قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Loading...

Monday, May 16, 2016

عشر علامات - 1



spc

رسوم الفنان: طارق عزام

لا أحد في الخارج ..

الحديقة خالية، فقط هناك ذلك الكشاف الواهن الذي يلقي نورًا باردًا على الكلأ. صوت صراصر الحقل وضفدع ذكر يغازل أنثاه الفاتنة في مكان ما. السيمفونية المحتومة لليل الربيع. هالة غامضة حول الأضواء كلها كتلك الهالة التي يصفها أطباء العيون ويراها مرضى الجلوكوما قبل أي أعراض. ألقي نظرة عبر ستار النافذة. أنا مطمئن لأن رأفت بالخارج .. سوف يطلق صياح البومة لو سمع أو رأى شيئًا مريبًا . لماذا صياح البومة؟ لأنهم يفعلون هذا في كل القصص .. رأفت لم يسمع بومة من قبل، والحقيقة هي أنني لم أسمع أيضًا. المهم انه سيحدث ضوضاء غريبة لو رأى أحدهم قادمًا..

الشعور الرهيب بأنك في بيت غير بيتك، وأنك غير آمن..

المشكلة هي أن القبض عليّ واستدعاء الشرطة، بعد تلقي العلقة إياها.. هذا السيناريو هو الأفضل والأكثر رفقًا بي. لكن أستبعد أن يحدث معي .. أعتقد أن أقرب السيناريوهات للواقع هو ألا أرجع لرأفت. يظل طيلة الليل يتساءل ثم يعود لداره مع الصباح… وبعد هذا لن يسمع عني أبدًا..

تنهدت ورحت أفكر في المخاطرة التي أقوم بها.

الفكرة هي أنني كالفنان إذا تسلطت عليه فكرة لوحة أو قصيدة أو فيلم، فهو لا يبالي بأي معاناة أو تكاليف أو مخاطرة كي يخرجها للنور. هناك دجاجة بياضة في عقلي لا تكف عن الصياح كي تضع بيضتها، وإلى أن يأتي هذا الوقت فلن أستطيع النوم..

اسمي هو … لا داعي لذكر اسمي الآن.. لن يستفيد منه أحد، كما أنني قد أحكي هذه التجربة في كتابي القادم، لذا لا أريد أن أقدم دليلاً يجعل تعرفي سهلاً.

أعمل محررًا في جريدة متوسطة التوزيع، وأحلم بأن أنشر كتابي الأول الذي سيدوي صداه في كل مكان. لم أكن أعرف موضوعه أو حجمه في البداية، ثم بدأت أحدد هدفي .. هذه المواضيع مثيرة وتروق للجميع. حتى من يسخرون منها لا يقدرون على ألا يتابعوا أخبارها.

موضوع كتابي استلهمته من أسرة سمير ناجي غريبة الأطوار، وهي الأسرة التي أتشرف بتفتيش بيتها الآن على ضوء كشاف في هذا الظلام الدامس.

هذا الموضوع هو (عشر علامات تدلك على أن جيرانك موتى أحياء).

هذه دراسة غريبة. أنت لم تتوقع عنوانًا كهذا قطعًا … لكني أعرف ما أقول جيدًا، وقد كونت قرائن واضحة على كلامي، ولسوف أشرح لك حالاً.

العلامة الأولى ( يأتون من لا مكان):

خذ عندك هذه الأسرة مثلاً. سنوات من الحياة في ذلك الحي، وذلك البيت الواقع أمام بيتي خالٍ تمامًا. يمكنني أن أرى من نافذة غرفتي في الطابق الرابع فناءهم، والبيت الصغير الذي يتكون من طابقين. مكان مثالي للتلصص ومعرفة كل شيء، لهذا يطلق الناس على هذا النوع من البيوت (بيوت مجروحة).

لم يكن فيلا بالضبط بل هي بناية لها حديقة صغيرة حولها. هناك أرجوحة أطفال متداعية دمرتها عوامل التعرية، وسيارة عتيقة صدئة حال لونها ولم يبقَ فيها إطار أو قطعة زجاج واحدة، وهي طراز السيارات التي تعتبرها القطط والكلاب فندقًا ومستشفى ولادة، ويبدو أنه كان هناك حمام سباحة بمساحة سجادة غرفة نومك، لكنه صار مغمورًا بالنباتات الشيطانية والتراب. كل شيء يشي بمكان صغير بهيج، لكنه كان كذلك في الستينيات مثلاً. لربما كبر الأبناء وتركوا البيت أو سافروا للخارج بعد وفاة الأبوين، ولربما ما زال البيت مملوكًا لوريث ما في بلد ما. لا أدري. بالطبع كانت هناك مغامرة دائمة لأولاد الحي عندما تسقط كرتهم خلف السور فيضطرون للتسلق وجلبها من الفناء.

