قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Monday, June 9, 2014

أريج



spc


أتصور أن هذه الرسالة قد تصل لأولى الأمر، وقد تدفعهم للنظر فيها بعين الاعتبار. إن أوضاع المعتقلين الصحية جزء لا يتجزأ من شرف الدولة وتحضرها. كل عهد جديد يبدأ بالعفو وفتح صفحة جديدة، وأنا اتوقع ذلك هنا، خاصة إذا كان العفو صحيا. بالطبع ما لم يكن صاحب الموضوع قد ارتكب جريمة كبرى أو قتل أو حرض أو أحرق ممتلكات. عندها يجب أن يتلقى عقابه فى حدود القانون

الطفلة أريج (خمسة عشر عاما) أرسلت لى رسالة على بريدى الإلكترونى، أنشرها هنا لأننى لم أطق أن أتجاهلها. والد الطفلة هو دكتور حمدي عبيد أحد المعتقلين بتهمة الانتساب للإخوان فى سجن الأبعدية بدمنهور، وهى تتكلم عن تدهور وضعه الصحى

تقول أريج:
«أبى (حمدى عبيد).. قضى 33 سنة خدمة فى وزارة الصحة، وحين يمرض ويحتاج إلى العلاج يظل فى محبسه محروما من أقل حقوقه. أبى عمره 58 عاما، وهو استشارى أمراض قلب وعمل بنقابة الأطباء 27 سنة.. وأب لأربعة أبناء: عمرو.. مدرس مساعد بجامعة الأسكندرية كلية الهندسة قسم هندسة الحاسب والنظم. آلاء.. طبيبة أسنان وزوجة وأم لحفيده الذى لم يره حتى الآن. أشرف.. طبيب أسنان. أريج.. طالبة فى الصف الأول الثانوى.

أبى معتقل فى سجن الأبعدية منذ 258 يوما دون أن يرتكب جريمة فى حق وطنه أو حق أى شخص.. وُجهت إليه اتهامات باطلة مثل التحريض على الشغب، ثم حولوه بعد فترة على قضية حرق ديوان محافظة البحيرة مع 160 آخرين. أبى يعانى من تمزق حاد فى الشبكية وآلام فى ظهره وكتفه إثر حادث سيارة منذ سنتين.. لا يطالب سوى بعلاجه على نفقته الخاصة فى مكان يتعامل معه كإنسان وليس كمجرم يكشف عليه الطبيب مكبلا بالأغلال. أبى يشهد له كل من تعامل معه بحسن الخلق وطيبة القلب.

أبى بعد 30 سنة خدمة لمرضاه سيفقد عينه بسبب سوء الرعاية الصحية.. أناشد كل من يمتلك قليلا من المشاعر الإنسانية بعيدا عن أى خلافات سياسية أن يتم الإفراج الصحى عن أبى»

تعودنا مع كل عهد جديد أن يبدأ بالعفو والمصالحة السياسية. مبارك نفسه فعل ذلك والتقى المعتقلين وعلى رأسهم فؤاد سراج الدين وهيكل، وبالفعل شهدنا فى جامعة طنطا انفراجة بعد الإفراج عن بعض الأساتذة الإخوان الذى لم يثبت عليهم عنف أو حمل سلاح، وتفاءلنا كلنا بذلك، وبصراحة لا أملك إلا أن أتمنى الإفراج عن هذا الكهل الطبيب الذى لا يتصور منه حمل سلاح، خصوصا بعد ان قرأت خطاب ابنته:
«هل أحببت الكتابة إلا منك يا حبيبى؟؟. أنت معى فى منامى لا تتركنى أبدا.. عندما تتأخر عنى يومين أحدثك ليلا قبل أن أنام فتأتى بوجهك البشوش تحدثنى فى منامى. أنت معى فى كل تفاصيل حياتى.. أصبحت أشرد كالهائمين حبا فى وجهك البشوش وأتحدث معك بالساعات نضحك ونبتسم ونتجادل.. وأحيانا أناقشك فى قراراتى وأعمل أيضا برأيك!! كفكف دموعك يا حبيبى عندما تفارق يدى يدك بعد انتهاء الزيارة.. كفكف دموعك واجعلها بينك وبين ربك.. اجعله يسمع شكواك فدعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.. أليست فى نفسك حاجة تحدث بها ربك يا حبيبى؟

فى آخر زيارة شعرت بحجم المعاناة التى تمر بها يا حبيبى فهى كانت أول زيارة لى فى سجن الأبعدية.. كنت أحدث حالى متى ينتهى ذلك العذاب حتى أعود إلى بيتى وأرتاح، وتذكرت يا حبيبى أنى سأتركك فى ذلك العذاب وحدك تلتحف الدعاء لتحتمى من ألم الشتاء!!.. ثم أطللت أنت ببسمتك الجميلة ودموعك التى ترفض النزول تظاهرا بالقوة.. حضنك الدافئ كان كافيا حتى ينسينى كل الهموم وكأنك لم تحتضنى يوما يا حبيبى!!.. جلست بجانبى وأمسكت يدى حتى تدفئها لى ومرت الربع ساعة سريعة ثم ودعتنى ودموعك منهمرة ويدك تفارق يدى.. ذهبت أنا إلى السيارة حتى أذهب إلى البيت وذهبت أنت إلى زنزانتك.. أنت معى يا حبيبى مهما فرقتنا الأماكن والأزمنة.. أقسم لك أنك قريبا ستجلس معنا تضحك وسأكرر على سمعك ذلك المقال حتى تمل مني!!.. ولكن بابتسامة ستقول لى "جميل.. انتِ تكتبى حاجة وحشة؟" كما كنت تقول يا حبيبى. سيأتى يوم ستجلس معى بالساعات لن يأخذك منى أحد.. سأكرر عليك كلامى حتى تمل مني!!.. سأنام بجوارك ليلا فى حضنك الدافئ وتوقظنى مبكرا بصوتك الحنون حتى نفطر سويا».

انتهت الرسالة التى مست وترا فى قلب كل من قرأها، ولهذا لم أستطع ألا أنشرها.. ومن جديد أكرر: يجب أن يكون مقياسنا هنا هو حالته الصحية، مع الوضع فى الاعتبار هل حرض أو قتل أو أحرق؟.. إن كانت الإجابة نعم فأنا أعتذر، وأسحب هذا المقال وأتحجج بسذاجتى. أما إن كانت الإجابة لا، فإننى أرجو أن تصل كلمات هذه الطفلة إلى أولي الأمر وأن ينظروا لها بعين الاعتبار كآباء.

قد تكون هذه حالة فردية، لكن البشر فى النهاية ليسوا أرقاما، فى رواية «كل شىء هادئ فى الجبهة الغربية» خرجت التقارير تحمل نبأ وفاة جندى واحد، وبذلك اعتبرت الجبهة هادئة جدا واليوم جميلا. لكن الرواية اقتربت من حياة الجندى حتى شعرنا فعلا بفداحة فقده. لقد بدأ عهد الرئيس عبد الفتاح السيسى، وأوقن وأتمنى أنه سيبدأ هذا العهد بصفحة جديدة من الصفح عمن لم يخرب هذا الوطن ولم يحرقه، خاصة إذا كان يستأهل عفوا صحيا مثل دكتور حمدي