قصاصات قابلة للحرق

ابحث معنا

Saturday, July 2, 2016

إنه تأثير لوسيفر



spc

منذ أسابيع كتبت هنا عن تجربة ميلجرام الغريبة، التي تقضي بأن الخضوع للسلطة والتصديق الأعمى لها، قد يغري الناس بارتكاب أفظع صور القسوة. ثمة تجربة أخرى لا تُذكر تجربة ميلجرام من دون ذكرها، ولها قواعد مشابهة نوعًا.

هل السجن يغير شيئًا في شخصيتك؟ هل تتغيرشخصية السجين والسجان فيه؟

هذه هي التجربة التي أجرتها جامعة ستانفورد عام 1971 تحت قيادة عالم نفساني اسمه (زيمباردو)، وهو عالم اشتهر فيما بعد بعدة كتب مهمة منها كتاب (تأثير لوسيفر). 


صارت هذه التجربة فيما بعد من كلاسيات علم نفس السجون، ويتم الاستشهاد بها كثيرًا جدًا، كما أن فيلمًا روائيًا طويلاً صنع عنها. وطبعًا لن أقدم لك وصلة تحميله من النت !

عادت هذه التجربة للذاكرة بقوة  بعد نحو 30 عامًا، عندما رأى الأمريكيون الصور المروعة لسجن أبي غريب في العراق، ومدى السادية والاستهانة بالبشر اللذين عذبت بهما المجندة ليندي إنجلوند أسراها العراقيين المكبلين. الفتاة صغيرة الحجم والسن ولا تبدو شرسة، فما هي القوة السحرية التي جعلتها  تتعامل بهذا الشكل القذر مع أشخاص لا خطر منهم؟. هذا هو تأثير لوسيفر الذي يحيل أشخاصًا عادين مسالمين إلى شياطين.


بدأ زيمباردو بتجنيد الطلبة في مشروعه، باعتبار أنهم سيمثلون مجتمع السجن لمدة أسبوعين. واختار فريقًا من الذكور بدا واضحًا أنهم متماسكون نفسيًا وسليمو الجسد وبلا ميول إجرامية. ثم تم إنشاء سجن تجريبي في قسم علم النفس، وتم تقسيم المتطوعين إلى 12 سجينًا و12 سجانًا. أما زيمباردو نفسه فصار مدير السجن.

قضت تعليماته بأن يتم حرمان السجناء من فرديتهم.. لابد من خلق نوع من الخوف والتهيب في نفوسهم، وفي الوقت نفسه منع الحراس من استعمال الجوع أو العطش أو القوة الجسدية معهم. فقط زود الحراس بعصي وسترات شبه عسكرية ونظارات شمس (مهمة لمنع تعاطف العينين)، وكان عليهم أن ينادوا السجناء بالرقم وليس بالاسم، حتى لا يكون هناك أثر للمودة. مع الوقت يفقد السجين ذاتيته ويشعر بأنه رقم.

لم ينتظروا طويلاً: بعد يوم واحد بدأت ثورة تدب بين السجناء، وتطوع السجانون للقضاء على هذه الثورة، وهاجموا المساجين بأجهزة إطفاء الحريق دون أن يطلبوا الإذن من المدير. 

بعد 36 ساعة أصيب أحد السجناء بحالة هستيريا وراح يصرخ ويبكي فاضطروا لإطلاق سراحه. بدأ السجانون يتعاملون بافتراء واضح ورغبة سادية في الإيذاء. لم يعودوا يسمحون للسجناء بالذهاب لدورات المياه بل يرغمونهم على قضاء حاجتهم في دلاء، ولم يسمحوا لهم بإفراغ هذه الدلاء.  لقد بدا واضحًا أن ثلث السجانين يتمتعون بلذة سادية أصيلة، ولقد أبدى الكثير منهم ضيقهم عندما انتهت التجربة بعد ستة أيام، كأن هذا قطع متعتهم.

الأغرب أن زيمباردو نفسه وجد أنه وقع فريسة السادية، كما أنه صار أكثر قلقًا، لدرجة أنه صدق إشاعة عن قرب إنهاء التجربة وإطلاق سراح السجناء. توتر جدًا ونقل السجناء للقبو. وكما يقول برنارد شو:"أكثر الناس قلقًا في السجن هو السجان".

أضرب أحد المساجين عن الطعام  بسبب سوء المعاملة، فحمله السجانون وألقوا به في حبس انفرادي، ثم وعدوا المساجين الآخرين بأن يطلقوا سراحه إذا تنازل واحد منهم عن الحشية التي ينام عليها.. لكن أحدهم لم يقبل بذلك. استمرت التجربة إلى أن جاءت طالبة دراسات عليا في علم النفس إلى السجن ورأت سوء معاملة المساجين وتدهور الحال، من ثم انتقدت الدراسة وقالت إنها غير أخلاقية. لاحظ زيمباردو نفسه أنه تغير، ولم يعد مراقبا محايدًا، وأصابه الرعب فأنهى التجربة. 


يمكن بشكل ما أن نربط هذه التجربة بتجربة ميلجرام. مدى الشر الذي يمكن للسلطة أن توصلك له. قال زيمباردو فيما بعد إن الموقف هو الذي سيطر على شخصيات المشاركين. البيئة السيئة تخرج أقذر ما في النفس البشرية. أشخاص مسالمون طبيعيون يطيعون السلطة لدرجة تعريض بشر مثلهم للتعذيب والخطر. أما عن السجناء فقد تعلموا أنهم أقل من البشر.. فقدوا ذاتيتهم مع اعتيادهم المناداة بالأرقام، ومع الوقت قبلوا حقيقة أنهم اقل من الحراس في سلم البشرية. اضطر زيمباردو لإخراج خمسة سجناء من التجربة لأنهم دخلوا في انهيار عصبي كامل. 

المشكلة في هذه الدراسة أن الكثير من السجانين أظهروا ميولاً سادية حقيقية لا لزوم لها (تجاوزوا ما طلبته السلطة منهم). هناك الكثير من الحماسة التي يعزوها البعض لتأثير هوثورن، ومعناه أن مواضيع هذه الدراسات يحاولون عمل ما يتوقعه مصممو الدراسة منهم: توقع مصمم الدراسة أن يكون السجانون قساة، فقرر السجانون أن يبالغوا في قسوتهم.

بعد أعوام طفت هذه التجربة للسطح مع صور إهانة السجناء وتعذيبهم في سجن أبي غريب، وقد كتب زيمباردو كتابه الشهير (تأثير لوسيفر) ليعلق على هذه القصة المؤسفة. العوامل التي تحول شخصًا طيبًا سويًا  إلى شيطان. 


هكذا يمكن لتجربتي ميلجرام وستانفورد أن تفسرا قدرًا كبيرًا من سادية السجانين وإحساسهم بالتفوق والرغبة الأصيلة في تعذيب السجناء. هناك عنصر الخضوع للسلطة بشكل أعمى، والثقة بأنها تعرف ما تريد، لذا تتمادى في طاعتها حتى لو كان الثمن إيذاء بشري مسالم مثلك، ثم الشعور بالتفوق واللذة السادية. أضف لهذا المناخ القاسي المواتي في السجون.