملاهي الليلية يشربان أغلى الخمور وينفقان بسخاء على الراقصات والليالي الحمراء.. لكن الخبر يقول
ـ".... شوهدوا بأحد المطاعم الكبري بالعريش يتناولون شاورمة ويشربون مياه غازية غالية الثمن،  وبسؤالهما عن مصدر النقود التي بحوزتهما انهارا واعترفا‏,‏ والطريف أن أحد اللصين وجه العتاب لزميله أثناء التحقيق: قلت لك بلاش شاورمة البوليس هيشتبه فينا..  وانت صممت عليها أهم قبضوا علينا"ـ

يا نهار اسود !... حتى اللصوص تدنى حالهم إلى هذه الدرجة ؟.. لم يقبض عليهما وهما يلعبان القمار في فندق فاخر، ولكن قبض عليهما وهما – هذان الوغدان الشرهان – يأكلان الشاورمة ويشربان المياه الغازية غالية الثمن. ثم ما هي المياه الغازية (غالية الثمن) هذه ؟.. (كانز) يعني ؟.. وهل أكل الشاورمة صار مصدر اشتباه يدفع مخبري الشرطة للشك في مصدر هذا الثراء ؟

هذان لصان أكثر غلبًا وبؤسًا من أية ضحية محتملة، والدليل أنهما جائعان .. سرقا ربع مليون فكان أول شيء فعلاه هو شراء ساندوتشي شاورمة .. والفتى الفطين يعرف جيدًا أنه قام بجريمة شنعاء بأكل الشاورمة، حتى أنه يوجه اللوم لصاحبه على هذا الاستعراض الأحمق الذي قاما به. ليس عندي تفسير لغرابة هذا الخبر سوى أن يكون ساندوتش الشاورمة في العريش ثمنه خمسة آلاف جنيه

تذكرت صديقًا لي يعد نفسه أنه لو رزق بمليون جنيه، فلسوف يكون أول شيء يفعله هو شراء كيلو من الكفتة والتهامه وحده، دون أن يشعر بتأنيب الضمير الذي يلازم المصري من الطبقة المتوسطة عند التهام اللحوم

تغير أنماط اللصوصية، والاهتمامات غير العادية لدى اللصوص تثير دهشتي وتعطي فكرة أفضل عن التغيرات الاجتماعية. في المقال الأول حكيت عن سرقة الخبز من الطابور بطريقة (اخطف واجر)، وبعد هذا قرأنا عن عصابة متخصصة في السطو على الخبز. هناك تنظيمات عصابية كاملة مهتمة بسرقة أغطية البلاعات .. السؤال المنطقي هنا هو مدى الاستفادة من غطاء بلاعة، لكن الإجابة هي أنها ثروة ثقيلة من الحديد الزهر يسهل بيعها. وهكذا تتحول الشوارع ببطء إلى غربال مليء بالثقوب، ونسمع عن السيدة الوقور التي مشت في شارعها ليلاً فسقطت في بالوعة.. لا تنس أن هناك من يسرق  اللمبات من أعمدة النور كذلك . هكذا وجدت هذه السيدة الوقور نفسها في موقف لا تحسد عليه، بينما سائق سيارة نصف نقل ابن حلال يربطها بحبل غليظ (سلبة) ويتعاون مع أولاد حلال آخرين على إنقاذها

هناك تلك القرية قرب مدينتي التي استيقظت على رائحة عطنة تجتاح المكان، وبالتدقيق والبحث اتضح أن هناك عصابة تخصصت في سرقة أبواب المقابر الحديدية .. يعني تصحو القرية لتجد أن كل مقابر أعزائها مفتوحة.  وماذا عن المطب الصناعي الذي اضطروا لإزالته لأن هناك من يسرق في كل مرة اللافتة التي تنذر بوجوده . هكذا تكررت الحوادث كلما اندفعت سيارة على الطريق السريع لتكتشف المطب فجأة، فيضغط سائقها الفرامل وتنقلب ..  ماذا يمكن عمله بلافتة كتب عليها (احترس .. أمامك مطب صناعي) ؟.. هناك بالتأكيد جهة ما تشتري هذه اللافتات ومعها كل أغطية البلاعات وبوابات المقابر

يعود ابني من الدرس الخصوصي مذعورًا ليخبرني أن صديقين له كانا يقفان أمام البناية التي يقطن فيها المدرس، عندما فوجئ أحدهما بمن يضع نصلاً حادًا تحت عنقه من الخلف ويأمره بأن يعطيه الهاتف المحمول وما معه من مال. ثم يفر هاربًا ليكرر الفعل ذاته بعد يومين .. يحدث هذا في الثانية بعد الظهر في أحد أهم شوارع مدينتي وأكثرها ازدحامًا، ولم يحدث في شارع مهجور مقفر ليلاً. يخبرني ابني أنهم أخبروا (المستر) الذي كان مدرس رياضيات لحسن الحظ، لهذا أخذ الفرجار العملاق الذي يدرسون به والذي يصلح كرمح.  ونزل إلى الشارع ليبحث عن اللص .. طبعًا لم يجده أحد ... لابد أن هذا اللص مخلوق كان رجلاً يومًا ما، ولابد أن البانجو أودى بعقله حتى يفعل هذا كله في الزمان والمكان الخطأ

في كارثة تسرب أسئلة امتحان الثانوية العامة في المنيا – ومصر كلها على الأرجح – نكتشف أن المتهم الأول وهو رئيس لجنة، قد حصل على رشوة من أربعة متهمين مقابل تسريب أسئلة امتحانات الثانوية العامة. هذه جريمة شديدة الخطر فلابد أنه تقاضى مليون جنيه على الأقل مقابل هذا .. لكنك تكتشف أنه فعلها مقابل 3600 جنيه كما ورد في جريدة الدستور عدد 27 يونيو صفحة 3. هذا نموذج فريد للسرقات الرخيصة .. كما كانوا يقولون: الشرف غال يجلب ثروة حقيقية لمن يبيعه. لكننا في هذه الحالة نقابل من يبيع الشرف بأرخص الأثمان أو بلا ثمن تقريبًا

ألا ترى معي أن هذه مخلوقات كانت رجالاً فعلاً ؟

وماذا عن ذلك الشاب الذي يقف على باب دورة المياه العمومية ليناولك قطعة صابون ومنديلاً ورقيًا مع ابتسامة متملقة ؟ .. طبعًا من أجل ما سوف تلقي به في علبة المناديل الفارغة جواره. باختصار هذا شاب مفعم بالطاقة والنشاط صارت مهنته في الحياة أن يتأكد من أن البك قضى حاجته جيدًا.  الشاب الآخر الغارق في العرق والغبار الذي يدق بابك ليعدك بـأنك لو اشتريت زجاجتين من منظف الأرضيات الفلاني فلك زجاجة ثالثة هدية .. وماذا عن الشاب الذي يستوقفك وأنت متعجل ليسألك وهو يسد الطريق سدًا عن (الملك الفرعوني الذي شيد من أجله تمثال رمسيس ). تقول بذكاء: رمسيس يا أخي .. فيصيح في انتصار: مبروك .. أنت فزت وسوف تحضر حفلنا غدًا وتنال جوائز قيمة، لكن عليك دفع عشرة جنيهات كتأمين .. في الحفل سوف تعرف الكثير عن نظام (التايم شير) الخاص بنا، وكيف يصير ذلك الشاليه الجميل ملكك للأبد أسبوعًا كل عام

