قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Tuesday, January 28, 2014

متلازمة الأدب والطب



spc

في فوازير (الخاطبة) للشاعر العظيم صلاح جاهين، تكون شخصية الحلقة وموضوع السؤال شخصية طبيب. هذا ما نعرفه فيما بعد، لأن ما نراه هو فنان منهمك في رسم لوحة. تحوم حوله نيللى وتتساءل لماذا لا يكرس نفسه للفن بدلاً من الطب:
ـ"أنا أقول لك ليه مستسلم. للمهنة التانية إياها. علشان أتعابها يا فندم. كل الناس تتمناها. القرش لوحده مُسكّن. مهما الداء كان اتمكن. فبلاش تبكي وتتمسكن. وتعمل غلبان. أيوه صحيح انطون تشيكوف هو والشاعر ناجي. جمعوا الحاجتين من غير خوف في قلب البرج العاجي. لكن يوسف إدريس لأ. اختار فنه عن مبدأ"

علاء الأسواني

هذه الكلمات الرشيقة العبقرية تلخص الكثير مما أنوي الكلام عنه في هذا المقال، وقد اخترت للمقال مصطلح متلازمة Syndrome لما لها من رنين طبي يدل على حدوث الأعراض معًا: متلازمة إديسون. متلازمة الفشل الكبدي الكلوي. متلازمة ميج. إلخ. 

تعلمت من كل ندوة أو لقاء مررت به أن هناك سؤالين قدريين لابد أن يُطرحا. السؤال الأول هو (من أين استقيت شخصية رفعت إسماعيل؟) بطل قصصك، والسؤال الثاني هو عن علاقة الطب بالأدب. أذكر أن صحفية نشيطة متحمسة قالت لي وعيناها تلمعان من فرط الذكاء: سأوجه لك أسئلة لم تطرح من قبل، فاعتبر نفسك في مأزق حقيقي!. ثم كان السؤال الأول هو من أين استقيت رفعت إسماعيل. السؤال الثاني كان عن علاقة الأدب بالطب.

الأمر غريب وملفت حقًا. أهم أستاذ عندنا في مجال تخصصي (طب المناطق الحارة) هو د. أحمد علي الجارم، وهو عالم جليل، وفي الوقت نفسه شاعر وعضو في المجمع اللغوي، وبالطبع أنت لاحظت الاسم وعرفت من هو أبوه. ماذا عن د. علاء الأسواني طبيب الأسنان البارع؟. ماذا عن د. محمد المخزنجي الطبيب النفسي الذي درس في كييف، وماذا عن د. نجيب الكيلاني صاحب الروايات الإسلامية الشهيرة وكاتب (عذراء جاكرتا) و(ليل وقضبان) ؟. وماذا عن يوسف إدريس ومصطفى محمود؟. ماذا عن تشيكوف وسومرست موم وآرثر كونان دويل صاحب شيرلوك هولمز، ومايكل كرايتون وروبين كوك؟. ماذا عن جيل الشباب مثل السعودية رجاء الصانع.؟ إلخ. ظاهرة محيرة فعلاً. تذكر أن طبيعة الأدب هي الخيال والبوح، بينما طبيعة الطب هي الواقعية والتكتم، فكيف يتفقان؟

حاولت فيما بعد أن أرتب إجابتي عن هذا السؤال، فجاء هذا المقال. العلاقة بين الطب والأدب معقدة تحتاج إلى تفكير متأنٍ قبل الرد لكنى أحاول هنا أن ألخص أفكارى فى مجموعة من الأسباب:

1- الأطباء يصرون على أنهم كذلك: لسبب ما يصر الأطباء على أن ذكر لفظة (دكتور) يعلي من قيمة القصة الأدبية، ولهذا يسهل أن تلاحظ القصص التي كتبها أطباء. أحيانًا يكتب المهندسون والمحامون مهنتهم قبل الاسم لكن هذه أمثلة نادرة لا يقاس عليها. وماذا عن يوسف القعيد ويوسف زيدان وجمال الغيطاني وصنع الله إبراهيم وخيري شلبي ومحمد البساطي وابراهيم عبدالمجيد؟. أهم الأدباء في مصر اليوم ليسوا أطباء. من الملاحظ أن الغربيين لا يفعلون ذلك، لهذا لم نسمع قط عن د. (أنطون تشيكوف) أو د. (سومرست موم) أو د. (مايكل كرايتون) أو د. (آرثر كونان دويل)، بينما يعرف كل مصري أن إبراهيم ناجي ومصطفى محمود وعلاء الأسواني ويوسف إدريس ومحمد المخزنجي أطباء. في البداية لم أتحمس لوضع لقب دكتور قبل اسمي، وكنت أؤمن أن الشخص الوحيد الذي يحق له كتابة (دكتور) قبل اسمه كمؤلف هو من كان دكتورًا في الأدب، أو دكتورًا في مجال التخصص الذي ينصب حوله المقال. ثم تغلب علي الضعف التقليدي الذي يجعلنا نرتكب الأخطاء لمجرد أنها شائعة. قلت لنفسي (هي جات عليا أنا؟). دعك من أنني حاصل على الدكتوراه فعلاً. صحيح أنها دكتوراه في الطب، لكن لماذا يبيح كل الأطباء لأنفسهم أن يضعوا اللقب قبل الاسم وأحرم هذا على نفسي؟

