قصاصات قابلة للحرق

Monday, October 3, 2011

بين بلشاى وبرمبال



spc


الملاحظ أن كل من سألته عن هذه الواقعة من أبناء كفر الزيات رفض ذكر اسمه، وهذا متوقع.. فالناس هناك يعرفون أفضل من الحكومة ويعرفون أن بن لادن -الخاص بكفر الزيات- عائد بشكل أو بآخر… وعندئذ

لم تكن قرية كفور بلشاى فى كفر الزيات جنة تحلق فيها الملائكة قط. كانت مكانا خطرا قبل الثورة وبعدها، فلا يدفعنا ضعف الذاكرة إلى أن نعتقد أن هذا كله بدأ بعد الثورة. كانت تحمل ذلك اللقب القاسى (باطنية الغربية) ومن المعروف أنها واقعة تحت سيطرة أباطرة المخدرات، الذين يرهبون المواطنين ويحققون مكاسب فلكية. كنت طبيب أرياف هناك عام 1986، وكان الحشيش فى كل مكان قبل أن نسمع عن الاختراع الجديد (البانجو) وكانت بعض الحملات الأمنية تنقض على القرية من حين إلى آخر لتمشط كل شىء، فكانت الكلاب البوليسية تجد حشيشا لا صاحب له

مع الوقت عرفنا أنها القصة الدائمة التى تصنع أكثر من «خُطّ» فى الصعيد، والتى لا يكف رجال الشرطة عن لعبها أبدا مع أنها تنقلب عليهم فى كل مرة: تحالف البلطجة مع الأمن، أسلوب آل كابونى الشهير الذى يقضى بأن 99 سنتا من كل دولار تكسبه المافيا مخصص لدفع رواتب لرجال الشرطة

أسرة فرحات هى الجيل الثالث من تجار المخدرات فى قرية كفور بلشاى، وكانوا يعيشون تحت مظلة محكمة من العلاقات مع الأمن والمحامين العباقرة الذين يعملون معهم، مزيج مقزز من القبلية والتخويف والزهو بالقوة

ما حدث بعد الثورة هو أن هذه الأسرة توحشت تماما، نظرا للغياب الأمنى، والأمن كان يمثل لها الحماية واللجام معا. هناك مواطن تضايق من قيام تجار المخدرات بتقسيم البانجو تحت شرفة بيته مع استخدام ألفاظ بذيئة تخدش حياء أسرته، لما أبدى ضيقه قام أحد تجار المخدرات ويدعى عاموش بقتله. إنه ذلك الشعور بالقوة المطلقة، حيث لا يمكن لأحد أن يعترض، دعك من مكاسبهم الخرافية التى لا يسمحون لأحد أن يهددها بأى شكل. هنا يبرز اسم بن لادن أو فرحات محمود فرحات -أكبر تاجر مخدرات بالغربية والمحكوم عليه بـ175 سنة- من الغريب أن يرتكب شخص فى 28 سنة -هى عمره- ما يستوجب سجنه 175 سنة

بسبب هذا الرجل مات أربعة من المواطنين الأبرياء فى القرية فى مجزرة حقيقية، تكلمت عنها كل الصحف

لقد قبض رجال الأمن بعد الثورة طبعا على بن لادن، قام تجار المخدرات بإطلاق الرصاص على الناس فى الشوارع عقابا لأهل القرية على اعتقال الرجل وعمه، وفى صيغة أخرى قيل إنهم أطلقوا الرصاص الحى على المصلين بعد خروجهم من المسجد عقب صلاة التراويح

هذا دفع أهالى القرية إلى التظاهر مرارا أمام محافظة الغربية، طالبين حمايتهم. وقال شباب من القرية إن البلطجية أرسلوا رسائل تهديد باستهدافهم وأسرهم وممتلكاتهم. انتقلت الأجهزة الأمنية إلى القرية وتبين هروب البلطجية والمتهمين داخل الزراعات، وطالب المحتجون القوات المسلحة والشرطة بالوجود فى القرية لحمايتهم من الخارجين على القانون، لحين القبض عليهم

لم تكن هذه هى النهاية، لقد تمت مواجهة كبرى فى فيلا بمنطقة حدائق الأهرام، عندما تلقت أجهزة الأمن بالجيزة خبرا عن وجود سبعة من هؤلاء الخطرين هناك. المتهمون هاربون من 35 قضية ومطلوبون فى 15 قضية أخرى