أبتلع ريقي وأفتح النافذة طلبًا لنسمة من الهواء النقي. هذه المخلوقات التي كانت رجالاً تتكاثر ويمكن أن تجدها في كل ركن وتحت كل حجر. سوف تأخذ حقها في الحياة بأي شكل ممكن عندما تدرك أن الموت لأطفالها محتوم ولا مفر منه  .. أكثرها ما زال يقاوم بعناد مثل (أم آية) وبعضها خرج على الناس شاهرًا سيفه فعلاً ..  إما أن تجد نفسك بينهم غدًا وإما أنت عدو لهم

عندها أين سنكون وماذا سنفعل نحن الذين لن نستطيع الفرار إلى سويسرا ؟.. أرجو من الأخوة الاقتصاديين العباقرة أن يردوا

Wednesday, January 13, 2010

دماغى كده - فى أحوالنا الجارية - حسد



أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

شكر خاص للدكتور أحمد لإرساله نسخة رقمية من الكتاب خصيصا

===========================

اليوم أعترف بالحقيقة التي أخفيتها عن الناس منذ الطفولة
أنا أحسد بقوة
أحسد طفلاً  سوف يحقق كل الأشياء التي فشلت أنا في تحقيقها
(الشاعر الروسي إيفتوشنكو)

يجب أن أعترف بهذه الحقيقة .. لقد نجح هؤلاء القوم في تحقيق ما عجزت عنه أنا .. ربما أداري الحقيقة بالكثير من التعالي .. التحذلق .. ترفع الطبقة الوسطى، لكني أدرك يقينًا أنني فشلت في فهم قواعد اللعبة منذ البداية وهي ذي النتيجة واضحة جلية، وهي أن الزمن ليس زمني ولا البلد بلدي

لقد رأيتهم قادمين .. كنت في المدرسة الثانوية بينما السادات يضع المتفجرات تحت الصرح الذي شيده عبد الناصر طيلة عقدين من الزمن، ولم أعلق أهمية كبرى على هذا .. عرفتهم بوجوههم السوقية الشهوانية .. عرفتهم بأصواتهم الجهيرة .. وكما قال الناقد السينمائي الراحل سامي السلاموني: "تعرفهم من كروشهم وفتحة صدر الطرزانات وصفاقة من شبع بعد جوع .. منهم الطبيب والمحامي والمهندس والعامل، لكنهم صاروا طبقة واحدة لها شكل واحد وطموحات واحدة، وربما تستمع لنفس المطرب..".. كتب هذه الكلمات يوم قام أحدهم بنشاط محبب لهم ألا وهو غرس سكين الفاكهة – حتى المقبض - في بطن ابن شقيقة عبد الناصر .. فقط عين السلاموني الحساسة استطاعت التقاط الرمز وراء هذا المشهد

كنت أجلس في غرفتي أطالع الطيب صالح وكافكا وطه حسين، وأعلق رسوم محمود سعيد ورينوار، بينما كان هؤلاء يزحفون كالقمل في كل مكان .. ثمة نشاط بشري غريب هو أن تذهب لبور سعيد وتلف القماش على خصرك وتضع عشرين ساعة حول ساعديك كي تتجنب الجمرك ..نشاط آخر غريب اسمه المتاجرة بالدولار في السوق السوداء ..  هذا النشاط يقومون  به جميعًا لكني - وكل أمثالي - عاجزون عنه .. ربما لأنني أترفع عنه .. ربما لأنني أخشاه .. ربما لأنني لم أفهم قواعد اللعبة بعد .. ربما لأنني (مش وش بهدلة) وبلغة أدق: كان لدي ما أخسره .. هم لم يكن لديهم ما يخسرون .. هذه هي عقد الطبقة الوسطى التي تكبلك إلى الأرض

إنهم يمارسون الاختلاس والرشوة والمحسوبية على نطاق واسع .. ثم أنهم لا يخجلون .. ينشئ السادات حزب مصر فينضمون جميعًا له ويكتب أحدهم على طريقة فكتور هوجو: لو كان أعضاء حزب مصر خمسة فأنا منهم .. ولو كانوا واحدًا فأنا ذلك الواحد
ثم يترك السادات حزب مصر لينشئ الحزب الوطني الديمقراطي عندها - في اليوم ذاته - لا يبقى بين جدران حزب مصر واحد من  هؤلاء .. مشكلتي أنني بطيء التفكير أكثر من اللازم .. أرى هذا الموقف فأقضي عشر سنوات أحاول استيعابه .. بينما هم جميعًا فهموها  (وهي طايرة).. لقد انتهوا من استخراج الدهن من الزلط ودهن الهواء بالدوكو ، بينما أنا ابن الطبقة الوسطى ما زلت أعتقد أن المستقبل لي أنا .. رأسي مقبرة أثرية تضم رفات ناصر وجيفارا ولومومبا حيث أحرق البخور وأتكلم عن بطولة سنموت حنا مع النحاس، وأحفظ  كل حرف قاله كاسترو لناصر عندما التقيا في القاهرة

إنهم يتاجرون في الأراضي .. إنهم يحصلون على تصاريح البناء غير القانونية . إنهم يقوون علاقاتهم بكبار رجال الشرطة .. بينما يستطيع أصغر شرطي مرور أن يجعل الدم يتجمد في عروقي .. ثم يقررون أن يتدينوا فجأة، وتظهر زبيبة صلاة عملاقة لكل منهم، ويلبسون الجلابيب البيض، ويسافرون للعمرة عدة مرات في كل عام وينشئون الشركات التي تبيع حبة البركة والعسل الأبيض، ويديرون المدارس التي تحمل في نهاية اسمها لفظة (الإسلامية).. ويعودون ليتهموا بطيئي الفكر بالتسيب الديني، ولا بأس من غرس سكين في عنق نجيب محفوظ فهذه كما قلت من هواياتهم المحببة، والرجل هو الآخر لم يفهم قواعد اللعبة برغم ذكائه الشديد

وتتأمل سلوكهم فتجد أنهم يمارسون ثلاثية المنافق حرفيًا: يحدثون فيكذبون .. ويعدون فيخلفون .. ويؤتمنون فيخونون..  لكنهم جهيرو الصوت قادرون على الصراخ في أي وقت ليخرسوك