ثمة نقطة مهمة عرفتها فيما بعد هي أن الطب عندي أفاد الأدب جدًا. الناس في مجتمعنا تعلق أهمية على ما يقوله الطبيب وتعتقد أنه الحكمة مقطرة. حتى لو كان يتكلم في السياسة أو الأدب أو الفن التشكيلي أو الدين، وهذا يضر الأطباء أكثر مما يفيدهم لأنه يحرمهم مزية الجدل وسماع الرأي الآخر. يفقدهم بوصلة الاتجاه ويورثهم الغرور. كان لي صديق يدعوه الناس بالدكتور منذ دخل الكلية، وكان يتكلم فيصمتون. يقول آراء سخيفة تثير غيظي في الدين والأدب والسينما والسياسة، وهو لم يفتح كتابًا في حياته، لكن الناس يصغون له في احترام وهيبة ولسان حالهم يقول: يا سلام على العلم!. فيما بعد وجدت أن لفظة دكتور تفتح لك الكثير من الأبواب المغلقة في عالم الأدب. تلك الأبواب التي كانت ستبقى موصدة لو أنني كنت معلمًا أو محاميًا أو ضابطًا.

2- هناك تفسير خطر لي كثيرًا لكن د. (علاء الأسواني) عبر عنه بكلمات دقيقة: الطبيب والأديب يهتمان بالإنسان. لذا مجال عملهما واحد تقريبًا. هذا صحيح. العالم الداخلي الثري المنغلق نوعًا ودقة الملاحظة يصنعان الطبيب كما يصنعان الأديب. يعرض د. إبراهيم ناجي رأيه في كتابه (أدركني يا دكتور) -الذي أسمح لنفسي باجتزاء فقرات كاملة من مقدمته- فيقول: "لعل أعرف الناس بالناس هم الأطباء، ولعل أقل الناس تحدثًا عن الناس هم الأطباء. ذلك لأن قلوبهم من فرط ما وعت ضاقت عن الإفضاء. كانت التجارب الانسانية ترتسم في خواطري مضاعفة، والآلام البشرية لها في جوانحي صدى مرن"

أعرف كثيرين من زملائي الأطباء ذوي النزعة الأدبية الشعرية يمارسون الكتابة في الخفاء وينظمون الشعر بينهم وبين أنفسهم. وطالما تحدثت إليهم قائلا: "إن الأطباء لو كتبوا أجادوا، ولو أذاعوا ما علموا لأحدثوا رجة في الأدب"

لأنهم وحدهم الذين سيكتبون بلا نفاق ويصرحون بالحقائق في غير رياء. ومن يقلب في صفحات الأدب يعثر على مؤلفات أدبية لأطباء مشاهير. مؤلفات قليلة حقًا لكنها خالدة باقية بقاء الزمن. ولا شك أن أكثر القراء قرءوا قصة الطبيب السويدي الأشهر (سلفان اكزل مونته) وقرءوا قصة الأديب البريطاني (دوهاميل) أو قرءوا قصة القلعة للطبيب (كرونين). ولماذا نذهب بعيدًا وهذا تشيكوف سيد أطباء القصة بلا منازع لم يكن يصور إلا الواقع ولا يرسم إلا الحقيقة، وكان من قوله المأثور: "الأدب هو الصدق وليس غير الصدق". رأي عميق وإن كان متحيزًا للأطباء كالعادة. على كل حال لا أعرف مهنة أخرى تتعامل مع الإنسان في حضيض ضعفه ووهنه وخوفه مثل الطب. مهنة ترغمك على سماع آخر كلمات المحتضرين، وهلوسة الغائبين عن الوعي. مهنة ترغمك على أن ترى مشهد الموت الرهيب مرارًا. مهنة يتجرد فيها كل إنسان متسولاً كان أم وزيرًا من ثيابه وزيفه أمامك. كان سومرست موم وهو طبيب آخر يقترح أن يمارس كل أديب عملاً لبعض الوقت في مستشفى لتتعمق خبرته البشرية. من الطبيعي أن تصنع منك هذه المهنة أديبًا فقط لو كنت تملك الموهبة. ضع ألف خط تحت (لو كنت تملك الموهبة) هذه. لو أنك كنت أوسلر نفسه فلن تقدر على كتابة صفحة واحدة ما لم تحمل تلك البذور أو تلك الجراثيم القابلة للنمو في بيئة مناسبة.

