قصاصات قابلة للحرق

Monday, November 17, 2014

الراحــلة



spc


يصعب عندما ترى صور زينب المهدى أن تصدق أن وجه الطفلة الضحوك هذا يدارى كل هذه الآلام والأوجاع، وأنها فى لحظة بعينها صارت قادرة على أن تقسو على نفسها لهذا الحد، فتغلق حجرتها عليها وتقف فوق مقعد، وتلف الحبل الغليظ حول عنقها شاعرة بخشونته الشريرة، ثم تركل المقعد. أى حزن أوصلها إلى لحظة الجنون تلك؟

فى بداية حياته تدرب الدكتور الأديب عادل صادق –يرحمه الله– في قسم الأورام، وكان أن زار بالصدفة مستشفى الصحة النفسية فرأى هناك مريضا واجما صموتا، قال له ودمعه يتساقط: «كنت أتمنى لو كنت مصابا بالسرطان بدلا من أن أصاب بالاكتئاب!». أثارت هذه العبارة فضول الطبيب، فقرر أن يتخلى عن طب الأورام ويتخصص فى الطب النفسى بقية حياته، فقط ليفهم هذه العبارة الصادمة التى قالها مريض الاكتئاب. الاكتئاب مرض لعين، والأدهى أنه يتطلب قدرا كبيرا من الذكاء والحساسية لدى المريض كى يصاب به، لهذا يقولون إنه فى أهوال الحرب يصاب الجنود البسطاء بالهستيريا بينما يصاب الضباط بالاكتئاب.

لم يبرد جسد زينب الصغير الذى لم يمض فوق الأرض أكثر من 22 سنة، حتى راح الكل يتبارون على تمزيق جثتها واستغلال وفاتها سياسيا ولمصالح ضيقة وبلا أدنى رحمة بأهلها. لماذا انتحرت زينب؟ هى لم تترك تفسيرا سوى كلمات سطرتها فى موقع تواصل اجتماعى تقول: « تعبت.. استهلكت مفيش فايدة، كلهم ولاد كلب واحنا بنفحت فى مياه، مفيش قانون خالص هيجيب حق حد بس احنا بنعمل اللى علينا، أهه كلمة حق نقدر بيها نبص لوشوشنا فى المراية، من غير ما نتف عليها، مفيش عدل وأنا مدركة ده، ومفيش أى نصر جاى، بس بنضحك على نفسنا عشان نعرف نعيش».

إذا أضفنا لهذا أنها قالت لصديق لها: (أنا عايزة انتحر) مرارا، فإن الكلمات تغدو واضحة وتبين بلا شك أنها انتحرت لنفس الأسباب التى تجعل الشباب يقدمون طلبات الهجرة، أو يعتزلون الحياة السياسية: اليأس من التغيير، والنافذة التى انفتحت ودخلت منها الشمس ثم أغلقها أباطرة عصر مبارك وتأكدوا من أنها لن تفتح ثانية. بالمناسبة... تزامن هذا فى ذات الأسبوع مع قصة الشاب الذى اعتقلوه بتهمة أنه يحمل نسخة من رواية 1984 لجورج أورويل!.. طبعا لا أعتقد أن الأمر تم بهذه الكيفية ولا أن رجال الداخلية سمعوا عن 1984 أصلا، بل حدثت مشادة مع الشاب لأسباب أخرى فصار كل ما يحمله قرائن اتهام. قالوا فيما بعد إن القصة تهاجم الحكم العسكرى بينما لم يرد فيها حرف واحد عن الحكم العسكرى لو كنت قرأتها. فى زمني فتشوا بيت طالب تجارة، فضبط بسطويسى كتاب (التنظيم والإدارة) ضمن كتب الطالب. قال للضابط: وجدنا أوراق التنظيم يا باشا. هذه قصة معقولة وأصدقها، بينما يحتاج بسطويسى إلى قدر هائل من الثقافة كى يعرف أورويل. على كل حال لو صحت هذه القصة كما وصلتنا فيبدو أن خيال الخواجة أورويل تحقق فعلا، ونحن نعيش فى عصر 1984 الذى وصفه بالحرف. ولا تريدون أن يكتئب الشباب؟