 ثم يكتشفون فجأة أن مصر تضم مسلمين ومسيحيين ويقررون أن هذا خطأ وأن هذا سبب مشاكلنا الاقتصادية التي يعاقبنا بها الله.. دعك من أنهم اكتشفوا فجأة أن هناك صعايدة في الجنوب  وأن هذا شيء ظريف جدًا.. وتبدأ نكات الصعايدة التي يطلقها الحشاشون في ملاهي شارع الهرم لتشق مصر إلى نصفين

إنهم يسودون المقالات في الصحف تبرر كل ما تفعله الحكومة مهما كان خطأ أو جائرًا .. إنهم يهتفون : بالروح بالدم نفديك يا سادات.. ويوم اغتيل السادات لم يكن أحدهم مستعدًا لتبديل جلسته المريحة لينقذه .. وعند المساء كانوا قد نسوا كل شيء عن السادات وراحوا يرتبون أوراقهم للعهد الجديد .. فإذا جرؤت على انتقادهم صرخوا بأعلى صوتهم أنك من (حزب أعداء النجاح)ـ

إنهم لا يملكون ذرة ثقافة لكنهم يعتنقون شعار روكفلر: حسابي في المصرف دليل على أن الله راض عما أفعله .. وهم يؤمنون - كخلاصة الفلسفة البراجماتية الأمريكية - بأن الفقير مسئول عن فقره بشكل ما .. ربما لأنه أغبى من اللازم .. أبطأ من اللازم .. أجبن من اللازم .. والمشكلة أنني بدأت أعتقد هذا

تاجروا في الحشيش والبرشام والبودرة واليوم يزرعون البانجو ويدخنونه لأنهم أدرى الناس بأن (دماغهم متكلفة) وهم حريصون على حفظ التوازن الكيميائي لآلة صنع المال هذه .. إنهم يأخذون القروض ويفرون لكن – وهذا لغز – تظل البلد بلدهم، بينما أنت الباقي فيها والذي سيدفن – مفروسًا - في ترابها تشعر بشكل ما أنك مجرد ضيف عابر

نعم .. في لحظات كفاحي المرهقة كي لا أنزلق إلى طبقة أقل أقول لنفسي إنني فشلت .. كان الزمن يتغير وفشلت أنا في فهم ذلك، بينما هم فهموا منذ البداية .. لقد امتلكت بعض الثقافة السطحية لكني افتقرت تمامًا لذلك النوع الخاص من الذكاء الذي يطلقون عليه (نصاحة) .. ربما لو لم يكن لدي ما أخسره .. ربما لو فهمت أسرع من هذا

لكني لن ألقى باللوم على أحد سواي .. لا توجد بدايات متأخرة للعبة وليس بوسعك أن تتعلمها في سن الأربعين كما أنها لا تُدرس في المدارس .. ولهذا فشلت كل محاولة لي في دهن الهواء بالدوكو أو خرم التعريفة أو اعتصار الدهن من الزلط ... ولهذا أقولها بكل صدق: أنا أحسد هؤلاء القوم .. فقد امتلكوا الأرض وما عليها  ....  وربما يمتلكون المستقبل كذلك وإن كنت أدعو الله أن يتعلم ابني فن دهان الهواء قبل أن يحدث هذا


Tuesday, January 12, 2010

دماغى كده - فى أحوالنا الجارية - البحث عن جسر



أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

شكر خاص للدكتور أحمد لإرساله نسخة رقمية من الكتاب خصيصا

===========================

 منذ عام أو عامين طلبت المدرسة من ابني جسرًا .. نعم . أنت لم تخطئ قراءة الكلمة .. طلبوا منه نموذج جسر كشرط للنجاح في مادة المجالات. اقترح المدرس - أو المستر حسب التعديل الأخير - على الطلاب أن يبتاعوا الجسر من مرسم معين حدده لهم بالاسم والعنوان. وقد حاولت أن أصنع الشيء بنفسي في البيت لكن الولد – قليل الأدب – أبدى اشمئزازه من النتيجة وقال إن هذا ليس نموذج جسر، بل نموذج ضفدعة مصابة بسرطان المثانة. هكذا اتجهت إلى المرسم المذكور لأجد رجلاً أصلع راضيًا عن نفسه، يجلس وسط فوضى عارمة ويدخن بكثافة، وحوله عشرات الجسور التي صنعها من الورق المقوى والأسفنج الرغوي، وعرفت أن ثمن الجسر خمسة وعشرون جنيهًا دفعتها في صمت. وفي يوم الامتحان كان الشارع يعج بالطلبة الذين يحمل كل منهم جسرًا لا يختلف عن الذي في يد ابني، وخطر لي مدى سخف هذه الخدعة .. المدرس يعلم جيدًا أن كل هؤلاء التلاميذ ابتاعوا جسورهم من المكان ذاته ، ويعرف أنه ما من واحد منهم ضيع وقته في نهاية العام في صنع جسر معقد التركيب يفوق قدراته كطفل

في العام التالي عرفت من ابنة خاله التي تصغره بعام أن المدرسة طلبت منها جسرًا . هذه المرة الجسر يُباع في المدرسة بعشرة جنيهات لمن يرغب !.. هكذا اتضحت معالم اللعبة .. كل الجسور التي سلمها التلاميذ العام الماضي تُباع هذا العام بسعر أرخص، ويمكنني بسهولة تخيل مدرس المجالات يدخن مع الرجل الأصلع الراضي عن نفسه وهما يقتسمان دخل هذه العملية (تذكر عدد الطلاب المهول) !.. وعلى الأرجح سوف يُباع هذا الجسر العام التالي بخمسة جنيهات

ابنتي مشكلة أخرى لأن مدرستها لا تكف عن طلب هذا الشيء المدعو (نشاطات) .. كأنها لا تفعل أي شيء في البيت سوى تصميم هذه النشاطات، وفي النهاية هم يخدعون أنفسهم أو يخدعوننا لا أدري، لأنهم بالقطع يعرفون أن أولياء الأمور هم الذين يسهرون ليلاً يصنعون هذه الأشياء، أو هم يتوجهون إلى أقرب مكتب لتصميم الوسائل التعليمية لدفع مبلغ لا يقل عن خمسين جنيهًا شهريًا لشراء وسائل جاهزة .. التلميذ لم يتعلم شيئًا جديدًا .. الأبوان أضاعا وقتًا ومالاً ..  لم يستفد سوى المدرس الذي يهمه إرضاء المفتش جدًا، وصاحب المكتب طبعًا

وسط هذه الأزمات الاقتصادية الطاحنة، والجو المكفهر المنذر بمجاعة أو ما هو أقرب لها، تشعر بأن أمرًا غير مكتوب صدر لكل واحد ممن تقابلهم: تصرف .. فلينج كل بنفسه