3- الأدب نفسه يقترب كثيرًا من عالم الطب. مثلاً من الطبيب الذي لا يقدر على تشخيص سبب الحمى من أبيات المتنبى التالية؟: 
وزائرتى كأنَّ بها حياءً
فليس تزور إلاّ في الظلامِ
بذلت لها المطارف والحشايا
فعافتها وباتتْ في عظامي
يضيق الجلد عن نفسي وعنها
فتوسعه بأنواع السقام
يقول لي الطبيب أكلت شيئاً 
وداؤكَ في شرابكِ والطعامِ
ومافي طبِّهِ أني جوادٌ
أضرَّ بجسمِهِ طولُ الجَمام

حمى خجول لا تأتي إلا ليلاً وتحطم العظام. المتنبي يرى أن سبب هذا طول الراحة والفراغ القاتل الذي عانى منه في مصر، بينما يرى أطباء الحميات أن هذه هي الملاريا أو البروسللا (حمى مالطه). هنا يقترب الشاعر جدًا من الطبيب، وهناك بيت شعر عبقري آخر يقول: 
أعاذك الله من أشياءَ أربعةٍ
السلِّ والعشقِ والإفلاسِ والجربِ

أما عن الجمع بين الطب والأدب فعملية صعبة تقتضي نوعًا من الصراع المستمر. هناك من حسموا قرارهم بشجاعة في وقت مبكر مثل مصطفى محمود وسومرست موم ونبيل فاروق. لقد اختاروا الأدب بذات الكيفية التي تخلص بها د. جيفارا من صندوق الدواء ليحمل بدلاً منه صندوق ذخيرة في مزارع القصب الكوبية. الغريب أن أطباءنا لم يتخلوا برغم هذا عن لفظة (دكتور) بينما لم نسمع قط عن دكتور (تشي جيفارا).

هناك من حسموا قرارهم في الاتجاه العكسي. كم واحدًا في دفعتك الدراسية يكتب الشعر والقصة القصيرة؟. وكم من هؤلاء سيتخلى عن هذه الهواية بعد التخرج ليصير طبيبًا وطبيبًا فقط؟. ربما يفعل هذا بسبب الانهماك في العمل والدراسة. ربما يفعل هذا لأنه بحاجة إلى المال الذي لا يقدمه الأدب بسهولة. ربما يفعل هذا لأن موهبته نضبت. المهم ان معظم الأدباء في دفعتك سوف يحسمون قرارهم ويصيرون أطباء فقط. هناك احتمال 90% أن تكون واحدًا من هؤلاء، وسوف تجد أشعارك في الكراس القديم يومًا ما بعد عشرين عامًا فتعرضها على أولادك، وتزعم أنك كنت أديب الجامعة وشاعر الدفعة، وأن الفتيات كن ينتحرن طمعًا في قصيدة من نظمك. لكن ما أراه يقينًا هو أن الشاعر الذي يستطيع التوقف متى أراد ليس شاعرًا بالضبط، ولن يخسر الشعر كثيرًا بفقده. نفس ما قاله العميد طه حسين عن عبدالرحمن شكري الذي أنهكه النقد السلبي فأعلن أنه سيتوقف.

هناك من لم يحسموا الاختيار قط مثل إبراهيم ناجي وتشيكوف وعلاء الأسواني. إن الطب جذاب بلا شك ومن العسير الاستغناء عنه، دعك من أنه يمنحك مظلة مالية تسمح لك بالاستقلال والصمت عندما تريد، أو انتقاء الوقت الذي تتكلم فيه. أنت تكتب للمزاج وليس لإطعام أطفالك.

أيهما أسهل في الاستغناء عنه؟. الطب أم الأدب؟. أعتقد أن أطباء كثيرين تخلوا عن حلم الأدب، بينما تخلى قليلون جدًا عن حلم الطب. هذا هو الواقع، لكن فيما يخصني أرى أن الاستغناء عن الطب أسهل نوعًا. هناك مليون طبيب بارع لكني لا أعرف سوى يوسف إدريس واحد.

بالنسبة لي يساعدني ولعي بالطب والأدب على الاحتفاظ بتوازني النفسي، كرجل له بيتان وزوجتان يفر إلى واحدة من نكد الأخرى. عندما أتلقى ضربات في معرفتي الطبية أتذكر أنني أديب، وعندما (أحقق) فشلاً جديدًا في عالم الأدب أعزي نفسي بأنني طبيب. لكني -كرجل له بيتان وزوجتان- ألاقي مصاعب جمة في الاحتفاظ بالاثنين. وحياتي دورات يجور فيها الطب على الأدب والعكس. أندمج في الطب حتى أصير عاجزًا عن صياغة أحداث قصة متماسكة، ثم أغوص في الأدب إلى أن أجد عسرًا في تذكر اسم البكتريا المسببة للحمى الراجعة.

إنها حياة عجيبة، لكني لست نادمًا على شيء، ولو قدر لي أن أبدأ من جديد لاخترت الاختيارات ذاتها، وارتكبت الأخطاء نفسها. 

ترى هل أجبت عن السؤال الأبدي أم لم أجب عنه بعد؟!