أضف لأسباب انتحار الطفلة أسبابا نفسية خاصة يعلمها الله وحده. لكن استغلال الحادث سياسيا صار هو الموضة بين الطرفين.. البعض قال إن جماعة الإخوان سبب انتحارها لأنها كانت عضوا فيها وانشقت عنها، وهاجمت الإسلام السياسى والفكر الثيوقراطى. كيف جعلوها تنتحر إذن؟. ثم بدأ تعليق المشانق لـ (عبد المنعم ابو الفتوح) لأنها كانت فى حملته الانتخابية.. إذن هو المسؤول، وظهر المذيع المتحمس يهدد أبا الفتوح بفضحه إن لم يعترف!. لاحظ أن هذا هو موسم الانتهاء من أبي الفتوح، وفى الوقت نفسه تم أكل الثور الأبيض والأحمر، وبدأ التهام الثور الأسود الذى لم يفهم قواعد اللعبة جيدا: السلفيون..

على الجانب الثانى رأى المعارضون أنها ماتت لأنها عضو فى تيار الإسلام السياسى ولم تتحمل الحرب الشعواء على رموزه، وقال البعض إن زينب أصيبت باكتئاب رهيب لأنها رأت ملفات المعتقلات وما يحدث لهن. وقال عضو المكتب التنفيذى لحركة قضاة من أجل مصر إن هناك شبهات جنائية وراء الانتحار، لأن المرأة لا تنتحر بالشنق وإنما تفضل السم. إذن هذا الكلام يفترض أولا أنه لا توجد نساء منتحرات بالشنق فى التاريخ كله، ويفترض ثانية أن الجناة استطاعوا التسلل لغرفتها ولم يشعر أهلها بهم. نعم غرفتها.. هذه نقطة أخرى لأن ما يقال عبر وسائل الإعلام أنها كانت تعيش وحيدة، بينما يؤكد أهلها فى روض الفرج أنها كانت تعيش مع أسرتها كأى فتاة أخرى، وقد تأخرت فى الاستيقاظ حتى الحادية عشر صباحا، ففتحوا باب غرفتها ليجدوا المشهد المروع. لو فرضنا أن هناك من قتلها فلماذا؟ وما خطورة هذه الطفلة لدرجة اتباع أساليب أفلام الجاسوسية هذه؟. هناك فقيه قانونى قال إن الموضوع أدير من الإعلام بشكل عصابي منظم بحيث أعلنوا أنه انتحار قبل أن تكتمل التحقيقات، وهذا يؤكد أنها قتلت!.. يا سيدى الإعلام فاسد ومليء بالهراء، لكن ماذا يقول وماذا تقوله أنت لو وجدت جارتك مشنوقة بحبل فى غرفة نومها؟ هل تنتظر التحقيقات قبل أن تقول إنها انتحرت؟ الخلاصة أن الكل استغل ما حدث لزينب، وزعموا مرة أنها انتحرت لأنها كانت ضمن جماعة الإخوان، ومرة أنها انتحرت لأنها انشقت عن جماعة الإخوان.. وممكن تكون قتلت كذلك!

ليرحم الله زينب.. كانت تستحق أفضل من هذا بكثير، وبالتأكيد كانت تحتاج لعلاج نفسى مكثف وكانت تستحقه. ما أخشاه فعلا هو أن يمس انتحار زينب وترا حساسا فى نفوس الشباب المكتئب فاقد الأمل أصلا، وهو ما ينذر بتكراره فيما يسمى Copycat Suicide الذى يعرفه الغربيون حيث تلي حادث الانتحار المدوي حوادث انتحار أخرى مماثلة تقلده. لهذا ندعو الله أن يكون هذا هو الحادث الأخير من نوعه