هكذا يلعب الكل على الكل ويحاول الكل خداع الكل. أنت تعرف أن فاتورة الكهرباء مبالغ فيها، وفي كل شهر يمر موظف يتفقد عداد المياه في بيتي ويقرأ المكتوب، ثم تأتي الفاتورة لتجد رقمًا ثابتًا باهظًا مع ملحوظة من مرفق المياه أن العداد معطل .. أقسم بالله أنه ليس معطلاً ولو كان كذلك فلماذا يأتي الموظف أصلاً وما الذي يدونه في كل مرة ؟.. إنهم يسرقونك فماذا تفعل ؟

تذهب لهذه المصلحة أو تلك ليكتشف الموظف أن ورقك ناقص والأختام غير واضحة، فتغادر المكان محنقًا لتبدأ رحلة أوديسيوس من جديد، لكنك على الباب تقابل دومًا ذلك الأخ الذي يعرض عليك إنهاء أوراقك مقابل عشرين جنيهًا .. معه موتوسيكل يصر على تسميته (مكنة) دائمًا وهو ينطلق به ليقوم بعمل غامض ما، والمهم أنك تأخذ أوراقك كاملة خلال نصف ساعة .. طبعًا من الواضح أنه يقتسم المبلغ مع الموظف الذي رفض أوراقك .. جربت هذا الموقف في أكثر من مكان، حتى إنني صرت أبحث عن ذلك الرجل في لهفة لينهي آلامي. ذات مرة قابلت أحدهم في هيئة الكهرباء فصحت في فرحة : "انت فين يا عم ؟"ـ

إن كانت الرشوة قد صارت دينًا فلماذا تُمارس طقوسه بشكل سري ؟.. لماذا لا تنتشر المعابد في كل مكان ؟. لماذا لا يضعون لافتة تقول: "على السادة الراغبين في دفع الرشوة أن يتجهوا إلى مكتب الرشاوي جوار دورة المياه مع الشكر"  ؟. المشكلة هي أنني لست خبيرًا في هذه الأمور ولا أعرف الموظف المرتشي من الشريف. واحد من رفاقي قال لأحد موظفي المرور بلهجة الخبير الذي فهم الحياة: "اتوصى بينا وبعدين احنا مع بعض .. هه ؟ ..". هنا ارتفعت جاعورة الموظف ترج البناية رجًا: "مع بعض يعني إيه يا أستاذ؟؟؟"ـ

هذه هي المشكلة .. ما دامت محاربة الرشوة مستحيلة فلماذا لا يسهلون الأمور على من لا يعرفون كيف يرشون ؟.. وماذا عن التعساء الذين لا يعرفون كيف يرتشون ؟..  أذكر كاريكاتورًا قديمًا جدًا للرائع حجازي يمثل موظفًا مكفهرًا مقطب الجبين، ومواطن يقول همسًا لصاحبه: "عصبي وبيكره نفسه وبيعامل الجمهور معاملة زي الزفت، لأنه شريف ومش بياخد رشوة !"ـ

هناك لكل شيء في مصر باب خلفي .. المهم أن تدفع .. ولا أستطيع أن أرجمهم بحجر إلى هذا الحد لأن الحياة قد صارت مستحيلة على شريحة لا بأس بها من الناس، وحتى مبلغ الألف جنيه شهريًا الذي كنا نعتبره الحد الأدنى لأمان الشاب صار بلا قيمة تقريبًا . معنى هذا أن هؤلاء لا يجدون قوت يومهم، لكنهم لم يخرجوا على الناس شاهرين سيوفهم بل هم يمدون أيديهم من تحت المنضدة .. لقد اختلط مفهوم الصواب والخطأ تمامًا، حتى أنني أتساءل عن الصورة التي كان يوسف إدريس سيكتب بها رواية (العيب) لو كتبها اليوم

هناك باب خلفي للتفوق الدراسي اسمه (الآي جي) حيث تدفع مبالغ فلكية من المال لتضمن لابنك مكانًا في كلية محترمة. عندما يحصل الجميع على 120% فضياع درجة واحدة من ابنك في الامتحان معناه أن مستقبله قد انتهى. الكل سعيد والكل يربح من هذا النظام الدراسي ما عدا الأسرة طبعًا .. هناك سائق سيارة أجرة في طنطا قال لي في حماس: "ربنا يخليلنا الآي جي يا باشمهندز" . لأنه يوصل عشرات الطلاب إلى القاهرة عدة مرات أسبوعيًا .. هناك دروس خصوصية كذلك .. وفي النهاية يكتشف الأب القادر أنه لم يعد قادرًا إلى هذا الحد. لكنه الباب الخلفي كالعادة .. هكذا يجد الأب أن عليه أن يسرق من مكان ما .. غالبًا يسرق من مدرسي الآي جي أو سائقي سيارات الأجرة

حدثني ابني عن نظام تمهيدي جديد للآي جي يبدأ من الصف الثالث الإعدادي، واقترح أن أدرس الموضوع بجدية !...  لقد وجد هؤلاء القوم إنهم لم يعتصروا ما يكفي من مال، فقرروا أن يغروا الناس بوجود باب خلفي آخر .. في عملية التعليم بالذات تلعب عدة عوامل، منها الخوف من ألا تكون قد قدمت لابنك كل ما يجب .. الخوف من أن يسبقه رفاقه .. من هذه العوامل أنك تعرف أن المستقبل مدلهم أصلاً ويجب أن تعطي الطفل كل سلاح ممكن .. منها الفشخرة والرغبة في التميز .. المهم أنك تحتاج لقوة شخصية كاسحة كي تتجاهل هذا الاختراع الجديد. هذه لعبة لا تخيب أبدًا

سوف أبحث عن شيء أختلسه أو أسرقه، فإذا وجدت فلسوف أقدم أوراق الولد في هذا النظام التعليمي الجديد، وإن لم أجد فلسوف أكتفي بصفعه مع تذكيره بأن أبي لم يترك لي سوى اسمه والتربية الحسنة،  تلك التركة التي أشعر بأنني موشك على فقدها لو استمرت الأمور كما هي

Sunday, January 10, 2010

دماغى كده - فى أحوالنا الجارية - حيوانات غير حساسة



أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

شكر خاص للدكتور أحمد لإرساله نسخة رقمية من الكتاب خصيصا

===========================

في مشهد ساخر من فيلم (الساحر) يريد محمود عبد العزيز أن يربي حصانًا في شقته الضيقة، ويطلب من سائس خيول أن يعنى به. سائس الخيول هو ذلك الممثل العجوز العبقري فتوة (ساعة لقلبك) الذي توفاه الله والذي لا أستطيع تذكر اسمه، ولا تطالبني بأن أتصل ببلال فضل في هذه الساعة المتأخرة لأسأله.. يطلب السائس من محمود عبد العزيز أن يوفر للحصان مساحات خضراء يرمح فيها، فيكون رد محمود: "اتصرف .. ما احنا عايشين من غير غيطان ومتنيلين أهه ..".  فيقول السائس عبارة عبقرية السخرية: "أصل دي حيوانات حساسة .. مش زينا !"ـ

