قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Monday, July 25, 2011

حكاية قاض



spc


حيرنا القضاء كثيرا فى موضوع معاقبة رموز العهد البائد، وفى لحظات بعينها شعرنا أنه لا يريد أن يعاقبهم أو يسترد ما سرقوه من مال، وفى لحظات أخرى شعرنا بأن هؤلاء اللصوص كسبوا وقتا ممتازا، استطاعوا فيه أن يغسلوا أيديهم ويحسنوا دفن الجثة، ويمسحوا البصمات. كان آل كابونى زعيما من زعماء المافيا وكان كل طفل فى الولايات المتحدة يعرف ذلك، لكنه كان يجيد إخفاء آثار جرائمه، وكان يستعين بجيش من المحامين.. هل تعرف بأى تهمة قبضوا عليه فى النهاية؟.. تهمة التهرب من الضرائب!.. آل كابونى ملك الجريمة المنظمة الذى قتل وذبح وفجر، صار فى النهاية مجرد متهرب من الضرائب، وعلى كل حال مات فى السجن وانتهى شره

كانت الأنباء تتوالى عن الإفراج عن سوزان مبارك وزكريا عزمى.. إلخ.. عندما كتبت لى قارئة عزيزة وأم فاضلة خطابا طويلا تقول فيه «مش عارفة إذا كنت قلت لك قبل كده ولّا لأ إن زوجى العزيز واحد من قضاة مصر الشرفاء.. وحاليا هو واحد من أعضاء مكتب التحقيقات فى جهاز الكسب غير المشروع.. ويعمل تحت رئاسة القاضى الشريف جدا المستشار عاصم الجوهرى، بس يا دكتور أحمد الرجل ومعاونوه يحكمون بالأدلة والمستندات فقط.. القاضى لا يملك إلا الأدلة التى أمامه.. وأقسم لك إنه لم يتم أى تفاوض أو حتى شبهة تفاوض لتنازلهم عن الأموال مقابل الإفراج عنهم والدليل على ذلك أن فتحى سرور أفرج عنه من الكسب غير المشروع، لكنه ما زال محبوسا على ذمة قضية موقعة الجمل
أنا ليه باكتب لك التوضيح ده؟ لأنى أولا واثقة أنك حتستوعب كلامى صح، وثانيا لأنى بدأت أشوف فى كلام الناس تجرؤهم على رجال القضاء والنيل من نزاهتهم وشرفهم، وإحنا عارفين إن مفيش غير مؤسستين ماسكين نفسهم والناس بتحترمهم لحد دلوقتى هما المؤسسة العسكرية والمؤسسة القضائية.. والعدل بالذات لو رجاله أهينوا يبقى فعلا على الدنيا السلام»ـ

وفى موضع آخر قالت «عموما أنا كنت عاوزة أنقل لك رأى هيكل لما راح و اتسأل فى الكلام اللى قاله عن ثروة مبارك: قال إنه من أكبر الأخطاء أن تتم محاكمة مبارك وعصابته قضائيا.. لأنه متهم بتهم سياسية فما ينفعش يتحاكم محاكمة قضائية، لأنه بكده حط القضاء فى وضع بالغ الحرج.. تخيل معايا وده وارد جدا جدا جدا إن المحامين بتوعه يلاقوا مش ثغرة واحدة لا ثغرات فى القانون اللى بيها ممكن مبارك أو أعوانه ياخدوا براءة..»ـ

بعد أيام جاء خطابها الذى تخبرنى فيه بأن زوجها قد توفاه الله إلى رحمته، وهذه المرة قالت لى من هو «زوجى هو المستشار والقاضى الجليل بهاء الدين إبراهيم دكرورى، رئيس هيئة الفحص والتحقيق بجهاز الكسب غير المشروع، مات الحبيب الغالى بين يدى.. خرجت روحه الطاهرة البريئة فى أقل من دقيقة والله على ما أقول شهيد.. لم يمت كما أشاعوا وكتبوا مسموما أو مقتولا أو.. أو ..»ـ

ثم تحكى لى عن الفقيد فتقول «ترقى إلى درجة مستشار بمحاكم الاستئناف منذ عام واحد.. وعمل بمحكمة استئناف المنصورة قبل أن يتم انتدابه للعمل بجهاز الكسب غير المشروع منذ شهر مايو الماضى فقط... منذ التحق زوجى العزيز الراحل بسلك القضاء والنيابة وهو، ولله الحمد، مشهود له بالنزاهة والطهارة وعفة اللسان، دمث الخلق.. كان عزاؤه المقام يوم الأحد الماضى بمسجد أبو المكارم خير شاهد على حب الناس له وحزنهم البالغ.. زوجى كان قد بلغ من العمر 42 سنة التى كان من المفترض أن يتمها فى 1/10 القادم.. عمل فى محاكم شبين الكوم و دمنهور والمنصورة وجنوب القاهرة.. كما عمل فى نيابات إسنا ومجمع الجلاء ونيابة الجمالية.. منذ التحق زوجى بالعمل فى جهاز الكسب منذ شهرين وهو مستغرق بكل كيانه فى العمل البالغ الأهمية.. وكنا نحن قد سافرنا إلى مدينة الأسكندرية لنقضى شهور الصيف هناك على أن يأتينا هو  يوم الأربعاء ويرجع لعمله صباح الأحد.. وكان بخير وعلى ما يرام وجلس فى سريره يقرأ الجريدة قبل النوم كما هى عادته.. وخلدنا إلى النوم نحو الواحدة والنصف صباحا.. ثم فوجئت به يوقظنى ليخبرنى أنه متعب ويشعر بوهن.. ثم جلس على السرير مسندا رأسه إلى كفه.. وفجأة وبعد 4 دقائق تقريبا فوجئت به يميل فجاة ويصدر صوتا من أنفه هذا الذى فهمت من بعده أنه أسلم به الروح.. وكل هذا لم يستغرق أكثر من 30 ثانية.. والله على ما أقول شهيد.. أتينا بالإسعاف والطبيب.. ولكن كان أمر الله مفعولا، وقدر الله وما شاء فعل.. وإنا لله وإنا إليه راجعون».. رسالة مؤثرة فعلا. فلندع بالرحمة للرجل الشريف، وخالص العزاء للسيدة الفاضلة

كان المستشار بهاء الدين إبراهيم دكرورى يتولى التحقيق مع عدد من المسؤولين السابقين المتورطين فى قضايا فساد، على رأسهم محمد إبراهيم سليمان، والدكتور أحمد فتحى سرور، كما كان يحقق مع ورثة كمال الشاذلى المتهمين بتضخم ثرواتهم

إن قضاء الله يأتى فى أى وقت، لكنى فى ضميرى أفهم ما عاناه الرجل من صراع بين قيود القانون التى عليه أن يتحرك معها، وبين إدراكه لما يدركه أى طفل فى الشارع: هؤلاء دمروا البلد ولا بد من عقابهم

طبعا توفى الرجل بنوبة قلبية كما يمكن لأى واحد أن يستنتج. لكن وفاة هذا الرجل جريمة قتل. القتل إرهاقا وكمدا، جريمة أخرى يصعب أن تجد مادة فى القانون تعاقب عليها، لكنى أضيفها إلى قائمة جرائم النظام السابق