يقول الخبر إن اللواء سيد شفيق مساعد مدير المباحث الجنائية، قام بالتنسيق مع مديرية أمن الجيزة والأمن العام والعمليات الخاصة من الأمن المركزى، وتمت مداهمة الفيلا، وأسفرت عن ضبط عدد من المسجلين الخطرين ومعهم مسدسات، كلها مسروقة من مديريتى أمن دمياط والغربية. كم هو رائع أن تعمل الشرطة فى خدمة الشعب فعلا! ويكون دورها تأمين المواطنين، لا تأمين السيد الرئيس والتأكد من التوريث لابنه، عندما تضرب الشرطة تجار المخدرات، لا المتظاهرين نقف معها بلا تردد ونكف عن الانتقاد

وماذا عن الوضع الآن؟ قوات الأمن موجودة فى قرية بلشاى بشكل دائم، لكن الأهالى يعتقدون أن هذا لن يدوم للأبد. سوف يرحل رجال الأمن وعندها يعود هؤلاء القتلة، ومن المؤكد أن لديهم قائمة انتقام طويلة. يجب أن يتأكد رجال الأمن من استئصال هذا السرطان بالكامل

تذكرت هذه الواقعة عندما شاهدت ذلك الفيلم القصير الذى يصور ضرب وكهربة بلطجيين من قرية برمبال القديمة بالدقهلية، وقعا فى يد رجال الجيش. كانا مقيدين وفى حالة غياب ذاهل عن الوعى، بينما تنهال عليهما الضربات، ولا تحتاج إلى تحقيق جنائى لتدرك -من هذه النظرات الميتة والأجساد العضلية الغليظة- أنهما بلطجيان، ثم قرر أحد الواقفين أن يستعمل الصاعق الكهربى فى مشهد صعب فعلا. يقول الناس إنهما يستحقان هذا وأكثر بعد الفساد الذى عاثاه فى الأرض لفترة طويلة. مرارا كتب الكاتب الساخر الراحل محمد عفيفى عن موقف اللص الذى يركض فى الشارع وذيل جلبابه بين أسنانه، بينما يطارده صف من الشرفاء الصائحين (حرااامى) ثم يسقط فتنهال عليه اللكمات والبصقات والركلات.. ليس هذا شرفا كله، بل هناك جزء من السادية لا شك فيه، وهذا الجزء السادى وجد مبررا مشروعا مقبولا اجتماعيا. رأيت هذا الموقف مرارا ورأيت فتى متهما بتعاطى المخدرات على الأرض مربوطا بالأصفاد، بينما رجال الأمن ينهالون عليه بأحذيتهم الثقيلة، لم يكن هناك مبرر فهو لا يقاوم، كما أنهم لم يكونوا يحاولون انتزاع معلومة منه. هى فقط فرصة ذهبية لإخراج العنف فى النفوس

ممتع هو عقاب هذين البلطجيين فى برمبال، وكما قالت إحدى الصحفيات لمنى الشاذلى فى اتصال هاتفى: لو تحرش بك هذان فلسوف ترحبين بما يحدث لهما، وأنا أعتقد هذا بكل تأكيد، لكن لو فكرنا على المدى البعيد لوجدنا أن حق المتهم فى أن لا يعذب هو ضمان حقيقى لسلامة المجتمع واستقراره. نحن ضد التعذيب وضد أن يأخذ المواطن حقه بيده، فهذا يفتح باب فتنة لا نهاية لها. منذ فترة رأينا كيف نفذ أهل كترمايا اللبنانية العدالة بأيديهم فى شاب مصرى برىء على الأرجح، ورأينا أهل القرية المصرية الذين قطعوا يد وقدم البلطجى، ونحن نعرف كيف يستطيع التعذيب أن يجعلك تعترف باغتيال كينيدى أو الخازندار أو حتى أوباما، رغم أن الأخير ما زال حيا. ربما حالفنا الحظ اليوم مع هذين البلطجيين، لكن المتهم القادم أو بعد القادم قد يكون بريئا، وقد يكون ابنك أو أخاك تعس الحظ. هذه أمور بديهية اسْتنَّها الضمير البشرى منذ قرون، ونحن لن نخترع العجلة على كل حال. إذن البلطجة جريمة حقيقية. أباطرة البلطجة صنعهم الأمن أيام مبارك، وما نراه اليوم ليس سوى حصاد أزهى عصور الديمقراطية. علينا أن نتمسك بالقانون ولا نطبقه بأيدينا. التعذيب عمل أحمق يؤذى المجتمع على المدى البعيد مهما بدا شهيًّا، ومهما أطفأ نيران نفوسنا، سواء فى بلشاى أو برمبال