نعم .. نحن حيوانات غير حساسة .. هذا صحيح. لا يوجد حصان يحترم نفسه يتحمل أن يعيش في شقة ضيقة أو عشة في العشوائيات أو خيمة إيواء أمامها جبل قمامة ويخرج لعمله وسط المجاري الطافحة، بينما نحن أثبتنا أننا قادرون على الحياة بعد ما أكلنا الورنيش الأسود والفورمالين والسيراميك المطحون والخضر المسرطنة واللحوم الفاسدة التي تخلص منها الاتحاد الأوروبي والطيور الجارحة .. قادرون على الحياة في أية ظروف .. راجع عدد الحيوانات التي هلكت في حديقة الحيوان كما نشرت الدستور، لتعرف أن هذه الحيوانات الحساسة لم تتحمل ظروف القذارة وقشر البطاطس الذي يطعمونه للدببة واللحم الفاسد الذي تأكله الأسود، دعك من الذين يسطون على الجمال ليسرقوا لحم هذه الكتف أو تلك . جرب أن يتسرب أي نوع من التلوث لحوض أسماك الزينة وراقب كيف تطفو الأسماك ميتة على السطح بعد ربع ساعة .. نحن لا نطفو ميتين لأننا لسنا حيوانات حساسة

عندما قابلت للمرة الأولى ذلك الصديق القادم من قطر من أجل إنهاء بعض الأعمال، وجدت أنه يقيم في جناح فاخر في فندق مهم بالقاهرة .. إنه في الثلاثين من عمره، وبرغم هذا هو مخول بإجراء صفقات تجارية مهمة جدًا لبلاده . الانطباع الذي أخذته عن قطر ودبي هو أنهما بلدان غير مثقلين بأثقال التاريخ والريادة والأبوة والأمومة، وإنما هما على استعداد دائم للتطور والتغيير والتعلم. عندما يتضخم كبرياؤك وتعتقد أن الآخرين لا يمكن أن يعلموك أي شيء فأنت تنهار بسرعة لا تصدق. وقد رحب بي وجلس يحكي لي انطباعاته عن مصر ..ثم قال لي فجأة
ـ"حياتكم قاسية جدًا هنا .. لا أعرف كيف تتحملون هذا كله !"ـ

ذات الكلمة قالتها لي منذ أعوام سائحة هندية مرهقة حمراء العينين حافية القدمين في مطار الأقصر تنتظر إقلاع طائرة مصر للطيران التي تأخرت عشر ساعات !  كان زوجها الهندي العجوز الأشيب جالسًا يطالع في نهم كتاب (ماذا حدث للمصريين ؟) لـ (جلال أمين) مترجمًا للإنجليزية، وقد بدت عليه ملامح ممارس اليوجا الذي يحاول ألا ينفعل.  وددت لو قلت لها إننا حيوانات غير حساسة، لكن فيلم (الساحر) لم يكن قد عرض بعد، لهذا لم تخطر بذهني هذه العبارة
قالت لي السائحة
ـ"يخيل لي أنه لا أحد في بلادكم عنده إحساس بالمسئولية !"ـ
ابتلعت الإهانة في صمت، فأنا لن أدافع عن هؤلاء القوم الذين يعتقدون أنهم يتقاضون أجرهم مقابل تدمير السياحة في مصر.. وابتلعت فكرة أن هذه السائحة سوف تعود لبلدها كي تحكي لهم عن معاملة العبيد التي عوملت بها في مصر
كان كل شيء في المطار يوحي بالتخبط والارتباك واللا مبالاة .. كل شيء قاس مرير، وقد رأيت مواقف ميكروباص أكثر نظامًا والتزامًا

منذ أيام وصلني خطاب من البنك يقول: "نرجو الحضور إلى قسم الائتمان بمجرد وصول هذا الخطاب للأهمية " . كل هذا جميل لكن الخطاب أرسل منذ شهر ونصف !.. شهر ونصف كي يصل الخطاب من البنك إلى بيتي، وهي مسافة تقدر بخمسمائة متر لو كان الخطاب يمشي على قدميه ويعاكس البنات ويجلس على المقاهي . تشكو في البنك فيقسمون أنهم أرسلوا الخطاب فور توقيعه، ويقول المحاسب الشاب ضاحكًا: "انت عارف البوسطة بقى .. هيء هيء .." .. كأنه من الطبيعي جدًا أن يتأخر الخطاب 45 يومًا، ولو شكوت فلمن  ؟.. النتيجة أنك تبتلع غيظك وتنسى الأمر

من المعجزات الحقيقية أن يصل القطار في موعده .. تسأل في المحطة فينظر الموظف للسماء في تصوف ويقول: "ربنا يسهل .." كأننا نتحدث عن رزق قد يأتي أو لا يأتي. أقسم بالله أنني انتظرت القطار الأسباني الذي يتحرك من طنطا إلى القاهرة في الثانية عشرة والنصف .. انتظرته ذات مرة حتى الثانية والنصف !.. وعندما سألت في مكتب المعاونين قيل لي إنه ما زال في دمنهور !  هكذا أعدت التذكرة وأنا أتصور النشاطات الليلية الغامضة التي كان يمكن أن أقوم بها في القاهرة لو انتظرت القطار !.. صار من الطبيعي جدًا والرائع ألا يتأخر القطار أكثر من نصف ساعة .. لا أعرف ما يفعله الطلبة الذين هم ذاهبون إلى الامتحان.. يقيمون في القاهرة على سبيل الاحتياط ؟.. هل تضمن أن تصل لمكان ما في القاهرة ؟.. ربما يعتصمون بالكليات طلبًا للمزيد من الاطمئنان

كل يوم يؤكد أن مرفق السكة الحديد انهار أو كاد، والأدهى أن أسعار التذاكر تتواثب، لكنهم جميعًا مطمئنون إلى أن زبون القطار سوف  يأتيهم حتى لو صار سعر التذكرة مائة جنيه والقطار يتأخر عشر ساعات .. إننا حيوانات غير حساسة لا تؤذيها هذه التفاصيل

يصعد الميكروباص على ظهر معدية فيسقط في الترعة بمن فيه من بؤساء ..دعك من طقوس العيد الدائمة عندما تغرق المعدية ذاتها بمن فيها .. عمارة في الاسكندرية تنهار على سكانها بالكامل .. لا أعرف لماذا يموت المصريون عندما تقع الحوادث بهذه الكثافة .. لا يمكن أن تسمع عن عدد قتلى أقل من الثلاثين في أي شيء كأننا دجاج (يفطس) ..  لا يمر أسبوع من دون طفل تفترسه شبكة المجاري السعيدة .. كأننا نعيش حربًا ضروسًا لكن العدو من داخلنا نحن .. تتأخر سيارات الأتوبيس على الحجاج المصريين فيتظاهرون وتقع حالات وفاة في البعثة المصرية