فجأة ظهرت أسرة سمير ناجي .. أب وأم وثلاثة أولاد؛ هم مراهقان وطفلة، يدخلون ويخرجون ويتعاملون كأنهم كانوا هناك منذ زمن. على الباب وُضعت لافتة صغيرة تحمل اسم (مهندس سمير ناجي – 14 شارع الحرية). الرجل أشيب الشعر في الخمسين من عمره، يدخن بكثافة .. متأنق وشديد النحول. الزوجة أرستقراطية الطابع لها شعر قصير يتخلله الشيب. الأولاد هم الأولاد في كل زمن. لم يتعاملوا مع أحد من الجيران قط. لا يزورهم ساعي بريد أو كوّاء أو محصل كهرباء. لم نرَ الزوجة تتسوق. لكن الأولاد يلهون في الحديقة من وقت لآخر.

استبد بي الفضول فسألت عنهم كل بواب في الشارع .. لا أحد يعرف عنهم أي شيء .. الزوجات الثرثارات (الحشريات) في شارعنا لا يعرفن أي شيء. أمي تعشق التدخل فيما لا يعنيها، وبرغم هذا لم تعرف عنهم أي شيء. في الغرب يمكن أن تقرع باب جارك وتقول له إنك جون كوكس الذي يعيش في الناحية الأخرى، فيسمح لك بالدخول والجلوس وشرب الشاي. من الغريب أننا أكثر حرارة ومودة منهم، لكن هذا السلوك غير شائع عندنا.

كان هذا فضولاً عاديًا مني .. لكنه لا يعني أي شيء.. لو كنا سنشك في كل الأشخاص المتحفظين فلن ننتهي أبدًا .. لكن تبقى حقيقة أن هذه الأسرة جاءت من لا مكان بالمعنى الحرفي للكلمة.

هنا ننتقل للعلامة الثانية…..

العلامة الثانية (الخواص الفيزيائية غير المعتادة):

أخي هو أول من لاحظ هذا .. كنا في وقت الغروب .. الشمس تنحدر وراء بيتهم، وتحرق عيوننا عندما ننظر نحوهم من نافذتنا الجارحة. في الشارع استطالت ظلال الكائنات والأشجار والقطط لتزحف إلى الجانب الآخر: جانبنا. وكان الأب يمشي مع طفلته . المهندس سمير ناجي يمشي مع ابنته عائدين للبيت … 

كان أخي ينظر من النافذة متلصصًا، وفجأه قال لي:
ـ«غريب ..»

ـ«أي شيء غريب ؟»

ـ«لا أرى ظلاً لهما .. كل الناس لهم ظلال طويلة .. أين ظلهما؟»

نظرت من النافذة.. بالفعل هذه ملاحظة غريبة. أنت تعرف المناظر المزيفة بواسطة فوتوشوب، عندما يكون المزيف غير بارع فينسى رسم الظل على الأرض. نفس التأثير تقريبًا، لكن هذا لا يجب أن يدعو إلى انعدام الثقة .. أعتقد أن نصف أصدقائي الأعزاء بلا ظل على الأرض. قرأت قصة قديمة مسلية لهانز كريستيان أندرسن عن رجل تخلى عنه ظله. فكرت في هذا بينما المهندس يقرع الباب الخشبي الذي يفتح على الحديقة بمقبض نحاسي كبير، ومن الداخل يهرع ابنه المراهق ليفتح الباب. لماذا لا يحمل مفتاحًا معه إذن؟

لكنك لا تستطيع إلا التفكير في الأمر مليًا عندما ترى أن الكلاب تبتعد عن أفراد هذه الأسرة. لم تعد القطط والكلاب تنام في السيارة العتيقة. عندما يمشي واحد من الأسرة جوار قطة في شارعنا فإنها تقوس ظهرها وتصدر فحيحًا شيطانيًا غاضبًا، أما الكلاب فتضع ذيولها بين أفخاذها وتتراجع .. ربما تنبح لكنه نوع من التهويش..

كل هذه تفاهات .. أنت لا تشك في شخص لمجرد أن الكلاب والقطط تكرهه. هذا يحدث في أفلام الرعب السخيفة، لكننا في عالم الواقع هنا ..

هذا ينقلنا مباشرة إلى العلامة الثالثة ……………….

يتبع