هناك مجموعة صور متداولة جدًا على شبكة الإنترنت والمجموعات البريدية تحمل غالبًا عنوان (تبقى انت أكيد في مصر)، وهي مجموعة فريدة فعلاً من الصور التي لا يمكن تصديقها .. الحمار الذي تم تحميل عربته أكثر من اللازم فمالت وصار معلقًا في الهواء .. الرجل الذي يجلس على جهاز تكييف ليصلحه في الطابق السابع .. السيارة التي التوت قوائمها فكاد سقفها يلمس الأرض وبرغم هذا تمشي .. الشاحنة المحشورة تحت كوبري، والرجل الذي وضع في سيارته مفاتيح (ماجيك) من التي تستعمل في البيوت

هذه الصور توحي لك فعلاً بأننا حيوانات .. لكننا حيوانات غير حساسة مثل حصان (محمود عبد العزيز)، بل هي قادرة على قبول أي شيء والتكيف مع أي وضع .. فقط ليكن هذا بالتدريج وببطء، تصديقًا لمقولة (ألبير كامي) في (الغريب): "اكتشفت أن كل وضع قابل للتعود عليه، حتى أنهم لو حبسوني في برميل لرحت أراقب السحب وأخمن شكل السحابة القادمة".  ربما كان كامي من الحيوانات غير الحساسة مثلنا. كان يؤمن بأن القضية الفلسفية الأكبر هي الانتحار، فماذا كان سيقول لو رأى حالنا اليوم ؟

Saturday, January 9, 2010

دماغى كده - فى أحوالنا الجارية - تدين و روشنة و سيارات مرسيدس



أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

شكر خاص للدكتور أحمد لإرساله نسخة رقمية من الكتاب خصيصا

===========================

التغيرات الاجتماعية التي تراها مصر في الآونة الأخيرة عاصفة وعاتية ومن المحتم أن تلد شيئًا ما .. هناك أشياء لم يكن أحد يجسر على التفكير بها منذ خمسة أو ستة أعوام، واليوم صار الكلام عنها مملاً.. الأمثلة كثيرة ويصعب حصرها، لكن العقل يستحضر من على السطح البرنامج التلفزيوني المذاع على الهواء الذي يتشاجر فيه أبو الفتاة  الحامل مع أبي الفتى الذي غرر بها، ولا هدف للبرنامج إلا تقديم نوع مسل من مصارعة الديوك للمشاهدين أثناء تناول العشاء .. المعارك الطائفية تبرز للسطح بوضوح تام ويتم تداولها بلا همس، ويقول أتباع كل دين عن الآخر ما لم تتصوره إلا في كوابيسك  ..  النقد الصريح جدًا الموجه للحاكم وابنه دون أن يدل هذا على مكسب حقيقي في الحريات .. بل إن الحكومة استغلت هذه الجرأة كالعادة لصالحها، ووضعت المعارضة في خانة معدة لها سلفًا هي خانة (أيها العالم ..كيف لا أكون ديمقراطية وهم يشتمونني بهذه الجرأة دون أن أسحلهم في الشوارع ؟).. والمعارضة متحمسة لا تعرف أنها تلعب دورًا رسم لها من قبل ألا وهو تجميل النظام.. والحقيقة – كما يقول د. جلال أمين - أن هذا التسامح يمكن أن ينقلب على الفور لو عبثت بواحد من مقدسات الحكومة الحقيقية مثل (الكويز) وتصدير الغاز لإسرائيل أو دعوت إلى عصيان مدني وهو الحل الوحيد الممكن لإسقاط النظام .. عندها سترى أنياب الدولة الحقيقية

واحدًا تلو الآخر يتهاوى أحد التابوهات السابقة. يقول الزميل مؤمن المحمدي في مقال له بالدستور: "عندما يغني اللمبي ( وقف الخلق)  وهو ثمل فإنه يخرق اثنين من المقدسات: الأغاني الوطنية وأم كلثوم التي اعتدنا أن نعتبرها مصر بشكل ما .. "ـ

لكن التغيير الذي وجدته فاحشًا ويهدم الكثير من المسلمات عندي هو هذا (الفُجر) – بضم الفاء – الذي تتعامل به الإعلانات التلفزيونية هذا العام

في دراسة ممتعة في (الإيكونوميست) قرأت عن تجربة قام بها أحد أساتذة سيكولوجية الإعلان الذي قال إن هناك طريقتين للإقناع .. الطريقة ألفا التي تقوم على ترغيبك في السلعة، والطريقة جاما التي تقوم على إزالة مقاومتك .. الإغراق مهم جدًا للطريقة جاما .. دعك من التظاهر بالدقة .. عندما أرسل هذا العالم تلاميذه يتسولون خمسة دولارات لم ينل أحدهم شيئًا، بينما عندما تسولوا سبعة دولارات ونصفًا حصلوا عليها !... إن مبلغ سبعة دولارات ونصف معقد لا يسمح بالتفكير ويزيل بالتالي مقاومتك غير الشعورية .. هذا يفسر الـ 19.99 الشهيرة في أسعار السلع ، ويبدو أن سيكولوجية الإعلان عندنا تلعب على الطريقة جاما لكنها كي تهدم مقاومتك تحاول تسفيه ما كنت تؤمن به من قبل .. أنت كنت مخدوعًا واهمًا .. فلتفق وتشتر سلعتنا

منذ زمن بعيد وقيمة الكفاح والعمل معنى مقدس لا يمكن المساس به، لكن إعلانات التلفزيون اخترقت هذا التابو ببساطة .. المهندس عباس كافح في تعمير الصحراء عشرين سنة حتى صار شيخًا أصلع مهدمًا واشترى سيارة مرسيدس .. يا له من أحمق !.. بينما الولد الروش فلان أتصل برقم هاتفي من (0900) وعلى الفور حصل على نفس السيارة

هكذا في ثوان سخر الإعلان من قيم الكفاح ومن تعمير الصحراء ومن كل شيء .. لم تعد هناك قيمة في العالم إلا الروشنة والاتصالات

بدأ الأمر على استحياء مع بداية الانفتاح  في أوائل الثمانينات، عندما سمح التلفزيون لمظاهرة شعبية بأن تظهر على شاشته .. كانت مظاهرة تردد من حناجر بحت بالهتاف: مش عاوزة سؤال طبعًا مينرال !..  هؤلاء ناس حملوا قلوبهم على أيديهم وودعوا أطفالهم من أجل القضية الوحيدة التي تهم ومن أجلها نضحي بكل مرتخص وغال: المياه المعدنية

بعدها رأينا مع هشام سليم كيف أن شرائح البطاطس المقلية هي العامل الوحيد الذي يجمع طبقات الشعب وكل فئاته .. وظهر أحمد السقا الذي يضغط عليه الزبانية ويعذبونه وهو مربوط في قبو مخيف، لكنه مصر على الهتاف من أجل قضيته: حاجة ساقعة ببسي .. ويوشك أن يقول: والله لأموتن عليها

الفتى (الروش) يعاني من أن أباه في العيادة طول اليوم لا يفعل شيئًا إلا أن يعد المال .. لكن أنا (مكبر دماغي وبشرب مش عارف إيه كده)ـ

حتى طريقة نطق الحروف السريعة ذاتها توحي بالاستهتار .. هناك مذيع إعلانات لا أعرف اسمه لكنه دخل هذا المجال مع ظاهرة (طارق نور) في بدايات الانفتاح، ويوشك أن يكون المذيع الأوحد الآن. هو الذي نسمع صوته يقول: (أمييير كرارة) في البرنامج الشهير .. هذا الصوت الرفيع المنبهر دائمًا يعبر أصدق تعبير عن السعار الاستهلاكي الذي أدخلنا فيه السادات،  فلو كان لهذا السعار صوت لكان صوته .. الحق نفسك .. وفر فلوسك .. انسف .. جدد .. اشتر الآن

المجال الثاني الذي خرقت فيه الإعلانات التابو هو مجال الدين .. هذه ظاهرة ذكية أخرى تستغل (إيمان الروشنة) تلك الظاهرة الجديدة التي تغزو أوساط الشباب .. الشباب الثري أو المستريح يشعر بتأنيب الضمير بين دنيا مغرية ودين يناديه فيتخذ هذا الحل الوسط . اللحية الأنيقة القصيرة والبدلة السوداء والعطر الفاخر والموبايل مع التدين .. هكذا يشعر بأنه جمع بين الدنيا والدين، وهذه الظاهرة هي التي أفرزت الحجاب الذي يُلبس على الجينز أو الثياب الضيقة مع ماكياج كامل يدغدغ في الرجل الشرقي ذكريات عصر الجواري؛ فالفتاة تلبس ما تحب لكنها تضع إصبعيها في عين من يجرؤ على أن يطالبها بالحجاب الصحيح.. ولو لم تجد لها مكانًا محجوزًا في الجنة فلسوف تندهش بحق.  من أفضل ما أفرزته هذه الظاهرة على كل حال ذلك الشاب  عمرو خالد الذي هو صورة أنيقة معاصرة للداعية، والذي ينسخ الشباب محاضراته ويتداولونها عبر شبكة الإنترنت ..لم ترحم الإعلانات ظاهرة التدين هذه وقررت أنها مفيدة جدًا .. لقد انتهى عصر صوت محمد الطوخي الوقور المتهدج الذي يقول : وهبة الجزء عشرة جنيهات .. للمرة الأولى نسمع عن حج خمس نجوم وعن إيمان الموبايلات .. هناك إعلان جذاب يسمع فيه الشباب أغنية دينية من الموبايل فيتركون لعب الاسكواش – نشاط الشباب المصري المعتاد – ليلبوا النداء..  وهكذا تصل الرسالة: اشتروا خطوط الموبايل الجديدة واعطوني مالكم كي ننعم جميعًا بلذة الإيمان ومستقبل باهر في حب مصر

ماذا يفعلون بك يا وطني ؟.. هل هم شياطين تتحرك طبقًا لخطة مرسومة أم هم مجرد بلهاء متخبطين لا يهمهم إلا الثراء ؟..  لا أدري .  لكنني أرى مستقبلاً باسمًا من الشباب الروش الذي يكسب سيارة مرسيدس بالموبايل ويتبادل الأغاني الدينية ويؤمن أن المهندس عباس الذي عمر الصحراء أحمق .. فقط أدعو الله أن يقبض روحي قبل أن أقتنع وأجري أول اتصال برقم (0900) اللعين


Thursday, January 7, 2010

دماغى كده - فى أحوالنا الجارية - شباب عاوز الحرق



أقرأ الآن كتاب "دماغى كده" و هو كتاب رائع يحوى الكثير من مقالات د أحمد حول مواضيع مختلفة... و سوف نتكلم عنه فى سلسلة "قرأت مؤخرا" بعد أن أنهيه إن شاء الله

و لكن فكرت أن أعرض منه بعض المقالات التى لفتت انتباهى بشكل خاص... لثرائها أو روعتها أو أسلوبها  أو طرافتها أو لأنها لامست بعض الأوتار و تناولت بعض القضايا التى تشغلنى بشكل خاص... برغم قدمها

كفانى حديثا و لنستمتع سويا بكلام الرائع د أحمد خالد

شكر خاص للدكتور أحمد لإرساله نسخة رقمية من الكتاب خصيصا

===========================

ثمة إجماع في وسائل الإعلام والأعمدة الصحفية على أننا رزقنا – من دون الأمم – بألعن جيل من الشباب الرقيع المنحل الشهواني التافه.. (شباب عاوز الحرق) باختصار شديد..  نحن وكل جيلي سلبنا الشباب أحلامه، واحتللنا المناصب التي يمكن أن يطمح إليها، وحرمناه أبسط الحقوق التي يمارسها أي قط في زقاق: الملجأ والزواج، وأعطيناه سفينة غارقة نخرة امتلأت بالثقوب نُهب كل لوح خشب وكل مسمار فيها، وقلنا له إن عليه أن يتولى الإبحار بها بعدنا .. وينظر الشاب إلى البحر الذي يعج بالأساطيل وحاملات الطائرات التي صنعها الآخرون، فيتساءل: ماذا كنتم تفعلون طيلة هذا الوقت حينما كانت السفينة لكم ؟.. فنقول له: أنت شاب شهواني  قليل الأدب .. وربما سافل كذلك .. مشكلتك هي أنك كسول تريد كل شيء بلا تعب

نعم .. وسائل الإعلام تنظر بريبة واضحة إلى هؤلاء الأوغاد بشواربهم نصف النامية والحبوب في وجوههم وأصواتهم الخشنة .. وهي تتظاهر بحبهم وتقدم لهم الكثير من (نانسي عجرم) و(إليسا)، لأنهم ما زالوا الوسط الاستهلاكي الأفضل، لكنها تعتقد في قرارة نفسها أنهم خطر أمني داهم، وأنهم يدارون ذيولهم في سراويلهم

المشكلة فعلاً أن الشباب لم يعد على ما يرام .. هذه الطاقة الكاسحة المعطلة التي حُرمت الأمل والمشروع القومي المشترك تزداد خطرًا يومًا بعد يوم، والفراغ يهدد كل شيء وكل بيت .. لاحظ انتشار الكافتيريات وملاعب البلياردو  ومقاهي السايبر.. باختصار: ثقافة البطالة. لاحظ نمو التطرف الديني الذي تزامن مع غياب المشروع القومي والأمل في الغد.  ولغة (الروشنة) التي يستعملها الشباب تحوي في 90% من كلماتها معاني الاستهتار والتحدي .. دعك من الوقاحة التي يشكو منها كل مدرس .. يحكي الدكتور (جلال أمين) – العالم الوقور عظيم الشأن  - عن شاب من هؤلاء دنا من سيارته وهو جالس فيها ينتظر زوجته، فاستند على النافذة بجواره، وراح يثني مرآة سيارته ويفتحها بلا توقف وبلا هدف واضح وعلى سبيل التحدي فقط، بينما ظل الأستاذ الكبير جالسًا في السيارة صامتًا يرقب هذا السلوك غير المفهوم

لكننا نحن المسئولون بالكامل عن خلق هذا الوحش .. وكما يقول الشاعر العربي
إنا بأيدينا جرحنا قلبنا .. وبنا إلينا جاءت الآلام

قرأت لأحد الصحفيين الكبار (الفلاسفة) – ولن أذكر أسماء لأن بلاط السجن سيكون باردًا جدًا في هذه الفترة من السنة -  أنه كان في رحلة مع مجموعة من الشباب حينما سمعهم يغنون: الأقصر بلدنا بلد سواح .. فيها الأجانب تتسوح .. وكل عام وقت المرواح بتبقى مشتاقة تروح .. وتسيب بلدنا
يتساءل الأستاذ العبقري: أين ذهب الانتماء لدى جيل الشباب ؟... ذهب يا سيدي الفاضل بسببك وسبب أمثالك، الذين أيدتم كل نظام حكم وكل سياسة، وعملتم جاهدين من أجل الوصول إلى الثراء والنفوذ صاعدين سلمًا من أجساد الشباب المطحون .. في عصر كانت الصحف المصرية ترسم فيه الزعماء العرب جالسين على (قصرية) أطفال، وفي عصر كان يعلن فيه في الصحف عن زيادة الأسعار فتكتب مقالاً كاملاً تؤيد فيه هذه الخطوة المباركة التي تأخرت كثيرًا، وحينما يضع السادات كل قوى مصر السياسية في السجن تكتب مباركًا (ثورة سبتمبر) هذه

يؤمن الشباب بعبد الناصر فيخرج ألف كتاب يلعن عبد الناصر .. يحن الشباب إلى سعد زغلول فتمزقون سعد زغلول ..كل إنجازات يوليو تحولونها إلى كوارث يوليو .. تهللون للاشتراكية في عهد عبد الناصر ثم تلعنون أباها في عهد السادات .. وتلعنون أمريكا في عهد عبد الناصر وتكتشفون أنها الشريك الكامل الأمين في عهد السادات. ولولا بعض الحياء والخشية من النظام الحالي الذي يستمد شرعيته من أكتوبر لشككتم في حرب أكتوبر ذاتها :  "المصريون لم يعبروا القناة في أكتوبر .. القناة هي التي تحركت إلى الغرب بضعة كيلومترات"ـ

في إحدى فترات الخلاف العابرة مع أمريكا قرأت مؤخرًا لصحفي كبير جدًا يقول: "علينا أن نشفى من خرافة أن 99% من أوراق الحل في يد أمريكا!". والحقيقة أنك يا سيدي كتبت هذه الخرافة مرارًا من قبل خاصة في عهد السادات ..من حسن حظ الشباب أنه لم يقرأ مقالاتك القديمة تلك وإلا لجن بالتأكيد

تخرج وسائل الإعلام للقاء الشباب ومعها المذيعة التي سكبت زجاجة أكسجين كاملة على شعرها ووضعت طنًا من المساحيق كأنها إحدى بطلات مسرح الكابوكي الياباني.. تسأل الشاب عن اسم وزير (التوابع المضادة) أو وزير (التعاون الإعلامي التخطيطي) فلا يمن الله عليه بكلمة .. من ثم تخرج الصحف صارخة: الشباب تافه شهواني رقيع .. ليت الشباب يهتم بعقله كما يهتم بالدهان الذي يسكبه على شعره

الحقيقة أن الإجابة عن هذا تكمن في كلمات (أورويل) في روايته الرائعة 1984 عندما دبت مشادة بين البطل وحبيبته حول (هل كان الحزب في حرب مع أيستاسيا أولاً أم كان في حرب مع إيوراسيا ؟)... يقول (أورويل) إن الفتاة لم تكترث بهذا على الإطلاق لأنها لا ترى فارقًا بين هراء وهراء آخر

الشاب لم يختر وزير (التعاون الإعلامي التخطيطي) ولم يسمع عنه من قبل، ويوم يرحل هذا الوزير فلن يعرف أحد السبب .. إذن ما جدوى معرفة اسمه ؟.. لا فارق بين (هراء وهراء آخر).. اسمحوا للشاب أن يختار وزير (التعاون الإعلامي التخطيطي) ثم طالبوه بأن يعرف اسمه، وانصبوا له المشانق لو لم يعرفه

نفس الشيء ينطبق على الأسئلة من طراز (متى مات بيلاطس البنطي ؟).. (ما طول نهر المسيسبي ؟).. (من مؤلف كتاب تثقيف الشعوب في تقنية الحاسوب ؟).. السيدة المذيعة لو انتزعوا منها البطاقة الأنيقة لن تعرف الإجابة، والسيد المعد لا يعرف الإجابة وأنا لا أعرف الإجابة، وليس مما يفيد الإنسان المعاصر أن يعرف طول نهر المسيسبي ما دامت هذه المعلومات موجودة في أية دائرة معارف.. إنها ثقافة (الكلمات المتقاطعة) التي يصرون على أنها هي الثقافة ولا شيء سواها، بينما الثقافة هي أن تستخدم ما تعرف في تكوين مفهوم متكامل للعالم من حولك وكيفية التفاعل معه

لكن وسائل الإعلام لا ترضى بهذا .. هي لا تريد إلا أن ترى الدماء تسيل وتلطخ كل شيء .. لهذا تطالب برأس الشاب التافه.. بينما اسم آخر أغنية لراغب علامة أو عيد ميلاد روبي  هي بالفعل معلومات تبدو مهمة للشاب .. على الأقل هو لا يُرغم على معرفتها،  وتمس حياته – ورغباته – بشكل واضح .. ولا تتعالى عليه أو تعده بما لا يمكن تحقيقه .. ولا تهدم ما آمن به من قبل بلا مبرر.. والأهم أنها لا تسد عليه طريق الترقي والنمو في الحياة .. باختصار: (روبي) تبدو هي الشيء الوحيد الحقيقي وسط كل هذه الأوهام وكل هذا الكذب

الشباب ليسوا مجموعة من الملائكة، لكنهم ليسوا شياطين ..سوف يصيرون كذلك لو لم نفق من غيبوبتنا، ونحن لسنا ملائكة ولا شياطين.. نحن ملاحون خائبون غرقت سفينتهم أو كادت .. وعلينا أن نترك قطعة خشب واحدة طافية ليتمسك بها من يأتون بعدنا